ثورة 1936 -1939 في الذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 2 ) / د. مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 في الذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 2 )
/ د. مصطفى كبها

بعد إلقاء القبض على أعضاء بارزين في جماعة الكف الأسود ومجموعة "الدراويش " في صفورية، على اثر عملية نهلال، والحكم على بعضهم بمدد مختلفة من السجن، بادر قائد التنظيم، الشيخ عز الدين القسّام، إلى تجميد عملياتها العلنية فيما انكب على تنظيمها من الداخل وزيادة عدد أعضائها وتوثيق صلاتهم مع المجتمعات الأم التي خرجوا منها وذلك تحضيراً لاعلان الثورة المسلحة.

كان معظم الخلايا التي أسّسها عز الدين القسّام من سكان الحارات الفقيرة في حيفا. وقد كانوا، على الأغلب، من القرويين الذين جاؤوا إلى حيفا طلباً للرزق بعد الضائقة الاقتصادية الشديدة التي أصابت الريف الفلسطيني نتيجة للأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم عام 1929. وقد عملوا في المهن البسيطة المتاحة، فنجد منهم باعة الخيش والعصير والكاز والفحم إلى غير ذلك من المهن.

وقد رأى بعض الباحثين أن الشيخ القسّام نشر آراءه بين أبناء هذه الطبقة بقصد مسبق لأنه اعتقد أنهم أكثر قابلية للجهاد والتضحية من غيرهم. كما أن البعض الآخر ذهب للقول إن القسّام كان يركّز في دعوته على شباب من أصحاب السوابق الجنائية حيث عمل على إعادتهم للدين وإصلاحهم ومن ثم الاستفادة من شجاعتم التي دفعتهم للسرقة أو القتل وتوظيفها في الجهاد.

كان للسياق المكاني الذي عمل فيه القسّام أكبر الأثر في اقتصار أتباعه على أبناء الطبقات الفقيرة وذلك لأنه سكن في مكان (بلد الشيخ شرقي حيفا )، وكان معظم الوافدين إليه من النازحين عن القرى التي باع كبار مالكي الأراضي فيها من الاقطاعيين الأراضي للوكالة اليهودية والتي عملت بدورها على ترحيلهم بعد فترة معينة من تسلمها الفعلي للأرض وتسجيل ملكيتها لها في دائرة الطابو. وقد سكن هؤلاء البيوت المصنوعة من الخشب والزنك والقصدير الشيء الذي حذا بالبعض أن يطلق عليها "حارات التنك ".

وثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله هو أن تلك المبادئ الثورية الداعية للتغيير التي نادى بها القسّام وعمل على تنفيذها، تستطيع التغلغل بسهولة أكثر في قلوب سكن فيها أسى التشرد وأدماها شظف العيش. ولا عجب أن لا نجد قسّامياً من الطبقات الأكثر غنىً والأرفع مركزاً، من الناحية الاجتماعية، باستثناء بعض االرجال من أصحاب المراكز المرموقة الذين ربطتهم بالقسّام علاقات ود ّواحترام، بل يمكن القول إنهم تعاطفوا إلى حد كبير معه. لكن هذه العلاقة لم تتعدّ حدود المودة والحترام والتعاطف، وفي بعض الأحيان الدعم التنظيمي ليس إلا. ومن هذه الشخصيات يمكن أن نذكر رشيد الحاج إبراهيم، الزعيم غير المتوّج لحيفا العربية في فترة الانتداب، رئيس جمعيّة الشبان المسلمين في حيفا وأحد الأعضاء المؤسسين لحزب الاستقلال العربي، وكذلك المحامي حنا عصفور الذي ترافع، مرات عديدة،عن رجال القسّام الذين اعتقلوا ومثلوا أمام المحاكم البريطانية.

انتمى للنواة الصلبة لهذه الجماعة قرابة المائة عضو، قام معظمهم باطلاق لحاهم، تقليداً للشيخ القسّام، وعرفوا بين الناس باسم "المشايخ" وفي مرحلة الثورة، بعد استشهاد القسّام، سمّاهم الناس "قسّاميون " أو "إخوان القسّام" .

وكان من أشهر هؤلاء الشيخ فرحان السعدي ( من قرية المزار قضاء جنين، نائب القسّام وأقرب المقربين له، قاد أول الفصائل المسلحة في ثورة 1936 تحت اسم "إخوان القسّام "، أعدمته السلطات البريطانية عام 1937 وهو صائم وقد شارف على الثمانين ).

خليل محمد العيسى (أبو إبراهيم الكبير،من قرية المزرعة الشرقية قضاء رام الله، عمل في حيفا بائعاً للحبوب وسنكريّاً يصلّح المراجل " البريموسات " في سوق حيفا، أصبح في الثورة قائدا لمنطقة الجليل الأعلى وعضواً في اللجنة المركزية للجهاد. في حرب 1948، قاد قوات الجهاد المقدس في منطقة الجليل، بعد النكبة لجأ إلى الأردن واستقر فيها ).

محمد الصالح الحمد ( أبو خالد، والد الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد، من قرية سيلة الظهر قضاء جنين عمل في حيفا في دائرة الأشغال العامة وفي الميناء، أصبح في الثورة قائداً لمنطقة مغاريب نابلس، استشهد في معركة دير غسانة في 1938. 9 .18 ).

يوسف سعيد أبو درة ( أبو العبد، من قرية السيلة الحارثية قضاء جنين ومن حمولة الجرادات، عمل في البداية حراثاً في مرج ابن عامر ومن ثم عمل في سكة الحديد في زمارين وبعدها جاء إلى حيفا وعمل بائعاً لليمونادا، أصبح في الثورة قائداً لمنطقة الكرمل والمرج والروحة ووادي عارة ولشدة شهرته في فترة الثورة يطلق الناس في هذه المناطق على الثورة اسم "ثورة أبو درة ". في نهاية الثورة لجأ إلى شرق الأردن وقد تم تسليمه للسلطات البريطانية التي أعدمته في مطلع عام 1940 ).

صبحي ياسين ( من شفاعمرو، كان أصغر القسّاميين سنّاً (16 عاماً). عمل في الثورة مراسلاً لقيادة الثورة في الشمال، اشترك في حرب 1948 وفي العام 1967 أسس منظمة "طلائع الفداء " استشهد عام 1968 في اشتباكات داخلية –فلسطينية في منطقة الأغوار ).

توفيق الإبراهيم ( أبو إبراهيم الصغير، من قرية أندور في مرج ابن عامر . أثناء الثورة قاد منطقة الناصرة وطبريا، عام 1948 قاد قوات الجهاد المقدس في الناصرة، بعد النكبة لجأ إلى سوريا واستقر فيها ).

إن المتأمل لتفاصيل السير القصيرة أعلاه لأعضاء بارزين في الجمعيّة، يستطيع،بلا شك، أن يلحظ مدى تأثيرها على النضال الوطني الفلسطيني فيما بعد : في ثورة 1936 -1939، أثناء نكبة وحرب 1948 وحتى على ثورة 1965 .

كانت إحدى أهم طرق العمل التي اتبعتها الجماعة هي ربط المركز الفاعل (حيفا) مع نقاط ارتكاز في الريف الذي رأى القسّام أنه المكان المناسب لانطلاق الثورة المسلحة منه. ومن هذا المنطلق تمت إقامة خلايا للجماعة في القرى التي تردد عليها القسّام واتباعه البارزون خاصة في المناطق المحيطة بحيفا، الناصرة، بيسان وجنين. فكان للجماعة اتباع في صفورية، طيرة الكرمل، لوبيا، يعبد، باقة الغربية، أم الفحم،شويكة، السيلة الحارثية، قباطية، نورس، شفاعمرو، زرعين، عتيل، الساخنة وسيلة الظهر.

لم تركّز الجماعة في نشاطها على مقاومة اليهود والانجليز فقط، وإنما وجّهت أيضاً ضد العرب المتعاونين معهم. وقد حرصت الجماعة على اصدار مناشير منددة بالعرب المتعاونين مع السلطة أو بالسمسرة وصفقات بيع الأراضي او الخارجين عن الاجماع الوطني. وقد لخصت الجماعة المهام التي نشأت من أجلها في أربع مهّام وردت في المنشور الأول الذي أصدرته وقد كانت هذه المهام كالتالي:

1. الطلب من كل عربي وعربية مقاطعة الصهيونيين مقاطعة تامة (أسوة بهم) .

2. الامتناع عن بيع الأراضي والعقارات أو السمسرة بها رأساً أو بالواسطة .

3. الضرب على أيدي كل فرد من أفراد الأمة بتشجيعه المقاطعة.

4. ليعلم كل عربي وعربية أن الجمعية له بالمرصاد فليشفق على وطنه أولاً، وعلى نفسه وأهله ثانياً وليتّبع قرارات الجمعيّة .
لم ينطلق نشاط هذه المجموعة من فراغ، فقد سبق وقلنا أن معظم مؤيديه كانوا من الطبقات المسحوقة التي أثقلت الظروف الاقتصادية والسياسية لصعبة كواهلها. ومن هنا كان التفكير في حركة تعمل على تغيير تلك الظروف. لا سيّما وأن القيادات التقليدية أظهرت عجزاً واضحاً في العمل على التغيير. وقد أحسن عز الدين القسّام، بما يملك من صفات كريزماتية واضحة، توجيه الطاقات الثائرة على الظروف إلى الأهداف التي رآها حاجزاً يقف مانعاً في وجه رياح التغيير.

كان الخط الأيديولوجي الواضح في بيانات جمعيّة الكف الأسود هو العمل على منع الفلسطينيين من بيع أراضيهم او بالأحرى حثّهم على الاحتفاظ بها. ولم يقتصر هذا الحث على الاقناع المجرد بالكلمات أو المشفوع بالفتاوى، كما فعلت القيادات التقليدية، وإنما تعداه إلى التهديد الواضح والمباشر لكل من يعمل ويشارك بتنفيذ صفقات الأراضي.

في البداية، كان يتم لفت نظر الذين تجري حولهم الشبهات ومن ثم يتم تحذيرهم إذا استمروا، وفي حالة عدم انصياعهم تتم محاولة اغتيالهم. وقد نفّذت الجمعيّة فعلاً بعض المحاولات في هذا الإتجاه حين قامت باغتيال بعض السماسرة وأفراد الشرطة البريطانية من العرب الذين أغلظوا في معاملة الأهلين وتعقبوا النشطاء الوطنيين وضيّقوا عليهم الخناق.

لم يكثر الشيخ القسّام من استعمال الشعارات الرنانة أو الكلمات البراقة، والشعار المشهور الذي عرف عن القسّام استعماله أكثر من مرة كان " هذا جهاد نصر أو استشهاد " والذي كان، حسب الروايات التي أدلى بها من بقي حيّاً من اتباعه، آخر شعار أسمعه لأصحابه في المعركة التي استشهد فيها.

بالنسبة للعبارات التي استعملها في خطبه ودروسه والمناشير التي صدرت باسم الجماعة، فإننا نرى، بالإضافة طبعاً لميوله العقائدية الاسلامية، ميولاً وحدوية عربية، فقد كان يتوجه إلى جمهور الهدف قائلاً: " إلى كل عربي وعربية " ونراه يستعمل لفظ "الأمة" بمدلولها الديني تارة ومفهومها القومي والوطني تارة أخرى، ويتحدث عن ضرورة التزام أبناء هذه الأمة بثوابت كينونتها ووجودها. وعليه، يمكن التأكيد مجدداً على القول بأن حركة القسّام كانت إحدى العلامات المهمة على طريق نشوء حركات وجمعيات وفصائل فلسطينية ذات أسس أيديولوجية واضحة، بل من المرجح أن هذه الجمعيات والحركات عملت تحت تأثير نظرية الجهاد التي كان الشيخ عز الدين القسّام أول من أطلقها. وذلك من خلال آليات العمل وصياغة الأهداف الوطنية والخطاب السياسي .




وللحديث بقية ....