أمام الخذلان العربي والانحياز الأميركي.. الأولوية لإصلاح البيت الفلسطيني

أمام الخذلان العربي والانحياز الأميركي.. الأولوية لإصلاح البيت الفلسطيني
مظاهرة تطالب بإنهاء الانقسام الفلسطيني (أرشيفية - أ ب أ)

د. دلال عريقات:

  • القيادة الفلسطينية في وضع لا تحسد عليه والخيارات أمامها ضئيلة ومحدودة.
  • ترميم البيت الداخلي واستعادة الوحدة الجغرافية والسياسية الفلسطينية أصبح ضرورة وطنية.
  • الانتخابات آلية لإنهاء الانقسام واحتلال جيل جديد سدة القيادة.
  • تأخر مخرجات اجتماع الفصائل يثير القلق والتخوف للعودة إلى سيرة المصالحات السابقة.

تحت عنوان "الانتخابات الفلسطينية" كتبت د. دلال عريقات، منذ 14 عامًا لم يشارك الفلسطينيون في الحياة السياسية من خلال عملية الانتخاب، وفي ظل تردي الوضع السياسي وسياسات دونالد ترامب وفرضه الحقائق على الأرض وعنصرية بنيامين نتنياهو وخطط الضم، إضافة لهرولة الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل، أدركت القيادة الفلسطينية أن خياراتها باتت قليلة جدًا وهو ما دفع الرئيس محمود عباس، للدعوة لاجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، وخلال أسبوع سيكون هناك اجتماع ثانٍ للأمناء العامين لإقرار آليات التنفيذ والمتابعة.

وأشارت إلى أن أهم البنود المتفق عليها، إجراء الانتخابات خلال ستة أشهر، وتشكيل حكومة ائتلاف وطني من مخرجات الانتخابات التشريعية، واعتماد المقاومة الشعبية بصفتها الخيار الأمثل في هذه المرحلة سياسيًا واجتماعيًا.

وتساءلت د. عريقات فيما إذا كان الرئيس عباس وقيادة الفصائل سيمضون إلى الانتخابات حتى لو رفضت إسرائيل تسهيل عقد الانتخابات في القدس؟ وهل ستضغط دول العالم على إسرائيل لتسهيل وضمان عملية انتخابات تضمن ممارسة المواطنين الفلسطينيين في القدس لحقوقهم السياسية؟ وهل ستقبل الدول المانحة بنتائج الانتخابات أيًا كانت، أم أنها سترفض نتائج الديمقراطية التي لا تأتي على هواها كما فعلت سابقًا؟

التوقيع على معاهدات التحالف بين الإمارات والبحرين وبين إسرائيل في البيت الأبيض

وأخيرًا، هل عقد الانتخابات سيحقق الديمقراطية التي نطمح بها؟ وهل سنرى الفصائل ترشح فئة الشباب ومن هم في سن العشرين والثلاثين؟ وهل سنشهد تمثيلًا حقيقيًا للمرأة الفلسطينية؟ أم أنها ستكون مجرد عملية انتخابية ستفضي لتجديد شرعية النظام القائم من خلال عملية اقتراع.

والسؤال الأهم الذي لم تطرحه د. عريقات هو: هل ستشكل الانتخابات آلية لاستعادة الوحدة السياسية والجغرافية الفلسطينية وخلق إستراتيجية لمواجهة التحديات الكبيرة التي تعترض القضية الفلسطينية؟

حول هذه الأسئلة وغيرها كان هذا الحوار مع المحاضرة في موضوع حل النزاعات والدبلوماسية والتخطيط الإستراتيجي في الجامعة العربية الأميركية، د. دلال عريقات.

"عرب 48": القيادة الفلسطينية لجأت إلى الداخل في محاولة بدت أنها أكثر جدية من سابقاتها، لترميم البيت الفلسطيني بعد أن وصلت "مسيرة السلام" إلى طريق مسدود وأوصلت القضية الفلسطينية إلى مأزق تاريخي؟

د. دلال عريقات

عريقات: بدا واضحا منذ أن دخل ترامب للبيت الأبيض والخطوات التي اتخذها، ابتداء من اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة أميركا إليها وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وتحييد ملف اللاجئين عن طاولة المفاوضات، وانتهاءً بالإعلان الرسمي عن ما سمي بـ"صفقة القرن"، هذه الخطوات نسفت الكثير من قرارات الشرعية الدولية التي كانت تحمي الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، والتي استند إليها الفلسطينيون في مفاوضاتهم مع إسرائيل.

الحديث عن الاستيطان واللاجئين والقدس والتي نسف إخراجها من المفاوضات من خلال صفقة ترامب كل أسس الشرعية الدولية التي كانت تستند إليها المفاوضات مع الإسرائيليين، وكان قرار القيادة الفلسطينية بمقاطعة ترامب ورفض التعاطي مع مبادرته ردا صحيحا، لأنه أخرج نفسه وأخرج أميركا من لعب دور الوسيط، بعد أن خالف كل قرارات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وخالف حتى اتفاقيات أوسلو الموقعة بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكنا بالمحصلة خسرنا أميركا، وهي طرف دولي بالغ الأهمية، كوسيط وراع للمفاوضات بعد أن انحازت بشكل كامل وفظ لإسرائيل.

على المستوى الإقليمي، أدى تردي الوضع العربي إلى تراجع بعض الدول العربية علنا عن تأييدها للحقوق الفلسطينية، وهو ما تمثل باتفاقية التطبيع بين الإمارات والبحرين وبين إسرائيل، والتي ربما تمثل بداية الانهيار العربي. نحن نعرف أنه كانت هناك على الدوام علاقات عربية إسرائيلية وخاصة مع دول خليجية، ولكن خروجها للسطح بهذه الطريقة يدق ناقوس الخطر، خاصة إزاء صمت جامعة الدول العربية التي لم تخرج حتى ببيان استنكاري أو تعقد اجتماعا طارئا.

"عرب 48": هناك من يعتقد أن موقف القيادة الفلسطينية المهادن لهذه الدول، إضافة إلى أخطاء المفاوضات والانقسام الفلسطيني، هو ما جعل هذه الدول تتجرأ في الإقدام على مثل هذه الخطوات وتدير ظهرها للقضية الفلسطينية؟

عريقات: أنا كمتخصصة في الدراسات الدبلوماسية لا أرى أن من مصلحتنا معاداة المزيد من الأنظمة السياسية، كأن ننسحب من الجامعة العربية أو أن نقاطع الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، خاصة وأن إسرائيل تتجه بالمقابل لبناء المزيد من العلاقات وتحويل المزيد من الأعداء إلى أصدقاء.

نحن بحاجة دبلوماسيا إلى الحفاظ على هؤلاء الأصدقاء أكثر من بناء العداوات، ولكن أتمنى أن تكون القيادة الفلسطينية أدركت أن العمق العربي للقضية الفلسطينية قد انتهى، وأن التعويل والآمال والأحلام التي بنيناها على الأنظمة العربية يجب أن تتوقف، وما شهدناه مؤخرا في اجتماع أمناء الفصائل كان واضحا بهذا الخصوص.

حركتا فتح وحماس أكدتا التوافق على دعوة لانتخابات تشريعية يعلنها الرئيس محمود عباس بحضور الفصائل مطلع أكتوبر/تشرين الأول - من مقر القنصلية الفلسطينية في إسطنبول

ولكن للأسف، فإن الاجتماع الثاني والذي انعقد في إسطنبول وأثار شكوك وحفيظة دول عربية معينة وخاصة مصر بسبب مكان انعقاده، كان من المفروض أن يخرج بمخرجات اللجان التي تم تشكيلها في بداية أيلول/ سبتمبر الماضي، واتفق أن تخرج مخرجاتها بعد خمسة أسابيع، ولكن للأسف مر الموعد المحدد دون حصول ذلك، وهو ما يثير القلق بالعودة إلى سيرة مفاوضات واتفاقات المصالحة السابقة.

"عرب 48": ما نشهده من انقلاب دول عربية على القضية الفلسطينية وسط صمت عربي تام، ربما يستدعي ردا فلسطينيا أكثر حزما لوقف هذا الانزلاق، وليس العكس؟

عريقات: القيادة الفلسطينية موجودة بموقف لا تحسد عليه، خياراتها أصبحت ضئيلة جدا، شراكاتها العربية لم يعد لها وزن سوى عند بعض الأنظمة العربية فقط، مثل الأردن، فحتى السعودية إذا استثنينا الموقف التقليدي للملك سلمان، فإن تصريحات الأمير بندر الأخيرة تُفسّر على أنها تجهيز للجيل الجديد الذي يقوده محمد بن سلمان لقبول فكرة التطبيع مع إسرائيل.

"عرب 48": في الوضع الدولي تأثيرنا محدود وفي الوضع العربي كذلك ولكن فلسطينيا، حالة التشرذم والانقسام نحن المسؤولون عنها، وبالمستطاع إنهاؤها وإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وطني وكوعاء يحتوي كل مكونات الشعب الفلسطيني، وقد شكل اجتماع الأمناء العامين بارقة أمل.. سرعان ما تلاشت؟

عريقات: مثلما ذكرت، وفي ظل الوضع السياسي الراهن وانتظار خطط الضم في الأدراج وبقاء نتنياهو في الحكم ومع جائحة كورونا، نرى أن الضربات متتالية ومن كل الجهات. وقد أدرك الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية أنه ليس أمامهم سوى إصلاح البيت الداخلي.

وأنا لا أتحدث عن أمور نظرية، ولكن فكرة إنهاء الانقسام والوحدة تتعدى القضية السياسية والجغرافية، فالانقسام أصبح متجذرا ويشكل خطرا على الكيان الموحد للشعب الفلسطيني، وقد شكل اجتماع الأمناء العامين، فعلا، بارقة أمل؛ ورأى فيه البعض - وأنا منهم - شيئا مختلفا عن الاجتماعات والاتفاقات التي كانت برعاية عواصم عربية مختلفة وذهبت أدراج الرياح.

هنية يجتمع بالأحمد في محاولة للتوصل إلى تفاهمات لإنهاء الانقسام (أ ب أ)

هذا الاجتماع جمع كل الفصائل وعقد على أرض فلسطينية وكان علنيا بثته وسائل الإعلام، أي أنه أعاد بعض الملامح التي جعلتنا نؤمن أنه يعبر عن بريق أمل أمام الوضع المتأزم، ولكن تأخر مخرجات اللجان أصبح مثيرا للخوف والقلق، خاصة إذا ما أدركنا أننا بالعادة نعلق قراراتنا بانتظار الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وهو مؤشر سلبي في صناعة القرار الفلسطيني.

"عرب 48": هذا يعني أن المخرجات بانتظار الانتخابات الأميركية القريبة، وهي ترتبط بعودة ترامب أو عدم عودته؟

عريقات: جديد اتفاق الفصائل هو التوافق على إجراء الانتخابات الفلسطينية التي يعلق الكثيرون الآمال عليها في حل المشاكل الداخلية وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وهذا جانب مهم، لكنه لا يغني عن الاتفاق على إستراتيجية عمل مشتركة لاستكمال مهمات التحرر الوطني.

نحن لا نتحدث عن انتخابات لأنها تحقق ديمقراطية كاملة، ولكن هي إحدى الوسائل والأدوات التي تجعل الشارع والشعب الفلسطيني يشارك في صناعة السياسة والنظام السياسي الفلسطيني، بعد أكثر من 14 سنة من عدم المشاركة الانتخابية التي حالت دون مشاركة أجيال من الفلسطينيين صناعة القرار الفلسطيني، وأبقت على القيادات نفسها والأشخاص أنفسهم، مع احترامي للجميع، على سدة القيادة.

نحن نتعامل اليوم مع أناس مثل بندر بن سلطان ومحمد بن سلمان وقيادات في البحرين والإمارات يفكرون بطريقة مختلفة عن آبائهم وأجدادهم، وبصراحة، وجودهم بحاجة إلى الجيل الفلسطيني الجديد الذي يدرك خلفياتهم ويستطيع أن يواجههم بنفس الأدوات ونفس الأساليب، طبعا بالاستناد إلى المرتكزات والخطوط الحمراء الفلسطينية، ولكن بأدوات وأساليب العصر التي يستخدمها هؤلاء ضدنا.

نحن لسنا بحاجة فقط إلى أسماء جديدة ووجوه جديدة، بل أيضا إلى طريقة تفكير جديدة تستطيع إيصال الصوت الوطني للساحات الدولية والعربية.

"عرب 48": أنت تحصرين موضوع المشاركة أو عدم مشاركة الشارع بالانتخابات وتغفلين مسألة المشاركة أو غياب المشاركة الشعبية عن الفعل السياسي الفلسطيني الذي انحسر بالمفاوضات وانحصر بالنخبة السياسية؟

عريقات: اتفق في قضية انحسار المشاركة الشعبية التي كنا نراها في التسعينيات وفي أيام الانتفاضة الأولى والثانية، ولكن أشير إلى أن وجود نخب سياسية في كل المجتمعات هو شيء طبيعي، ولكن عدم وجود انتخابات دورية كل أربع سنوات سمح لهذه النخب السياسية، بأسماء ووجوه معينة، أن تتصدر المشهد على مدى كل هذه السنين السابقة.

"عرب 48": قبل مجيء السلطة وابتكار الانتخابات التي جرى تحييدها لاحقا، كانت الإرادة الشعبية والفعل الوطني هو الذي يصنع القرار السياسي، ولكن هناك من حيد هذه المشاركة الشعبية وساهم في انحسارها.

عريقات: فكرة صناعة القرار استنادا إلى الرأي العام هو شيء نفتقده وعدم وجود مجلس تشريعي فلسطيني خلال السنوات الماضية هي نقطة ضعف أيضا، ولكن كما ذكرت لدينا "نظام سياسي" ولكن هناك حاجة لتدعيم القواعد الأساسية التي تشكل هذا النظام، والحديث عن السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية.

هناك الكثير من الأمور بحاجة إلى إصلاح داخلي وهذه أمور واضحة وبديهية ويجب التعامل معها فورا، لأن الضغوطات على الحالة الفلسطينية لم تعد تقتصر على أميركا وأوروبا بل أصبحت من الدول العربية المجاورة أيضا.

"عرب 48": لكن الانتخابات تحل قضية داخلية فقط. ماذا مع إستراتيجيات المقاومة التي تكفل استكمال التحرر الوطني في ظل تعثر ما يسمى بالعملية السلمية وتوقفها؟

عريقات: أنا لا أرى أنه من مصلحتنا الخروج عن الدبلوماسية والقانون الدولي، بل يجب أن نبقى متمسكين بهذه الإستراتيجيات. ورغم اتفاقي معك أن هناك حاجة لتبني إستراتيجية أكثر شمولية لتحقيق أهداف المشروع الوطني الفلسطيني؛ ولكني أفضل أن نترك مسألة بناء الإستراتيجية الشاملة تلك للقيادة الجديدة التي ستفرزها الانتخابات.