رائد حلس: إنهاء الانقسام سيضعنا على عتبة إنهاء الحصار

رائد حلس: إنهاء الانقسام سيضعنا على عتبة إنهاء الحصار
مصلحة مغلقة في قطاع غزّة (أ ب أ)

رائد حلّس:

  • جميع المؤشرات تنبئ بأنّ الوضع المعيشي والاقتصادي في قطاع غزة على حافة الانهيار
  • الحصار والانقسام وجهان لعملة واحدة وإنهاء الانقسام سيضعنا على عتبة إنهاء الحصار
  • كورونا صبّ الماء على طين أزمة اقتصادية صنعتها 14 سنة من الحصار والانقسام
  • هناك تفاؤل في ضوء نتائج اجتماعات الفصائل وخشية من تكرار التجارب السابقة

قال رئيس وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليبي لازاريني، في تصريح صدر له مؤخرًا، إنّ الفقر في قطاع غزة اليوم غير مسبوق، وإنّ السكان يضطرون للبحث عن الطعام في حاويات النفاية.

وأضاف أنّ أزمة كورونا لم تتسبّب فقط في معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، بل وفي سورية ولبنان والأردن بشكل لم تعهده الوكالة من قبل. وتابع "تسود حالة من اليأس القطاع كله، حيث يكافح الكثير من الفلسطينيين من أجل تزويد عائلاتهم بوجبة أو اثنتين".

ويعاني قطاع غزّة، الواقع تحت وطأة الحصار وتبعات الانقسام منذ 14 عامًا، محنة اقتصادية شديدة زادت أزمة كورونا - وما استدعته من إجراءات وقائية - طينها بلة.

حلّس
حلّس

وحول الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية لقطاع غزة في ظل أوبئة الحصار والانقسام وكورونا، كان هذا الحوار مع الباحث الاقتصادي رائد حلّس، من غزة المحاصرة.

عرب 48: من إيجابيّات كورونا، إذا جاز التعبير، أنّها أظهرت النافعة في ضارة الحصار الظالم المفروض على القطاع والتي تمثلت في الموجة الأولى بشكل خاص في قلة الإصابات، وحتى انعدامها، بسبب عدم تواصل القطاع مع العالم الخارجي، إضافة إلى أنّها نقلت مصطلحات مثل "الإغلاق" و"حظر التجول" و"حواجز التفتيش" التي كانت مقصورة على الشعب الفلسطيني إلى داخل إسرائيل، أيضًا..

حلس: الحديث صحيح بالنسبة للموجة الأولى حيث كان عدد الإصابات قليلًا جدا، ولكن الإجراءات الصحية التي اتخذت في الموجة الثانية أدت إلى وقف جميع المنشآت الحيوية وتعطل عجلة الاقتصاد الذي يعاني، كما اسلفت من الحصار الشديد المفروض على قطاع غزة ومن تداعيات انقسام داخلي فلسطيني خطيرة.

الحصار المفروض على قطاع غزة منذ 14 عاما والانقسام الداخلي الملازم له أدّيا إلى تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة وإلى ارتفاع معدّلات البطالة إلى أعلى ما يمكن حيث وصلت إلى 46% من الأيدي العاملة، ومن المتوقع أن ترتفع في ظل أزمة كورونا إلى 60%، في حين وصلت نسبة الفقراء إلى 53% بينما يعاني 72% من السكان من عدم توفر الأمن الغذائي ويعتمد 80% على المساعدات.

جميع المؤشرات تنبئ بأنّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة في قطاع غزة سيئة للغاية ومهدّدة بالانهيار، حتى أنّ المؤسّسات الدولية أصدرت الكثير من التقارير التي تشير إلى أنّ قطاع غزة غير قابل للسكن أو غير قابل للحياة، وبالتالي الوضع صعب جدا نتيجة العوامل والظروف والعوائق الموجودة حاليا.

عرب 48: نعرف أنّ قَطْعَ المساعدات الأميركية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، "الأونروا" التي توفر الخدمات والمساعدات لمخيمات اللاجئين، وهي الأشد حاجة، قد فاقم الأزمة أيضا..

حلس: منذ تولّي ترامب الحكم في أميركا وهو يلوح بقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني ووقف الدعم الأميركي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وبالتالي في عام 2018 أوقفت المساعدات وأوقف الدعم عن "الأونروا"، وهذا أدّى إلى تمدّد وزيادة البطالة واتّساع دائرة الفقر، خاصة وأنّ الوكالة تقدّم خدماتٍ أساسيةً لنحو مليون فلسطينيّ في القطاع.

وهناك شِبه حالة أشد من الفقر في قطاع غزة وهي البؤس الاقتصادي، ومن المهمّ التنويه، في هذا السياق، بأنّ تخفيض الحكومة الفلسطينية في رام الله عام 2017 نسبة رواتب الموظفين العموميين في القطاع أدّى إلى شلل في أسواق غزة، خاصّة أنّ الموظفين هم الذين يحرّكون الأسواق التجارية في القطاع.

عرب 48: أضيفت إلى كل ذلك جائحة كورونا التي زادت الطين بلة؟

حلس: وقع أزمة كورونا على قطاع غزة كان أشدّ فتكًا في الاقتصاد، خاصة أنّ القطاع يعاني من حصار وانقسام منذ 14 عاما، علمًا بأنّ المرحلة الأولى في آذار/مارس كانت أقلّ وطأة، لأنها لم تخلّف إصابات داخل المجتمع، في حين حُجِرَ الداخلون إلى قطاع غزة.

إجراءات الوقاية من كورونا في غزّة (أ ب أ)
إجراءات الوقاية من كورونا في غزّة (أ ب أ)

أمّا المرحلة الثانية، التي بدأت في آب/أغسطس، فكانت أشدّ وطأة وأشدّ فتكًا بالاقتصاد، نتيجة انتشار الحالات داخل المجتمع. وبالتالي، قامت الجهات الحكومية بإعلان حالة طوارئ وحظر تجوال في المحافظات ووقف معظم المنشآت الاقتصادية وعزل المناطق بالكامل وإغلاق الأسواق الشعبية المساجد والمدارس والمعاهد وشلّ الحياة الاقتصادية بالكامل.

هذه الإجراءات أدت إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل بشكل غير مسبوق، حيث بلغت 158 ألف عامل. وبالتالي، كانت تداعيات الأزمة قاسية جدا على المواطنين الذين يعيشون في ظلّ اقتصاد منهك منذ سنوات.

عرب 48: هل كان هناك مراعاة معيّنة أو تخفيف من الحصار من قبل الاحتلال أو فتح لمعبر رفح من قبل مصر؟

حلس: معبر رفح فُتح في مرحلة كورونا مرّة واحدة لإدخال العالقين في قطاع غزة إلى مصر، وهناك مساعٍ مع جمهورية مصر العربية لفتح المعبر مرة ثانية الأسبوع القادم. خلا ذلك، فالمعبر مغلق تماما.

بالنسبة لمعبر كرم أبو سالم، وهو المعبر الوحيد الذي عمل خلال أزمة كورونا بشكل انسيابي ومعتاد، ولكن وفقا لإجراءات الوقاية والإجراءات الصحية اللازمة، فقد كان دخول البضائع وخروجها كالمعتاد.

ولكن الذي تأثر هو قطاع التجارة الداخلي بفعل إغلاق الأسواق الشعبية وإغلاق المحلات التجارية ووقف التجارة بين المحافظات بشكل تام. وفي هذا السياق، أُقيمت نقاط محددة عبارة مراكز لتزويد المواطنين باحتياجاتهم.

عرب 48: ألم تطرأ أيّة تسهيلات على الإغلاق الاحتلالي المفروض على القطاع؟

حلس: ليست هناك تسهيلات تُذكر سوى توفير الاحتياجات الأساسية للناس، في حين أنّ هناك قطاعاتٍ تضرّرت بالكامل مثل قطاع السياحة الذي توقّف عن العمل نهائيا، وكذلك قطاع الإنشاءات الذي يضمّ 30 ألف عامل، في حين عملت القطاعات الغذائية بشكل جزئي، وكل ذلك تُرجم بمزيد من الركود وإضافة عاطلين عن العمل.

عرب 48: طبعًا، أزمة انقطاع الكهرباء ما تزال على حالها حتى في ظل كورونا والحاجة الملحة إليها خاصة في المستشفيات والعيادات؟

حلس: بالتأكيد، منذ عام 2006 وقطاع غزة لا يتمتع بكهرباء على مدى 24 ساعة يوميا، وقد احتدمت هذه الأزمة في السنوات الأخيرة، نتيجة خلافات بين قطر وحركة حماس من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، ما أدى إلى عدم دخول الوقود القطري إلى القطاع وانخفض معدل التزود بالكهرباء إلى 4 ساعات في اليوم فقط.

عرب 48: وحاليا؟

حلس: حاليا بعد وساطة قطرية مع الجانب الإسرائيلي وبالتنسيق مع مصر، أُدخِل الوقود اللازم لقطاع غزة وتعمل الكهرباء حاليا بـ8 ساعات وَصْل مقابل 8 ساعات انقطاع، وقد تنخفض ساعات الوصل إلى 6 ساعات فقط.

مطاعم غزّة الفارغة (أ ب أ)
مطاعم غزّة الفارغة (أ ب أ)

عرب 48: هناك تلازم بين الحصار والانقسام، فهما يغذيان بعضهما بعضا، هل هناك تأثير اقتصادي للانفراج الحاصل بين فتح وحماس؟

حلس: أنا دائما أربط الانقسام بالحصار، خاصّة وأنّ بداية الحصار تزامنت مع بداية الانقسام وأنّ المستفيد الأكبر من الحصار والانقسام هو الاحتلال الإسرائيلي، ناهيك عن أنّ معظم الحلول الاقتصادية هو حلول سياسية بامتياز، وبالتالي فإنّ المدخل الحقيقي والفعلي لمعالجة الأزمات الاقتصادية هو حل سياسي، وفي حالتنا الحل هو إنهاء الاحتلال والحصار والانقسام، وإذا كان إنهاء الاحتلال بيد إسرائيل، فإنهاء الانقسام بأيدٍ فلسطينية، ونحن نستطيع إنهاءَه.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية على هذا الصعيد، هناك تفاؤل في قطاع غزة بأن نصل إلى تجاوز الانقسام وإجراء انتخابات عامّة تعيد الوحدة الجغرافية والسياسية للشعب الفلسطيني، ولكن هناك خشية وحذر أيضا بالنظر إلى تجارب المحادثات والاتفاقات السابقة.

عرب 48: يبدو أنّهما ينتظران نتائج الانتخابات الأميركية؟

حلس: ربّما العامل السياسي يلعب دورًا أكبر، لكنّ تأكيدات الفصيلين فتح وحماس تشير إلى أنهما عازمان على تخطي كل العقبات هذه المرة وإنجاز المصالحة، ونحن نأمل أن يكون كذلك وأن تنعكس المصالحة اقتصاديا واجتماعيا على الأراضي الفلسطينية، ومن ثم يتم العمل يدًا واحدة لإنهاء الحصار والاحتلال.

عرب 48: إنهاء الانقسام يسحب الذرائع لبقاء الحصار على القطاع، خاصة وأنّ الحصار ليس إسرائيليًا فقط، فمعبر رفح مغلق أيضا؟

حلس: الحصار إسرائيلي عربي وأكثر من ذلك أيضا. ولو لم تكن عدّة أطراف تساهم في إحكامه لما صمد 14 عاما، وهو مرتبط بالانقسام، فإذا ما انتهى الانقسام وامتلكنا إرادة فلسطينية واحدة سسنتمكن من إنهاء الحصار وإنهاء الاحتلال أيضا، وصولًا إلى بناء اقتصاد وطني مستقل وصاحب سيادة على الأرض والموارد، لأنه لا يمكن أن تقوم تنمية اقتصادية دون التحكم بالأرض والموارد والسياسات الاقتصادية.


رائد حلس: باحث ومختص في الشأن الاقتصادي – غزة، شارك في العديد من المؤتمرات العلمية المحكمة المحلية والدولية، ونشر العديد من الأبحاث العلمية المحكمة في المؤتمرات العلمية المحكمة والمجلات العلمية المحكمة، وشارك بأوراق عمل اقتصادية متخصصة في العديد من ورش العمل والندوات، بالإضافة إلى نشر العديد من أوراق الموقف وتحليل السياسات والتقارير الإستراتيجية والدراسات الاقتصادية المتخصصة لدى عدد من مراكز الأبحاث والدراسات والأبحاث المحلية والدولية.