حاج يحيى: في المدن المختلطة.. الحفاظ على الوجود يسبق الحديث عن "العيش المشترك"

حاج يحيى: في المدن المختلطة.. الحفاظ على الوجود يسبق الحديث عن "العيش المشترك"
الشرطة في مدينة يافا لقمع المتظاهرين العرب (أ ب)

من الواضح أن الطبقة الوسطى من فلسطينيي الداخل التي تبحث عن المدينة وجدت ضالتها في "المدن المختلطة"، التاريخية منها، مثل؛ يافا وحيفا واللد والرملة وعكا، وقامت برفدها بهجرة نوعية شدت من أزر ما تبقى من سكانها الأصليين، أو المدن "الحديثة" على غرار "نتسيرت عيليت" و"كرميئيل" أو غيرها، التي أقيمت كمستوطنات في قلب التجمعات العربية وعلى أراضيها المصادرة فتحولت أو هي في طريقها للتحول إلى "مدن مختلطة".

كتبت د. نسرين حاج يحيى، في هذا السياق في مقال نشره معهد "فان لير"، أن إسرائيل تبدي عدم ارتياح من اتساع ظاهرة انتقال العرب إلى السكن في مدن مختلطة، ويتجسد موقف المؤسسة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بمناطق السكن المشتركة لليهود والعرب، في أوضح صوره، في البند رقم 7 من "قانون أساس: إسرائيل - الدولة القومية للشعب اليهودي"، الذي يقرّ بأن "الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل من أجل تشجيع وتعزيز إقامته وتثبيته"، وأشارت إلى أن الانطلاقة تلك قادت الدولة، حتى قبل سن هذا القانون، إلى اعتماد وسائل، جلية وخفية، استهدفت منع مواطني إسرائيل العرب من السكن في حيزات مشتركة في المدن المختلطة.

تناولت الباحثة هذه الظاهرة من زاوية مشاركة النساء العربيات في سوق العمل في تلك المدن وتأثير ذلك على مستوى معيشة الاقتصادات المنزلية للعائلات العربية في "المدن المختلطة"، مفترضة أن الانتقال إلى "المدن المختلطة" يهيّئ فرصًا كثيرة أمام النساء العربيات، سواء كنّ متزوجات أم عزباوات، فهو يسمح لهن، أولًا وقبل أي شيء آخر، الانعتاق من المفاهيم البطريركية السائدة في المدن العربية، والتي تتجلى -في بعض الحالات- في الرقابة التي تمارسها العائلة الموسعة، كما تشكل المدن المختلطة، أيضا، حيزًا تنكشف فيه النساء العربيات، بصورة أكبر وأوسع، على التعليم العالي، على الحركات الاحتجاجية، على منظمات المجتمع المدني وتنظيمات سياسية جديدة، وتنفتح أمامهن تشكيلة واسعة من فرص وإمكانيات العمل.

وبالفعل، فقد وجدت أن نسبة النساء المشاركات في سوق العمل في المدن المختلطة أكبر منها في القرى والمدن العربية، فبينما تبلغ نسبة مشاركة النساء في سوق العمل في مدينة عربية 26,66%، نجدها ترتفع إلى 38,48% في المدن المختلطة، ولكن وجدت أن انتقال عائلات عربية إلى السكن في مدن مختلطة، على ما نتج عنه من ارتفاع حاد في نسبة النساء العربيات المشاركات في سوق العمل، لم يحسّن أوضاعها الاقتصادية بالمقارنة مع العائلات التي تسكن في بلدات عربية.

وطبقا لتقرير بنك إسرائيل لسنة 2017 ، (كما تشير في مقالها) بلغ متوسط عدد الأنفار في العائلة العربية في مدينة مختلطة 3,5 أنفار، مقابل 4,4 أنفار في العائلة التي تسكن في مدينة عربية، بينما بلغ متوسط دخل الاقتصاد المنزلي العربي في مدينة مختلطة 12 ألف شيكل، أما متوسط دخل الاقتصاد المنزلي العربي في مدينة عربية يبلغ 11.800 شيكل، وهو فارق لا يُذكر، يعود وفق ما تقول إلى سببين مركزيين: الأول، نسبة عمل الرجال في المدن المختلطة أقل منها في المدن العربية، الثاني، حقيقة أن النساء والرجال العرب يعملون في المدن المختلطة في وظائف أقل جودة ويتقاضون رواتب أقل بكثير، مقارنة بجيرانهم اليهود.

د. نسرين حاج يحيى

حول البحث والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية للعرب في "المدن المختلطة" كان هذا الحوار مع الباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، د. نسرين حاج يحيى.

"عرب 48": أخذت عمل النساء كمؤشر للوضع الاقتصادي للعرب، في ضوء الادعاء الدائم بأن عدم انخراط النساء العربيات بشكل كاف في سوق العمل هو سبب الفجوة القائمة بين مدخول العائلة اليهودية والعائلة العربية، وأثبت أنه حتى بانهيار العوائق المرتبطة بالقرية العربية فإنه لم يتم ردم هذه الفجوة ولم يتحسن وضع العائلة العربية؟

حاج يحيى: البحث أثبت وجود فوارق جدية بين أجور النساء العربيات واليهوديات وبين أجور الرجال اليهود والرجال العرب، وكذلك بين نوعية وجودة الوظائف وحجمها ونوعية أماكن العمل، وهي فجوة تتسع كلما قلّت عدد سنوات التعليم، خاصة في أوساط النساء العربيات.

وقد وجدنا أنه بينما وصلت الفجوة في أجور النساء العربيات واليهوديات عام 2012 إلى 35.8% ارتفعت عام 2017 إلى 39.3%، وفي حين تقلصت الفجوة القائمة بين أجور النساء وأجور الرجال العرب ازدادت الفجوة بين أجور الرجال العرب والرجال اليهود بشكل حاد من 23.9% إلى 41.2%، ورغم أن الفجوة في المدن المختلطة كانت أقل من الفجوة العامة في البلاد عموما عام 2012 فقد تساوت معها عام 2017.

إلى جانب ذلك نجد أنه كلما قلت عدد سنوات التعليم التي تتمتع بها النساء العربيات تقل حظوظهن للانخراط في سوق العمل، إذ بيّن البحث أن 82% ممن يحملن شهادة أكاديمية منخرطات في سوق العمل، وهي نسبة تفوق نسبة العاملات اليهوديات من نفس الفئة، بالمقابل فإن 51% من النساء العربيات فقط اللاتي يحملن شهادة بجروت منخرطات في سوق العمل.

من ندوة للنساء العاملات (عرب 48)

كذلك فإن أجور النساء الأكاديميات يتضاعف بـ2.3 عن أجور النساء غير الأكاديميات، بينما يتضاعف لدى الرجال العرب الأكاديميين بـ2.8، في حين تنخفض الفجوة القائمة في الأجور من 37.4% بين غير الأكاديميين إلى 4.1% فقط بين الأكاديميين.

"عرب 48": أعتقد أن هناك تفاوت بين المدن التاريخية مثل يافا واللد والرملة وعكا وبين المدن حديثة الاختلاط مثل "نتسيرت عيليت" وحتى حيفا التي تستقطب هجرة نوعية؟

حاج يحيى: لدى فحصنا لأجور النساء في خمس مدن مختلطة وجدنا أنه باستثناء "نتسيرت عيليت"، التي ظهر فيها فارق لصالح النساء العربيات بالذات فأنه في المدن الأربع المتبقية ظهرت فوارق كبيرة لصالح النساء اليهوديات، أبرزها في مدينتي اللد والرملة.

كذلك فإن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل هي الأكثر انخفاضًا في اللد وعكا أيضا، حيث تبلغ 33% و43% بالتوالي، هذا في حين تبلغ هذه النسبة في "نتسيرت عيليت"، الرملة ويافا 54% و52.4% و56.3% (بالتوالي) وتبلغ النسبة الأعلى في حيفا حيث تصل إلى 61.7%، هذا في حين تتقلص الفوارق بين المدن المحتلطة المختلفة عندما يجري الحديث عن مشاركة الرجال العرب في سوق العمل، علما أنه تبرز النسبة الأكثر انخفاضًا في عكا والنسبة الأكثر ارتفاعا في يافا.

كما أن الملفت هو الارتفاع الملحوظ في نسبة النساء الحاصلات على التعليم الأكاديمي من 16.3% من عام 2012 إلى 22% عام 2017 لتقلص الفجوة بين الأكاديميات اليهوديات والعربيات من 19.7% إلى 16.5%، علمًا أن الارتفاع الطفيف بين الرجال العرب في هذا المجال لا يساهم كثيرا في ردم هذه الفجوة.

"عرب 48": من الواضح أن التعليم هو الرافعة الوحيدة، في غياب آليات اقتصادية أخرى، فهو الكفيل بخلق طبقة وسطى عربية قوية وقادرة على ردم الفجوات، ولكن ماذا عن الخطط الحكومية على غرار 922 وغيرها؟

حاج يحيى: البحث الذي نتحدث عنه أجري في السنتين الأخيرتين باشتراك أيمن سيف ونائبة مدير عام في التأمين الوطني، بينيت كسير، وهي باحثة قادت قسم البحث في بنك إسرائيل واقتصادية كبيرة، وأجري لغرض بلورة خطة حكومية لدمج النساء والرجال العرب في سوق العمل وخصوصا في الوظائف الكبيرة.

قمنا بتقسيم المجتمع الفلسطيني في الداخل لعدة مجموعات، نقب، مثلث، مدن مختلطة، جليل، وركزنا على المدن المختلطة" من باب أنه يوجد نقص في البحث بكل ما يتعلق بهذه المدن.

هدم بيت عربي في اللد

وتألف البحث من ثلاثة مركبات مركزية، شملت مقابلات شاملة ومجموعات بؤرية في كل واحدة من المناطق التي ذكرت بهدف سماع صوت النساء والرجال والاطلاع على التحديات التي يواجهونها وما هو مطلوب من الدولة لأجل تسهيل الخروج لسوق العمل (موضوع الأطر الخاصة بالأطفال تحت جيل ثلاث سنوات، المواصلات العامة، المناطق الصناعية)، وذلك بهدف إظهار هذه القضية إلى السطح من وجهة نظر مجتمعنا لأن الدولة دائما تنزل علينا حلولا جاهزة من فوق.

"عرب 48": الحديث إذن عن إطار رسمي من قبل الدولة؟

حاج يحيى: لا، المبادرة من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية و"صندوق فرونتلات" لأنه كان من الواضح أن خطة 922 سينتهي مفعولها ومن المهم إعداد خطط وفحص مواضِع النقص في السياسات التي من شأنها دفع المجتمع العربي إلى الامام، وبالذات في مجال "الوظائف النوعية" والمهن ذات العوائد العالية.

وقد سلطنا الضوء على المدن المختلطة، لأنني ابنة الرملة وكان واضحًا لي أن هذه واحدة من أكثر الشرائح المستضعفة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، كما أنها غير موجودة على الأجندة السياسية والجماهيرية، وذلك بعكس النقب القائم في الكثير من السياسات والخطط الحكومية، بغض النظر عن أهدافها.

فالخطة الحكومية 922 لم تقدم للمدن المختلطة حلولا ولم تعطها ميزانيات، وقد تفاجأنا خلال العمل على البحث أن كل المناطق التي شملتها الخطط الحكومية شهدت ارتفاعا في نسبة النساء المنخرطات في سوق العمل، في حين أن النسبة بقيت ثابتة في المدن المختلطة.

البحث (الخطة) سينشر خلال الأسابيع القريبة وهو لا يقتصر على تحليل الواقع، بل يقدم حلولا للدولة بكل ما يتعلق بانتشار التدريب المهني ومسارات التشغيل، (برنامج وزارة الاقتصاد التي تدفع جزءا من الراتب عن طريق الدولة)، وغيرها من الحلول الإبداعية التي من شأنها تحفيز المشغلين على إدخال عمال وموظفين عرب إلى شركاتهم ومؤسساتهم.

كما يشمل البحث رصد لما قامت به الدولة في السنوات الأخيرة وإعطاء حلول حول كيفية تطوير السياحة الداخلية في البلدات العربية، وتحسين المنظر الخارجي للبلدة العربية وترميم المباني والمعالم التاريخية.

"عرب 48": كما أفهم هو تمهيد لخطة 923؟

حاج يحيى: صحيح، وهو لا يتحدث بالضرورة عن اندماج العرب في سوق العمل الإسرائيلي بل عن تحسين وضع الفلسطينيين في الداخل، بكل ما يتعلق بخلق فرص داخل البلدات العربية أيضا، وتحدثنا في هذا السياق عن أهمية البدء بالتخطيط لمناطق صناعية ومزارع تكنولوجية وتجمعات "هايتك" وعن ضرورة أن تقوم الدولة بتغيير نظرتها ونمط تفكيرها، وأن لا تنتظر أن يأتي النساء والرجال العرب إلى سوق العمل بل أن تدخل سوق العمل إلى البلدات العربية، لأنه عندما تدخل وظائف فإنك تخلق حول كل وظيفة من 4-6 وظائف محيطة، بمعنى أن المرأة العاملة تريد حاضنة لأطفالها وربما مساعدة في شغل البيت وغير ذلك.

كذلك فإن إقامة المناطق الصناعية وتجمعات "الهايتك" من شأنها أن تزيد من مدخولات السلطات المحلية من الأرنونا وتقوي من اقتصادها.

"عرب 48": المدن المختلطة هي الحلقة الضعيفة كما يبدو، فهل هناك من توصيات خاصة بها في البحث؟

حاج يحيى: هناك حاجة لخطة 923 خاصة بالمدن المختلطة تضع في أولوياتها معالجة قضية التخطيط والبناء وهدم البيوت، ففي اللد على سبيل المثال يهدم سنويا 25- 30 بيتا، فلا فائدة من الحديث عن ميزانيات دون التعامل مع القضايا الحياتية للمجتمع.

من مكان مقتل الشاب منير عنباوي في حي وادي النسناس حيفا على يد الشرطة (عرب 48)

يجب تعميق ما يسمى بالميزانيات التفاضلية في التعليم ويجب إيجاد حلول للشباب في جيل 18-24 وأن تقوم الدولة بإنشاء إطار انتقالي سنوي لهذه الشريحة، دون علاقة بالخدمة العسكرية والمدنية التي يرفضها مجتمعنا، وكذلك يفترض تعزيز أقسام الرفاه في هذه المدن، فلا يعقل أن تكون في بلدية اللد مثلا، ثلاث عاملات اجتماعيات عربيات من أصل 160 عاملة رغم أن السكان العرب هم من يحتاجون إلى هذه الخدمات أكثر من اليهود.

تحدثنا كذلك عن النشاطات اللامنهجية وإقامة منظمات شبيبة عربية وليست عربية – يهودية، فقبل الحديث عن الوجود الثنائي المشترك (دو كيوم) يجب أن نحافظ على الوجود - وجودنا أولا.


د. نسرين حداد حاج يحيى: مديرة برنامج المجتمع العربي في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، حاصلة على شهادة الدكتوراة من جامعة تل أبيب.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص