ازدواجية اللغة: لماذا تتجاوز العربية الفصحى جيل الطفولة المبكرة؟

ازدواجية اللغة: لماذا تتجاوز العربية الفصحى جيل الطفولة المبكرة؟

يرى الباحثون أن العرب الأوائل عرفوا ازدواجية اللغة قديما بصورة ظاهرة، حيث اختلفت اللهجات القبلية عن اللغة الرسمية للتدوين الشعري، ولكنه لم يكن على هذا المستوى الحالي من التباعد بين اللغتين، فبين محاولات الحفاظ على لغة رسمية مكتوبة تُسجّل بها أدبيات الأمة وتراثها ولغة دارجة متمددة في شعابها ظهر الفصام اللغوي الواسع بين شعوب الأمة العربية، بل بين أقاليم القطر الواحد في بعض البلاد.

ويشير مقال للباحث سامح طارق إلى أن مصطلح الازدواجية كمتلازمة للحالة اللغوية بوجه عام، قد رافقها فعليا منذ النشأة الأولى، لكنه لم يتخذ شكلا علميا في مُصنّفات اللغة إلا خلال القرن السابق وقد ظل المصطلح محدودا في استعماله إلى أن قدَّم لغوي أميركي هذا الإصطلاح إلى الإنجليزية في الستينيات من القرن الماضي، إذ بحث أربع حالات لغوية تتميز بهذه الظاهرة، وهي، العربية، واليونانية، والألمانية السويسرية، واللغة المهجنة في هاييتي.

وتخضع اللغة العربية لهذه الازدواجية بشكل يفوق غيرها من اللغات في الواقع المُعاصر، وهو ما تفسّره جغرافيا انتشارها الواسع والتباين الكبير بين لهجاتها العامية المتداولة، والازدواجية وفق تعريف الباحثين هي عبارة عن صراع بين تنوعين للسان واحد، أحدهما عالي التصنيف لكنه غير شائع، والآخر دون ذلك ولكنه عام وشائع.

وتختلف الازدواجية، عن الثنائية اللغوية، إذ إن الثنائية تُعبّر عن صراع خارجي بين لغتين مختلفتين من حيث المنشأ، كالعربية والفرنسية في بلاد المغرب العربي، بينما تُشكّل الازدواجية صراعا -أو تقابلا- لغويا داخليا بين الفصحى والعامية تظهر فيه الثانية بوصفها تفرعا لهجيا للأولى، حيث "تمثل الفصحى والعامية في سياق اللغة العربية مستويين بينهما فرق أساسي حاسم، يتمثل في أن الفصحى نظام لغوي مُعرَب، أما العامية فقد سقط منها الإعراب بصورة شبه كلية".

ويتجلى الازدواج اللغوي بصورة أقوى من غيره في اللغات الأخرى، وفق رأي الباحث، الذي ينوه إلى حالة الاتزان الناشئة بين انحراف العامية القوي ورسوخ الأساس الفصيح - عن طريق القرآن والسُنّة كمصدري أساس للأمة - قد أدى إلى حفظ العربية من التشظي الذي لحق باللاتينية وعدّدها إلى لغات مختلفة"، وليس مجرد لهجات متباينة، بمعنى وجود شكلين متداولين للغة: أولهما رسمي/ كتابي تختص به الفصحى، والآخر لفظي/ شفهي أنتجته العامية.

إشكالية الازدواج اللغوي تظهر في جيل مبكر من التعليم وتتجلى عندنا بفشل رياض الأطفال في تمرير اللغة العربية الفصحى أو المعيارية وإكسابها للطلاب وتهيئتهم لغويا للصف الأول وللتعليم الابتدائي، والمفارقة أن بعض الأطفال العرب يبدأون بتعلم اللغة الإنجليزية قبل التعرف على اللغة العربية الفصحى أو المعيارية، اللغة التي سيتعلمون بواسطتها من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر.

د. عبير شحبري قاسم

د. عبير شحبري قاسم تناولت هذا الموضوع في إطار بحث "بوست دكتوراة" الذي أجرته في معهد "موفيت"، البحث الذي شمل استطلاع آراء 509 من مربيات رياض الأطفال أفاد أن المربيات رغم إدراكهن لأهمية توفير اللغة الفصحى أو المعيارية للأطفال فإنهن يستصعبن الحديث باللغة الفصحى أو المعيارية خلال عملهن اليومي مع الأطفال، وحتى القصة تقوم المربيات بنقلها وشرحها بالعامية أو "ترجمتها" إلى العامية، وهو مؤشر على الفجوة القائمة بين أهمية توفير اللغة العربية المعيارية لهذه الشريحة العمرية وبين غياب التأهيل الضروري لدى المربيات للقيام بهذه المهمة.

حول البحث ودلالاته والتوصيات التي خرج بها أجرينا هذا الحوار مع د. عبير شحبري رئيسة قسم الطفولة المبكرة في الكلية الأكاديمية العربية في حيفا.

"عرب 48": ماذا فحص البحث وما هي أهم استنتاجاته؟

شحبري- قاسم: البحث فحص ماهية سياسة التربية اللغوية العربية لدى المربيات الفلسطينيات في إسرائيل اعتمادا على موديل باحثان معروفان في المجال (شوهامي وسبولسكي)، وهو موديل مؤلف من ثلاثة مركبات هي، ممارسات لغوية، عقيدة لغوية وإدارة لغوية.

وقد انطلقنا من واقع أن وضعية اللغة العربية مركبة عندنا، حيث يمتاز الوضع الاجتماعي اللغوي بما نسميه "ازدواجية اللغة" بمعنى أنه في نفس اللغة هناك شكلين لغويين مستعملين، ولكل شكل استعمالاته ولكل شكل قيمته اللغوية، فعندنا "المحكية" أو العامية التي هي أيضا مركبة وتتألف من عدة عاميات، وتوجد بالمقابل الفصحى (أو المعيارية التي هي شكل بسيط من أشكال الفصحى) وهناك ما بين الشكلين فجوة لغوية كبيرة، والسؤال هو كيف يتم جسرها والتخفيف من حدتها، خاصة لدى الأولاد الذين يبدأون خطواتهم الأولى في القراءة والكتابة في الصف الأول.

الولد الذي يدخل الصف الأول لن يتعلم العامية فهو يعرفها، بينما هناك الكتب والكلمات كلها مكتوبة باللغة المعيارية التي يلتقي فيها للمرة الأولى، والسؤال هو ماذا مع مرحلة الإعداد المتمثلة بجيل الطفولة المبكرة ورياض الأطفال وهل هي تنجح بإعداد الطفل لاستقبال اللغة المعيارية في الصف الأول؟ وما هي أسباب إخفاقها وكيف يمكن التغلب عليه؟

فكرة البحث بدأت من موقعي كرئيسة لقسم الطفولة المبكرة في الكلية العربية للتربية ورغبتي في أن أفحص أي سياسة لغوية تضعها المربيات داخل البساتين وهل يقمن بتجهيز الأطفال وتحضيرهم للصف الأول.

"عرب 48": الطفولة المبكرة باتت اليوم مرحلة تعليمية طويلة بعد أن صارت تبدأ من جيل 3 سنوات، ولذلك هناك متسع لإعداد الطفل لجميع متطلبات مرحلة التعليم الابتدائي؟

شحبري- قاسم: اليوم هناك نية لمد هذه المرحلة إلى جيل صفر حيث تبين الأبحاث أن السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل مهمة جدا في تطور الطفل من مختلف الجوانب.

البحث شمل 509 مربيات شاركن في استبيان استند إلى موديل "سبولسكي" الذي أسلفت الحديث عنه بمركباته الثلاث، الممارسات اللغوية والعقيد اللغوية والإدارة اللغوية، كونها مترابطة مع بعضها البعض، حيث لا يعقل من ناحية عقيدة لغوية أن نقول إنني أحب اللغة العربية المعيارية دون أن يكون لذلك تطبيق على أرض الواقع.

يجب أن ننوّه إلى أنه بحكم واقعنا داخل إسرائيل فقد تسللت العبرية أيضًا إلى لغتنا وبات لها حضور في مخزوننا اللغوي، وهو ما يطرح على المربية التعامل ضمن هذا الواقع المعقد ومع مركباته، ولحسن الحظ أن البحث أظهر أن 68% من المربيات لا يستعملن المصطلحات العبرية خلال عملية التعليم، ولكن هذا يعني أن أكثر من 30% ممن يستعملن العبرية هي نسبة قليلة.

لكن بالأساس تبين أن المربيات يمزجن بين المعيارية والعامية، حتى في سرد القصة، رغم أنها مكتوبة بالمعيارية، حيث تقوم المربيات بتفسيرها وشرحها بالعامية كلمة كلمة أو صفحة صفحة ولا يقرأنها ويشرحنها بالمعيارية فقط.

وعندما أجريت مقابلات مع المربيات في الجزء الثاني من البحث، حصلت على صورة أوضح عن القصور في تمكين الأطفال من الانكشاف على اللغة المعيارية، وبالرغم من أن جميع المربيات، كما أسلفت أظهرن تحمسا لأهمية اللغة المعيارية، وضرورة إكسابها للأطفال في هذا الجيل، إلا أنهن أشرن إلى صعوبات وعدم كفاءة وتأهيل مناسب للقيام بهذه المهمة نتيجة قصور في الإعداد لا يقتصر على دور المعلمين، بل ربما يمتد إلى المدارس الثانوية والابتدائية من حيث تغييب المعيارية عن لغة التدريس التي يستعملها المعلمون.

"عرب 48": تقصدين أن النوايا موجودة ولكن لا تتوفر القدرة؟

شحبري قاسم: لا تتوفر القدرة والكفاءة والإعداد الكافي، فالمربيات يستعملن العامية ويشرحن القصة بالمحكية لأنها أسهل لهن في إيصال الفكرة للأطفال، خاصة وأنهن لم يحظين بتأهيل ملائم لاستعمال اللغة المعيارية محادثة وشفاهة بشكل خاص، وبغض النظر أن بعضهن أنهين تعليمهن الفوق ثانوي في كليات تدرس باللغة العبرية، فإنه حتى الدارسات في كليات عربية لا يمتلكن هذه الكفاءة ويستعملن العامية كلغة تعليم ويلجأن إليها أيضا في شرح القصة المكتوبة باللغة المعيارية.

وهنا نعود إلى الفجوة القائمة في ازدواجية اللغة والتي يجب جسرها، ربما من خلال البحث عن أوجه الشبه بين اللغتين والبحث عن المفردات المشتركة، فمثلا عندما "نترجم" ("سعيد" بـ"فرحان") لا نخطئ الهدف ونجد الكلمة المشتركة بين العامية والفصحى وهناك العديد من المفردات والمعاني المشتركة. التي تصلح في عملية التجسير على الفجوة.

"عرب 48": أشرت إلى أهمية اللغة المعيارية بصفتها وسيلة التعليم الأساسية التي يتعملها الطالب من الصف الأول وحتى الثاني عشر، وفهم المقروء أو عدم فهم المقروء لا يقتصر على امتحان فهم المقروء في امتحانات البيزا و"الميتساف" وغيرها وإنما يؤثر على نتائج الرياضيات والعلوم، لأنه بدون فهم السؤال لا يستطيع الطالب إعطاء إجابة صحيحة؟

شحبري- قاسم: من هنا أهمية اعداد الطالب في جيل الطفولة المبكرة للغة التي سيتعلم بها منذ صف الاول لكي لا تكون غريبة عليه، فهي ليست فقط لغة التدريس بل هي جزء من هويتنا وقوميتنا وحضورها من حضورنا، ونحن نحتاج إلى جعل هذه اللغة محببة لدى أطفالنا في الجان المعنوي.

وفي الجانب العملي يجب أن نطالب بتأهيل مناسب للمعلمين واختبارات معينة للطلاب، فمثلا لماذا لا يكون امتحان شفهي ضمن بجروت اللغة العربية، ولماذا لا يصار إلى توجيه ولا أقول إلزام المعلمين باستعمال اللغة المعيارية كلغة تدريس، وإجراء استكمالات لإنجاح هذه العملية.

وبخصوص رياض الأطفال يجب أن تكون سياسة لغوية واضحة من قبل الوزارة فيها نوع من الإلزام للمربيات في استعمال اللغة المعيارية خلال مساحة قراءة القصة على أقل تقدير، خاصة وأن القصة مكتوبة بلغة معيارية، حيث تستطيع المربية تحضير الأولاد وشرح الكلمات الصعبة قبل القراءة، كما تنبع أهمية إكساب اللغة الفصحى أو المعيارية في هذا الجيل بين 4 - 6 سنوات الذي يسمى بـ"الفترة الحرجة"، كون الأطفال في هذه المرحلة يتمتعون بقدرة فائقة على الاستيعاب.

هناك مسؤولية جماعية في الحفاظ على لغتنا العربية الفصحى والمعيارية وحضورها بالشكل الذي يليق فينا وفيها وبرياض أطفالنا ومدارسنا. ليست كعقيدة لغوية بل كممارسة لغوية لأنها رافعة للنجاح أولا ولغتنا القومية أولا وأخيرًا، ومن يقول أنه لن يحتاج العربية لأن العبرية لغة الأكاديميا والإنجليزية لغة العولمة لن يصل إلى الأكاديميا ولا إلى العولمة بدون العربية.


* د. عبير شحبري قاسم: باحثة، محاضرة، مرشدة تربويّة ورئيسة قسم الطفولة في الكليّة الأكاديميّة العربيّة في حيفا. حاصلة على الدكتوراه من جامعة بار إيلان. حصلت على منحة لمتابعة دراستها للبوست دكتوراة في مركز "موفيت" في تل أبيب. هذا البحث أجري بمشاركة مع البروفيسور محمد أمارة ضمن دراستها للبوست دكتوراة. تتمحور أبحاثها حول تأثير ازدواجيّة العربيّة على اكتساب التنوّر اللغويّ والقراءة العربيّة.

بودكاست عرب 48