ميخائيل كريني: نحن ودوّامة الدين والدولة في إسرائيل

ميخائيل كريني: نحن ودوّامة الدين والدولة في إسرائيل
(أ ب)

بروفيسور ميخائيل كريني:

  • خطاب الدين والدولة في إسرائيل مقصور على اليهود ومؤسساتهم الدينية ويقصي العرب
  • تعريف الدولة اليهودية يجعل ديمقراطية إسرائيل ولبراليتها محدودتيّ الضمان
  • إسرائيل عملت على تعزيز الطوائف لإضعاف الهوية القومية العربية عند الفلسطينيين

عندما تم تعيينه عميدًا لكلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس عام 2016، قال لصحيفة عبرية إنّه (العربي) لا يجب أن يقسم يمين الولاء في كل مرة يريد شيئا من الدولة، وقد آن الأوان لأن تقسم الدولة يمين الولاء لقيم أساسية في المجتمع، وأن تلتزم بمساواة الفرص وكرامة الإنسان والحرية، وإنّ غالبية الدول المتنورة لا تفرض على المواطنين سوى الالتزام بالقوانين القائمة، وليس الولاء لأجندة سياسية.

وأضاف "أنا أعتزّ بهويتي القومية، ولكنّني لا أحبّذ التوجه الذي يشير إلى العربي، عندما ينجح كعربي، لأن ذلك يهمّش نجاحي المهني الشخصي ويقلل من قيمتي كمختص"، وتساءل لماذا لا توجد جامعة عربية في إسرائيل يستطيع الطالب العربي أن يتعلّم فيها بلغته العربية، لأنه بدون ذلك يصعب الحديث عن تكافؤ فرص.

كريني
بروفيسور كريني

وفي كتابه الذي صدر مؤخرًا باللغة الإنجليزية عن جامعة كامبريدج، تحت عنوان "فخ التعددية الثقافية - الدين والدولة بين العرب الفلسطينيين في إسرائيل"، يرى أنّ خطاب الدين والدولة في إسرائيل يقتصر على الشؤون الدينية للأغلبية اليهودية، وهو نتيجة مباشرة لهويّة الدولة اليهودية والعلاقة القائمة بين هذه الهوية وبين الترتيبات الدينية الخاصة بالجماهير اليهودية... ويقرّر بأنّ المعطى الدستوري الذي يعرف إسرائيل "دولة يهودية وديمقراطية"، هو الذي يفرض حدود الخطاب المتعلق بالدين والدولة في إسرائيل والذي يقع العرب الفلسطينيّون خارجه.

حول الكتاب وخطاب الدين والدولة في إسرائيل وفخ التعددية الثقافية الذي يقع فيه العرب الفلسطينيين في إسرائيل، أجرينا هذا الحوار مع أستاذ القانون في الجامعة العبرية، بروفيسور ميخائيل كريني.

عرب 48: لأول وهلة، يبدو أنّ إسرائيل متسامحة كونها تمنح طوائف العرب الفلسطينيين الذين يعيشون داخلها "أوتونوميا" في المسائل الدينية وقضايا الأحوال الشخصية المرتبطة بها، كتابك جاء يستأنف على هذه الفرضية؟

كريني: في البداية، أودّ أن أشير إلى أنّ الكتاب هو حصيلة بحث في الموضوع يمتد على مدى 20 سنة، ويتمحور في نظام الملل عند الأقلية الفلسطينية في الداخل ومنظومة الدين والدولة وكيف تتمحور سلطة الملل حول أفراد الملل في قضية الأحوال الشخصية، في إطار الدستور الإسرائيلي.

بحثتُ في صفات المنظومة القانونية الدستورية - إذا صحّ وجود أنظمة من هذا النوع في إسرائيل - وما شدّ انتباهي هو الأدبيات الصادرة والمتداولة في أمور الدين والدولة في البلاد، والتي تتمحور فقط في الأمور اليهودية "الربانية"، بمعنى أنّ موضوع الدين والدولة في البلاد يناقش ويتمحور فقط في الديانة اليهودية والاعتراف بمؤسسات يهودية وسلطة الشريعة اليهودية بالمحاكم "الربانية" على المواطنين اليهود، علمًا أنّ إسرائيل تعّرف نفسها بأنها دولة ديمقراطية وليبرالية.

وبصرف النظر عن كون الاعتراف بالمؤسسات والأنظمة الدينية اليهودية لا ينسجم مع الديمقراطية والليبرالية للدولة، فإنّنا لا نجد تداولًا بأمورٍ تتعلق بالأنظمة الدينية للأقلية الفلسطينية، إن كانت مرتبطة بالشريعة الإسلامية أو الشريعة المسيحية أو المذهب الدرزي.

هناك تغييب كامل لهذه الديانات، لدرجة أنّه في الكتاب الأساسي لأمور القانون الدستوري الإسرائيلي، إذا نظرت في الفهرست وفي مفاتيح الكتاب عن موضوع الدين والدولة تجد توجيها يفيد "انظر الدولة اليهودية"، وأعتقد أنه لا توجد بينة أبلغ من تلك على هذا التغييب، في حين إذا ما قارنَّا مع بلاد ودول أخرى وكيف تتمحور الأدبيات حول هذا الموضوع، نرى أنّ الأقليات ودياناتها حاضرة بوضوح في هذا النقاش.

عرب 48: طبعًا، هذا يشير إلى أنّ هناك دينَ دولةٍ، هو الدين اليهودي فقط؟

كريني: نلاحظ أنّ كل الأدبيّات بما تشمله من كتب ومقالات كتبت عن الدين والدولة أو عن تداخل السياسة مع الدين في البلاد، تتمحور فقط في اليهودية ولا وجود لديانات أخرى. بينما إذا فحصت قضية الدين والدولة في فرنسا على سبيل المثال، تجد أن قضية الحجاب متمركزة في لب هذا الموضوع، وإذا فحصت في أميركا تجد حضورا لقضية تعدّد الزوجات لدى طائفة المورمون، وهي طائفة مسيحيّة تمارس حتى اليوم تعدّد الزوجات، أو تجد قضايا تتعلق بـ"الأميش" وحريات "الأميش" أو حريات تتعلق بالهنود الحمر، وفي أوروبا تجد قضية الذبح الحلال (وعند اليهود: الكشير)، وحتى في الهند تجد أمورا تتعلق بالأقليات.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

إحدى النظريات التي تحاول تسويغ هذا التغييب، تقول إنّ مجتمعنا هو مجتمع محافظ ولا يتحدّى السلطات الدينية أسوة بالمجتمع اليهودي. ولكن - حتّى لو سلّمنا بهذه الفرضية - فإنّ أفراد مجتمعات أخرى مثل المورمون والأميش في أميركا لا يتحدّون سلطة الدين التابعين لها، وبالعكس فإنّ توافقهم وتماشيهم معها ممكن أن يثير المزيد من النقاش حول مكانة الدين والاعتراف بالسلطة الدينية.

هذا علمًا أنّه عند العرب الفلسطينيين - من مختلف الطوائف - الكثير من الأمثلة التي تشير إلى تحدّي السلطة الدينية، وقد سردت في هذا المقام كل قرارات المحكمة العليا ذات العلاقة، فأحيانا يقول شخص إنّ سلطة المحكمة في غاية الشرعية بالنسبة لي أو إنّ هذا الشيء غير معروف أو معترف به دينيا، أو لدي حق ديني تأخذه الدولة مني، أو ما هي سلطة المحكمة المسيحية الموجودة خارج الدولة على أفراد داخل الطائفة، بمعنى كيف من الممكن أن أتقدّم بالتماس أو استئناف محكمة دينية عند الكاثوليك أو عند الموارنة موجودة في بيروت إذا ما حتّمت عليّ منظومة الكنيسة ذلك.

جمعت عشرات القرارات، منها قصّة الحجاب في مدرسة المطران في الناصرة. توجد هنا قضيّة دين ودولة بغض النظر ماذا كانت النتيجة، ولكنّ الموضوع في غاية الأهمية والإثارة، ومنها التماس قدمته امرأة من أم الفحم ضدّ زوجها لأنه طلّقها بشكل أحادي وهو طلاق شرعي، ولكنّ القانون في إسرائيل يجرّم هذا العمل، هذه أمور فيها قضايا دين ودولة وهذا تقاضٍ، وتلك القرارات منشورة.

تحدي المنظومات المختلفة موجود عند كل الطوائف العربية الفلسطينية، لكنّه مغيّب عن الأدبيات وعن النقاش والخطاب العام المتعلق بقضايا الدين والدولة في إسرائيل، لأنه يقتصر على قضايا الدين اليهودي فقط، باعتباره دين الدولة.

عرب 48: ربّما تطغى لدى المجموعة الفلسطينية في البلاد القضية القومية على القضايا الأخرى؟

كريني: أنا أطرح في الكتاب ثلاثة ادّعاءات. الأول، أنّ منظومة الدستور الإسرائيلي أو المنظومة الإسرائيلية ترى أنّ صلاحيات المِلل في قضايا الأحوال الشخصية والصلاحيات الدينية التي تُعطى للطوائف الفلسطينية في الداخل، لا تتنافر مع الديمقراطية والليبرالية وإنما تتماشى معها، بمعنى أنّه وفق هذه الأنظمة، فإسرائيل دولة يهودية تعطي نوعا من حكم ذاتي لأقليّات دينية، ما يمكن اعتباره نوعا من التعاطف والتسامح الديني مع الأقليات، أي أنّ الدولة اليهودية كريمة معكم.

وفي حين أنّ صلاحيات "المحاكم الربانية" عندما تُقيَّم، بالمفهوم الليبرالي، فتبدو أنّها ليست ديمقراطية ولا ليبرالية، بل هي نوع من الإكراه الديني. فإنّهم عندما يعترفون بالمحاكم الشرعية والكنسية والدرزية يبدو الأمر نوعًا من التعددية للأقليات والتسامح تجاه الآخر، بمعنى أنّهم هم أصحاب الدولة، ويتسامحون تجاه الأقليات الدينية الأخرى.

إسرائيل تفرض المحاكم الدينية على العلمانيين العرب (أ ب)
إسرائيل تفرض المحاكم الدينية على العلمانيين العرب (أ ب)

الادّعاء الثاني، أنّ الديانة اليهودية هي ديانة رسمية لدولة إسرائيل والاعتراف بالمؤسسات اليهودية هو جزء من تعريف إسرائيل لذاتها كدولة يهودية. لذلك سؤال من هو اليهودي هو سؤال أساسي تسقط عليه حكومات. ولكن سؤال من هو المسلم أو المسيحي أو الدرزي هو سؤال ليس من شأن الدولة، بل من شأن المجموعة التي يتبع لها.

الادّعاء الثالث، أنّ صلاحيات المحاكم عند الأقلية في البلاد هي صلاحيّة في الحيّز الخاص وليست في الحيّز العام، الذي يقتصر على اليهود فقط، لذلك عندما تفحص الأدبيات ذات العلاقة، لا تجد الأقلية الفلسطينية، لأنّها تعرف بمفاهيم تختلف جذريا عن المفاهيم التي تعرف مكانة الديانة اليهودية.

عرب 48: ولكن لماذا يختلف الوضع عن فرنسا وغيرها من الدول الغربية؟

كريني: لأنه في هذه الدول يوجد، ببساطة، فصل بين الدين وبين الدولة، بمعنى أنّ الحديث يجري عن دول ديمقراطية ليبرالية بمعنى الكلمة وأيّ اعتراف بأيّة ديانة هو بمثابة تهديد لهذا الفصل. في حين أن في إسرائيل لا يوجد مثل هذا الفصل، وتوجد مكانة خاصّة للديانة اليهودية وهي متشابكة مع الدولة، والاعتراف بالديانات الأخرى هو اعتراف محدود جدًا وغير ملموس.

لدى اليهود هناك "ربانوت راشيت"، والمجالس الدينية وميزانيات لكل مدينة فيها "راف راشي" وكل هذه مؤسسات يعترف بها القانون وتحصل على تمويل من قبل الدولة. خذ مثلا المدارس الدينية التابعة للتيّار الديني الرسمي، فهي تحصل على تمويل كامل بنسبة 100%، وليس كما تحصل المدارس الأهلية على 50- 60%، وهذا امتداد للاعتراف.

هذا التنظير الذي أطرحه لتفسير التهميش القائم ضد الأقلية الفلسطينية في هذا المضمار، هو قائم نتيجة الأطر الدستورية التي تعرّف الديانة اليهودية من ناحية وديانات الفلسطينيين من ناحية ثانية. وجود تناقض - أو كما أسميّه أنا صورة مرآة (حالة معكوسة) - يجعل الدمج غير وارد أو كخلط الماء بالزيت.

عرب 48: تهميش ديانات الفلسطينيين يعني تهميشًا للمجموعة؟

كريني: المجموعة موجودة، على العكس، الدولة تريد أن تبقي مسيحيين وإسلامًا ودروزًا، وعندي مستندات تثبت كيف أنّ الدولة ستعمل على تعزيز الهوية الطائفية عندنا لإضعاف الهوية القومية العربية، مستندات من سنوات الخمسين كانت مصنّفة بأنّها سرية تشمل تصريحات وقرارات لمسؤولين إسرائيليين بهذا الخصوص.

يجب أن نفرّق بين تهميش المجموعة وبين تهميش الموضوع من البحث، وأنا أتحدّث عن تهميش البحث العلمي الذي يتطرق بشكل أساسي للدولة اليهودية. السؤال الآخر الذي أتداوله هو هل فعلا هذا نوع من التعددية؟ وبرغم أن هذا هو المفهوم القائم، ولكن لا يعني دائما أن المفهوم القائم هو المفهوم الحقيقي، وهناك مفارقة بين ما نتداوله ونحكي عنه وبين المفهوم الحقيقي.

المتداول أنّ هناك نوعا من التعددية. وأنا أقول إنّ هذه ليست تعدّدية. فهي، أولًا، تُفرَض علينا، لذا فهي سلطة فرض قانوني تجبرني أن أتزوّج حسب القانون الديني الخاص بي، وتفرض علي سلطة الطائفة حتى لو كنت شخصًا علمانيًا وهذه ليست ليبرالية.

عرب 48: ربما هي اعتراف بالخصوصية الثقافية والدينية؟

كريني: عندما نحلّلها بمفهوميّ الديمقراطية والليبرالية، فإنّ فرض السلطة الدينية بشكل إجباري وليس اختياريا لا يتماشى مع المفاهيم العلمانية ويمسّ بحُريّتي كفرد. فأنت تفرض عليّ، وحتى بمفاهيمنا الدينية، لا إكراه في الدين، وكشخص علماني يجب أن يكون لدي حق الاختيار.

عرب 48: بالنسبة للديانة اليهودية، هل الوضع مشابهٌ أيضًا؟

كريني: هذا نابع من اعترافهم بأنّ هذه الدولة يهودية وليست ليبرالية، السطة الدينية التي أتبع لها تحكمني كما تحكم المحاكم الربانية اليهوديَ، ولكن بمنظور الليبرالية والتعددية لا توجد مصداقية أن تفرِضَ علي نظام حكمٍ دينيًا كفرد أنا غير معني به، يجب أن يكون اختياريًا وأن يتوفّر أمام المواطن بديل.

في تنظير التعددية متى تستطيع أنت أن تفرضَ سلطةً من هذا النوع، سلطة إجبارية، من قبل الأقلية على أفرادها؟ الجواب هو عندما تكون هويّة الأقلية مهدّدة، وما أقوله أنا إنّ الهوية الدينية عندنا غير مهدّدة، بل هي هوية معزّزة من قبل مؤسسة الدولة التي تعمل على تعزيز هوياتنا الدينية، بغية إضعاف هويتنا القومية المشتركة.

وادّعائي الآخر، في المقابل، أنّنا كأقليّة لا نحارب هذا الأمر أو هذه السياسة بواسطة الإطار السياسي القائم لدينا، لأنّ التيّارات العلمانية عندنا تتخوف من إثارة هذا الموضوع، لكي لا يؤدي إلى انشقاقٍ يضعف النضال الوطني.

عرب 48: لقد واجَهَتْنا هذه المعضلة في موضوع قانون السماح للنساء الفلسطينيات بالتوجه للمحاكم المدنية في بعض قضايا الأحوال الشخصية؟

كريني: صحيح، لم يكن الأمر هيّنًا، وتعرّضت النساء للكثير من الهجوم وسط تردّد القوى السياسية، للأسباب التي ذكرت.

ولكن عند اليهود الشيء المختلف أنّ هناك اعترافًا من ناحية السلطة الدستورية. فالمحكمة العليا ترى أن الإطار الديني عند اليهود هو إطار مفروض وليس حرًا، وعندما تريد المحكمة أن تكون ليبرالية، تأتي لصالح الفرد وضد المجموعة أو الإطار الديني، ولكن عندما يكون الإطار الديني هو نوع من التعدّدية والمحكمة العليا تريد أن تكون ليبرالية، فإنها لا تقف ضد المجموعة، وممكن أن تقف معها ومع سلطتها الدينية. لذلك أنا أسمّيها مصيدةً أو فخًا، لأنه عندما تتمسك بهذه المنظومة، تصبح التعددية فخا أو مصيدة.


بروفيسور ميخائيل كريني: أستاذ كرسي بروس فاين كلية الحقوق الجامعة العبرية في القدس، وأستاذ ضيف كلية الحقوق جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص