حوار | ذاكرة المرأة الفلسطينية: نقل للرواية وحفظ للهوية

حوار | ذاكرة المرأة الفلسطينية: نقل للرواية وحفظ للهوية
امرأة فلسطينية تتصدى لعنصر من العصابات الإرهابية الصهيونية في الناصرة، ١٩٤٨ (أرشيف أ ب)

*رلى حامد-أونيل:

  • المرأة المهجرة فقدت بيتها وبيئتها الاجتماعية ومنزلتها الاقتصادية بفقدان الأرض.
  • الذاكرة الفردية والجماعية هي وسيلتنا لحفظ المكان، الوطن والهوية الجماعية.
  • يفترض إعادة الاعتبار لدور المرأة في معركة النجاة والبقاء والصمود الفلسطينية.

في حالتنا الفلسطينية هناك أهمية خاصة للذاكرة الفردية والجماعية، حيث أنها وسيلتنا السياسية والوطنية لتوثيق نكبتنا وتاريخنا في وقت استولى فيه المحتل على أرشيفنا ومستنداتنا الرسمية، وهي وسيلة التصدي والتحدي والبقاء في ظل قوانين إرهابية وترهيبية تبغى إخراس أصواتنا، قصتنا وقضيتنا، فالذاكرة هي وسيلتنا لحفظ المكان، الوطن، القضية والهوية.

نكبتنا المستمرة هي العنصر الأساسي والمركزي لذاكرتنا منذ عام 1948، وهي فعل استحضار الذاكرة وسردها، حيث تؤلف الذاكرات الفردية ذاكرتنا الجماعية التي تنتقل من جيل لآخر في زمن تغيّرت فيه جغرافيا الأرض بسبب بدعة "تحضّر وبناء" المكان، وطغت فيه المستوطنات و"الكيبوتسات" على حقول وهضاب هُجّر أهاليها، وبيوت "طُهّرت" من سكانها، وصبار استبدل بالصنوبر بهدف تهويد أكبر قدر ممكن من الأرض والمكان.

تهجير قرى في الجليل، ١٩٤٨ (من أرشيف رويترز)

والنكبة، بما تمثله من "صدمة" تنتقل عبر الأجيال - كما أكد جفري ألكسندر في كتابه "الصدمة الثقافية والهوية الجماعية" (2004) - خاصة عندما يكون هنالك حدث فظيع يترك أثره على وعي وذاكرة مجموعة معينة، ويؤدي إلى تغيير حاضر ومستقبل هذه المجموعة.

أما العالم الألماني ماكس فيبر، فقد أكد بأن الذاكرة الجماعية تتطلب "مجموعة ملهمة تقوم بشرح أهمية ورمزية الذاكرة، وإيصالها للجماعة الواسعة بأكملها وإقناعها بصلاحية ومصداقية ذاكرتهم وادعاءاتهم".

وفي حالتنا الفلسطينية فإن "المجموعة الملهمة" هي أولاً جيل النكبة، الذي عاش النكبة وجرائم المحتل "على جلده"، إلى جانب مؤسسات وأحزاب وصحافة وكتاب وشعراء، ورسامين وغيرهم ممن عملوا على نشر الرواية والذاكرة وقضية شعبنا، حيث أن منشوراتهم وأعمالهم لها أثر على الأجيال القادمة، والجمهور الواسع، لتنتقل أيضًا عبر الدول والحضارات.

كما أن الذاكرة الفردية هي أيضًا جزء من ذاكرة المقاومة والتصدي لرواية وتاريخ يكتبه المنتصر، هي ترجمة لتجربة مليئة بالعذاب والتهجير والاقتلاع والتصدي والمقاومة رغم مرور السنين والتجارب وبناء عائلة، إلا أن تأثيرات النكبة على الوضع النفسي والعاطفي ما زال عميقًا لدى جيل النكبة.

هذا ما تقوله د. رلى حامد-أونيل، التي وثقت من خلال بحث الدكتوراه شهادات العديد من مهجرات الداخل اللاتي روين معاناة النساء الفلسطينيات في معركة النجاة والبقاء والصمود التي يخوضها شعبنا منذ عام 1948.

حول موضوع البحث، "مهجرات الداخل – النساء، الذاكرة والنكبة"، كان هذا الحوار مع مركزة دبلوما الدراسات النسوية ودبلوما التنمية وحقوق الإنسان في جامعة "كورك" في إيرلندا، مع د. رلى حامد-أونيل.

"عرب 48": تزداد في الآونة الأخيرة الأبحاث عن النساء الفلسطينيات في سياق النكبة، بعد أن غيبن عن مثل هذه الدراسات لفترة طويلة، علما بأنهن أكثر من نقل رواية النكبة إلى الأجيال اللاحقة، حيث نذكر جميعنا حكايات ما قبل النوم الفلسطينية المبللة بدموع الأمهات والجدات؟

د. رلى حامد-أونيل

حامد: لاجئو الداخل عموما لم يحظوا بالاهتمام الكافي من ناحية البحث والدراسة، والنساء بشكل خاص، لذلك آثرت أن أركز على النساء المهجرات داخل الوطن واللاتي تسكن بعضهن على مرمى حجر من قراهن الأصلية التي جرى تدميرها وإخفاء معالمها بأحراش "الكيرن كييمت" (الصندوق الدائم لإسرائيل "كاكال") لإخفاء الجريمة.

ونحن نعرف أن الأمهات والجدات في الواقع هن أكثر من نقل حكاية النكبة إلى أولادهن وأحفادهن، بحكم القرب العاطفي وإقلال الرجال من جيل النكبة في الكلام عموما، وامتناع بعضهم عن الحديث عن النكبة خصوصا، بسبب الجراح التي لم تلتئم بعد.

لقد التقيت في إطار الإعداد للبحث مع نساء مهجرات من الأجيال الثلاثة، الجدة والأم والحفيدة، وفي النهاية قررت التمركز في الجيل الأول الذي عايش النكبة، وقد أنهيت المقابلات عام 2013، وهذا ما مكنني ربما من مسابقة الزمن، حيث توفيت بعضهن بعد سنة أو اثنتين من ذلك، ولكني انقطعت عن الدراسة مدة خمس سنوات لأسباب شخصية ما أخر صدور البحث هذه الفترة.

البحث اعتمد على مقابلات شخصية مع 18 امرأة من مهجرات الداخل ممن عايشن النكبة والتهجير والترهيب والمجازر التي رافقتها، وروين تجربتهن الشخصية عن الحياة الفلسطينية قبل النكبة وعن أحداث النكبة وعن حياة اللجوء حتى لو كان داخل الوطن، وكيف انتزعت عائلات كاملة بين ليلة وضحاها واقتلعت من بيوتها وأرضها وبيئتها الطبيعية، ولم يسمح لها بالعودة حتى لأخذ مؤن ضرورية تعينهم على قوت يومهم، فكانت النساء يتسللن لإحضار بعض الغذاء وقطف بعض ثمار أشجار البساتين.

"عرب 48": تبقى النساء ومهجرو الداخل جزءا من مأساة شعب كامل هُجر من أرضه وشُرد في المنافي، وربما كان مهجرو الداخل حتى "أكثر حظا" – إن جاز التعبير - من غيرهم لأنهم بقوا في وطنهم؟

حامد: الوضع لا يختلف كثيرا، فالاقتلاع من أرضك وبيتك هو ذاته، ورحلة النزوح ومعاناتها أيضا وكذلك فقدان كل شيء، البيت والأرض والبيئة الاجتماعية وكذلك اللجوء والشعور بالغربة.

لقد مر مهجرو الداخل في رحلة عذاب أسوة بغيرهم من اللاجئين الفلسطينيين، وفقدت المرأة ليس فقط بيتها الدافئ بل كيانها الاقتصادي، بعد مصادرة الأرض التي شكلت معها جزءا من اقتصاد العائلة.

تهجير القرى الفلسطينية في الجليل (من أرشيف رويترز)

لقد قطعت هذه العائلات رحلة نزوح شاقة وطويلة لجأت خلالها في بعض الحالات إلى أكثر من قرية، فهناك سيدة قابلتها قالت إنها ذهبت إلى إربد في الأردن وعادت لتلجأ في الداخل وهناك، وأخرى مكثت في مخيمات سورية لمدة أربع سنوات، وسيدة ثالثة لجأ والدها وأخوتها إلى حرفيش، بينما استقر بها المطاف هي ووالدتها بالرميش في لبنان ثم عادت بعد سنة، وبالعموم فإن الجميع قطع مسافات طويلة بعيدا عن قريتهم ولجأوا لبعض الوقت إلى قرى نائية، وبعضهم إلى خارج حدود الوطن، ثم عادوا ليستقروا قريبا من قريتهم الأصلية.

هي عودة أو محاولة عودة اعترضتها بنادق جيش المحتل وقوانينه التي هدفت إلى الاستيلاء على الأرض والمكان، وهو ما تطلب تغييب صاحبهما حتى لو كان حاضرا، كما حدث مع مهجري الداخل الذين يسكنون على مرمى حجر من قراهم ومدنهم، كما هو حال الصفافرة في الناصرة والدامونية في طمرة والبروة في الجديدة المكر وغيرهم، وهم محرومون من العودة إليها وإلى أرضهم التي توزعت على "الكيبوتسات" والمستوطنات.

"عرب 48": ما هي المعاناة التي كانت من نصيب المرأة بشكل خاص في مسألة اللجوء؟

حامد: أولا فقدان الأرض التي كانت المرأة الفلسطينية سيدتها بكل معنى الكلمة، فهي تكد وتتعب وتعمل وتجني مثلها مثل الرجل، وبهذا المعنى فإن فقدان الأرض حول النساء الفلسطينيات اللاجئات إلى عاطلات عن العمل، في وقت كان فيه الرجال الذين تحولوا إلى عمال بالكاد يجدون العمل الذي - إن وجد - يحتاج الوصول إليه إلى تصريح من الحكم العسكري.

وعند الحديث عن مهجرات المدن، فإن قانون ما يسمى بـ"أملاك الغائبين"، الذي صادر الأرض، استولى أيضا على أملاك المهجرين من المدن ومصادر رزقهم وبيوتهم، وحرمهم من بيئتهم الآمنة التي وفرت حيزا واسعا لحرية حركة المرأة.

إحدى النساء التي قابلتهن قالت إنها وبنات جيلها لم يعد باستطاعتهن الخروج من البيت، لأنهن "غريبات" و"العين عليهن" ولغياب الحقل والبستان وحاكورة الدار، فقد فرض اللجوء والاغتراب قيودا اجتماعية، إضافة إلى القيود السياسية التي فرضها الحكم العسكري، ما جعل المرأة الفلسطينية تعيش في سجن مضاعف.

مخيم للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان (من أرشيف الأونروا)

ومع ذلك، فقد كانت الحاجة تدفع بالنساء إلى التسلل ليلا إلى قراهن وبيوتهن الأصلية، لإحضار بعض الغذاء وبعض الثمار من البساتين التي كانت لا تزال عامرة، فالمرأة بالنهاية هي المسؤولة عن توفير الغذاء اليومي للعائلة، وكانت تقوم بهذا التسلل لأنها تعرف أنه يشكل خطرا جسيما على الرجل.

"عرب 48": ما زلنا نذكر مصطلح مثل "حارة التنك" الذي كان يطلق من باب الازدراء على حارة الصفافرة لأن بيوتها كانت من صفيح؟

حامد: هي من سيئات مجتمعنا، ولكن من حسناته أيضا أنه استقبل المهجرين واحتضنهم، كما أن هذه الأحياء تحولت لاحقا إلى جزء من المدينة أو القرية واندمج أهلها في حياتها.

لقد أرادت إسرائيل توطين اللاجئين في أماكن سكناهم الجديد لتبديد حقهم ومطلبهم بالعودة، ولم ترد مخيمات لاجئين داخلها، وهذا منح المهجرين ظروفا سكنية وفرص اقتصادية متساوية مع بقية أبناء شعبهم في الداخل، خاصة وأن إسرائيل صادرت لاحقا أرض الجميع وحولتهم إلى عمال.

لكن بالرغم من ذلك، فإن الحنين للعودة لم يفارق المهجرين، والمطالبة بها كحق مقدس ينتقل من جيل إلى جيل ويترجم في مسيرات العودة السنوية التي تنظمها لجنة المهجرين ويشارك بها آلاف الشباب من الجيل الثالث للنكبة، الذي أسقط المقولة الصهيونية القائلة الآباء يموتون والأبناء ينسون، وأكد أن العودة حق لا يموت ولا يسقط بالتقادم بل هو ينتقل من جيل إلى جيل.


*د. رلى (حامد) أبو زيد-أونيل: حاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كورك – إيرلندا. أكاديمية مختصة بمجال النساء، الصراع، الذاكرة والصدمة. تشغل منصب مركزة دبلوما الدراسات النسوية ودبلوما التنمية وحقوق الإنسان في جامعة كورك.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ