حوار | "العلقة" الفلسطينية بين خياري حل السلطة أو تأبيدها

حوار | "العلقة" الفلسطينية بين خياري حل السلطة أو تأبيدها
احتجاجات في نابلس على مخطط الضم و"صفقة القرن" (أ ب أ)

علي الجرباوي:

  • المعادلة الاحتلالية لا تتيح وجود سلطة بدون تنسيق أمني
  • الضم سيقضي على بصيص الأمل المتبقي بتحول السلطة إلى دولة
  • إسرائيل ذاهبة باتجاه دولة واحدة من البحر إلى النهر ناقص الفلسطينيين

في تفسيره لمعاني وقف النسيق الأمني مع إسرائيل وتردد السلطة السابق في الإقدام على مثل هذه الخطوة فعليا رغم الإعلان عن ذلك في أكثر من مناسبة، يرى الكاتب عريب الرنتاوي، أن "وقف التنسيق الأمني يعادل حل السلطة أو انهيارها".

وبعد أسبوع على إعلان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، التحلل من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها، بما فيها الالتزامات الأمنية، وبعد أن اتضح أن هذا القرار أكثر جدية من قرارات سابقة ذهبت حبرا على ورق، يتضح أيضا حجم ارتباط السلطة الفلسطينية بإسرائيل، وكيف أنها لا تستطيع "وضع حجر على حجر دون تنسيق ذلك مع إسرائيل"، وهو ما يفسر عمليا الدور الوظيفي الذي فصلته لها اتفاقيات أوسلو كوكيل للاحتلال في إدارة شؤون الفلسطينيين اليومية، التي لا يمكن تصريفها إلا من خلال قناة التنسيق الأمني.

وبهذا المعنى، فإن حياة كل فلسطيني من الملايين الخمسة الذين يقيمون في هذه المناطق، تتأثر باستمرار هذا التنسيق، بما في ذلك حركة قيادات السلطة ورئيسها، وتحريك الوحدات الأمنية الفلسطينية وحركة الدخول والخروج على المعابر والحدود، والعمل والدراسة والحج والعمرة، وغيرها من الأمور الحيوية المرتهنة بموافقة الضابط الإسرائيلي، وهي ما تجعل "التنسيق الأمني" يمسك السلطة من خناقها.

وبالمحصلة، فإن إسرائيل وحدها من تقرر ما إذا كان بمقدور السلطة الاستمرار في أداء وظائفها وخدماتها لشعبها أم لا، وهي لن تمنح الموافقات و"التسهيلات" التي يطلبها الجانب الفلسطيني من دون أن تحصل على تعاون وتنسيق في المجالات الأمنية التي تهمها، وتتعلق بأمن مستوطناتها ومستوطنيها.

السلطة تدرك أن استمرار قيامها بوظائفها وتقديم خدماتها لشعبها يمر من قناة "التنسيق الأمني" وأن وقف هذا التنسيق يعادل كما أسلفنا "حل السلطة أو مواجهة الانهيار"، إلا أن خطوة السلطة الفلسطينية بالتحلل من الاتفاقيات، تحتمل أكثر من تفسير وتخضع لأكثر من سيناريو أقصاها هو ما ذهب إليه كاتبنا، وأقربها هو ممارسة الضغط على إسرائيل في الحيز الزمني المتبقي للعدول عن قرار ضم الأغوار وسحب السيادة على المستوطنات تطبيقا لخطة ترامب والمقرر في أوائل تموز/ يوليو المقبل، وهو القرار الذي سيقضي على إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة و يؤمن سيطرة إسرائيل على مساحة فلسطين التاريخية، ضمن ما وصفها د. علي الجرباوي "دولة واحدة ناقص الفلسطينيين".

حول قرار الضم الوشيك ورد الفعل الفلسطيني المتمثل بقرار "التحلل" من الاتفاقيات الموقعة معها، كان هذا الحوار مع أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت، د. علي الجرباوي.

"عرب 48": قلت في مقال نشر مؤخرا أن خطة ترامب لا تترك حتى لغلاة المعتدلين الفلسطينيين مجالا للتعاطي معها، لأنها تنطلق في أساسها من إعطاء الأولوية لحقّ دولة إسرائيل الأصيل في "أرض إسرائيل" من النهر إلى البحر، لاعتبارات توراتية وتاريخية، وتتعامل مع الوجود الفلسطيني كمشكلة تعترض طريق هذا الحق، من هنا، فإن قرار الحكومة الإسرائيلية المنتظر بضم الأغوار، هو تطبيق لهذا الحق ولتلك الخطة، وعدم ضم سائر مناطق الضفة وغزة وإبقائها في معازل الحكم الذاتي هو حل لتلك المشكلة؟

د. علي الجرباوي

الجرباوي: إعلان إسرائيل نيتها ضم منطقة الغور تطبيقا لـ"صفقة القرن"، هو أمر هام ومصيري بالنسبة للمشروع الفلسطيني الذي كان قائما على حل الدولتين، هذا القرار يطيح بإمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة ويحكم على الفلسطينيين القبول بسلطة محميات، أو بانتستونات معزولة ومنفصلة عن بعضها ضمن اشتراطات إسرائيلية هائلة، لا تعطي أي معنى لسيادة واستقلال وإنهاء للاحتلال.

من هنا فإن الموضوع قاس وشديد والجانب الفلسطيني لا يستطيع التغاضي عنه، علما بأن الخطأ الإستراتيجي كان في عدم التوقف عند عدم تطبيق اتفاق أوسلو في عام 1999 عندما انتهت الفترة الانتقالية لتطبيق هذا الاتفاق والبالغة خمس سنوات، وتم بقاء السلطة واستمرار المفاوضات دون تحديد سقف زمني ودون اشتراط تجميد الوضع على الأرض، وهو ما جعل إسرائيل تستغل كل هذه الفترة لغرض توسيع الاستيطان وفرض حقائق على الأرض.

تدريبات عسكرية للاحتلال في الأغوار (أ ب أ)

وقبل ذلك كان خطأ إستراتيجيا آخر تمثل بالقبول بتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق، أ، ب، جـ، ولكن مع ذلك ظل بصيص من الأمل لحل الدولتين، ورغم تمدد الاستيطان الذي كان يضع علامات استفهام كبيرة حول الموضوع فإنه على الأقل كانت دول العالم متفقة حتى الآونة الأخيرة ولو شكليا على حل الدولتين.

أما الآن، فإن صفقة ترامب التي فتحت المجال لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية، ويندرج في إطارها القرار الإسرائيلي المنتظر بضم منطقة الغور، تضع نهاية لحل الدولتين وتضع إسرائيل على عتبة تحقيق الهدف الصهيوني بنسبة كبيرة، وهو الاستحواذ على أكبر كمية من الأرض مع أقل عدد من السكان الفلسطينيين، بمعنى دولة واحدة من البحر إلى النهر ناقص الفلسطينيين.

"عرب 48": هناك من يقول إن إسرائيل بذلك تحقق "حلم الدولة الواحدة" وإن كانت دولة أبرتهايد؟

الجرباوي: القرار الإسرائيلي المنتظر بضم منطقة الغور وسحب السيادة على المستوطنات، يعني عزل الفلسطينيين في كانتونات منفصلة عن بعض، وهو لا يصفي إمكانية حل الدولتين، بل يمنع إقامة دولة واحدة أيضا، لقد ذهبوا إلى طريق ثالث إن صح التعبير، الذي هو لا دولتين ولا دولة واحدة، وباختصار قاموا بعملية ترانسفير قانوني للفلسطيني وهو قابع في مكانه، فبدلا من أن يكون جزءا من دولة إسرائيل، بمعنى ضم كل الضفة الغربية بما عليها، سيقومون بضم الأراضي التي يريدونها ويتركوا الفلسطينيين على أراض مقلصة، تقع خارج دائرة مسؤوليتهم القانونية ويتبعون قانونيا للسلطة التي يحملون جواز سفرها ولا يشكلون خطرا على "نقاء" الدولة اليهودية.

"عرب 48": هي عملية التفاف على التحول إلى دولة أبرتهايد التي قد تنتج عن ضم كل الأرض دون إعطاء مواطنة للسكان؟

الجرباوي: صحيح، هم يقيمون دولة واحدة دون أن تتحول إلى ثنائية القومية، أو أبرتهايد من خلال عملية عزل الفلسطينيين وحشرهم على جزء صغير من الأرض يقل عن 15% من مساحة فلسطين التاريخية، ضمن سلطة يتبع لها الفلسطيني قانونيا ويحمل جواز سفرها وهم يقضون الآن على آخر بصيص أمل في أن تتحول إلى دولة.

مواجهات مع قوات الاحتلال منعا للضم ورفضا لـ"صفقة القرن" (أ ب أ)

نحن في "علقة"، بمعنى أنك لا تستطيع التخلي عن الاتفاقيات أو تجميد الاتفاقيات أو التحلل منها، دون إنهاء وجود السلطة التي هي أهم ناتج عن هذه الاتفاقيات، فالسلطة هي المعبر الأساس عن هذه الاتفاقيات، وإذا ما أردت التحلل من الاتفاقيات أو إلغائها أو وقفها يجب أن تنهي الاتفاقيات بكل نتائجها، وفي مقدمتها السلطة التي نتجت عنها.

"عرب 48": يبدو أن الرئيس الفلسطيني، عباس، الذي كان يهدد دائما بتسليم المفاتيح لإسرائيل، كان يدرك جيدا هذه الحقيقة؟

الجرباوي: وجود السلطة هو تكريس واقعي للاتفاقيات، وإذا أردت أن تنهي هذه الاتفاقيات، عليك إنهاء وجود السلطة.

السلطة كان الهدف من وجودها هو انتقالي لكي تتحول إلى دولة، وإذا ما أطيح بحل الدولتين، نتيجة ما ستقوم به إسرائيل من ضم لمناطق في الضفة الغربية والذي سيحول موضوع إقامة دولة فلسطينية إلى ضرب من المحال، فمعنى ذلك إما أن تقبل السلطة لنفسها أن تتأبد في وضعها الحالي وإما أن تلغي وجودها.

هذه هي "العلقة" التي نحن بها، أنه من ناحية منطقية لم يعد هناك إمكانية لاستمرارية السلطة كي تتحول إلى دولة تنهي الاحتلال بسبب الإجراءات التي تقوم بها إسرائيل، ومن ناحية أخرى فإن السلطة موجودة منذ أكثر من ربع قرن تراكمت خلاله المطالب والمنافع والمصالح وغيرها من الأمور التي تحول التحلل من وجودها إلى مشكلة أيضا.

ونحن لا نتحدث فقط عن عشرات آلاف الموظفين والمنتفعين المرتبطين بالجهاز البيروقراطي، بل بالدور والمهام والوظائف التي تقوم بها لتسيير أمور المواطنين، فمن ناحية منطقية يقال إنه يجب حل السلطة، ومن ناحية أخرى هناك ضرورة "عملياتية" لوجودها وهذه هي "العلقة".

"عرب 48": أنت تقول إن استمرار وجود السلطة سيكرس ويؤبد الوضع القائم، وحلها سيخلق إشكالات ربما من الصعب التعامل معها؟

الجرباوي: الموضوع لا ينحصر فقط في إغلاق الباب أمام بصيص الأمل الذي كانت تعيش عليه السلطة بإمكانية التحول إلى دولة، بل في استمرارية قدرتها على النهوض بالحمل الملقاة على كاهلها في التكفل بمعيشة الفلسطينيين في ظل وضع دولي وإقليمي كان صعبا قبل كورونا وازداد في ظلها صعوبة، وبغياب وجود قوة في العالم تريد مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل مواجهة جدية، لذلك هناك معضلة نواجهها ببقاء السلطة أو في حلها.

"عرب 48": من هنا نستطيع أن نستشف أن قرار التحلل من الاتفاقيات هو مناورة لها مدى زمني، تهدف إلى الضغط باتجاه ثني إسرائيل عن قرار بدء إجراءات الضم المرشح اتخاذه مطلع تموز القادم؟

الجرباوي: صحيح، الجانب الفلسطيني يحاول مستميتا ويضغط بكل الاتجاهات الممكنة من أجل تأجيل القرار الإسرائيلي بانتظار أن تفرز الانتخابات الأميركية واقعا جديدا، ولكن إسرائيل فيها حكومة يمينية تدرك أيضا أن لديها فرصة يجب اقتناصها بوجود ترامب ومناخ إسرائيلي وعربي ودولي ملائم.

"عرب 48": وقف التنسيق الأمني وغير الأمني مع إسرائيل، أثبت كم هو مرتبط أداء السلطة ومصيرها بهذا التنسيق؟

الجرباوي: وجود السلطة نجم عن اتفاقية مع الطرف المحتل – إسرائيل، وإقامة هذه السلطة التي لا تمتلك سيادة وتسيطر عليها إسرائيل من كافة الجوانب، يجعلها غير قادرة على الحياة دون تنسيق مع إسرائيل، وبغض النظر إذا كنا نوافق عليه أو لا نوافق، هو أمر لا تستطيع السلطة التحلل منه، ما يعني من الناحية الموضوعية وجود واستمرار السلطة ضمن المعادلة الاحتلالية، لا يسمح لها أن تتصرف من دون التنسيق، الذي قد تستطيع وقفه لأسبوع أو أسبوعين أو شهر ولكن في نهاية المطاف لا إمكانية لوجود السلطة من دون التنسيق مع الجانب الإسرائيلي والتنسيق بطابعه هو أمني، لأنه إذا خرجت أنا من بيتي قاصدا المعبر إسرائيل تريد أن تعرف إذا كان لدي ملفا أمنيا أم لا.

نحن نرى ما يحدث مع أموال المقاصة ومسألة تنسيق مرور المرضى وغيرها، الموضوع ليس بخاطرك، فأنت لا تملك المجال لممارسة سيادة من أي نوع لذلك المعادلة، في نهاية المطاف، ليست أفقية بل عامودية، إسرائيل من فوق وانت من تحت، انظر إلى الاتفاق الاقتصادي الذي نحاول منذ سنوات تغييره دون طائل.

لذلك هذه هي المعضلة، هذه هي "العلقة"، فإما أن تستمر وتقبل أن تعيد علاقة التنسيق بكل جوانبه وأما أن تترك، حتى لو لم تحل السلطة نفسها ستترك لتذوب من تلقاء نفسها، بعد أن يغلقوا عليها أبواب المال والهواء وكل شيء، وقد رأينا كيف تعاملوا مع وزير الخارجية الألماني الذي أراد زيارة رام الله وتراجع بعد أن قالوا له إنه سيضطر لدخول حجر صحي لمدة 14 يوما بعد الزيارة.

من هنا، فإن قرار التحلل من الاتفاقيات هو قرار محفوف بأمل أن يساهم في تأجيل القرار الإسرائيلي بضم منطقة الغور مع مطلع تموز القادم، والذي إذا لم يتم تأجيله سيضع الجانب الفلسطيني في مأزق صعب جدا.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"