جولة في سنديانة الروحة (2) / د.مصطفى كبها

جولة في سنديانة الروحة (2) / د.مصطفى كبها

بعد أن كنا قد زرنا صبّارين في الأسبوع الفائت، يممنا،هذا الأسبوع، شطر جارتها قرية السنديانة وهي قرية تبعد عنها، باتجاه الغرب، ثلاثة كيلومترات وعن حيفا، باتجاه الجنوب قرابة ال- 30 كم. رافقني قي جولتي هذه المرة صديقي الصحفي وديع عواودة المهتم، هو الآخر، بالقرى المهجرة ومعالم البلاد ومفاتنها بشكل عام.

تربطني بهذه القرية علاقة خاصة، فهي مسقط رأس زميلي وشريكي في كتابة سلسلة التاريخ الشفوي الفلسطيني الدكتور نمر سرحان وقد خصصنا الجزء الثالث من هذه السلسلة لمنطقة الروحة بشكل عام وللسنديانة بشكل خاص.

تعود معرفتي لأهل هذه القرية إلى عام 1971، حين زارنا صديق قديم للوالد وهو الشاعر الشعبي المشهور حافظ أبو لبدة، أبو موسى ( والد الشاعر الشعبي ذائع الصيت موسى الحافظ ). وقد تركزت أحاديث الصديقين حول السنديانة وخيراتها وحول صديقهما المشترك صبري الحمد عصفور ( قائد فصيل الروحة في ثورة 1936 -1939 وأحد نواب قائد المنطقة يوسف أبو درة ) وعن فتنة السنديانة عام 1939 بين البواقنة والنزازلة، وعن التهجير عام 1948، وعن حياة المخيمات واللجوء ( سكن أبو موسى آنذاك في مخيم جنين للاجئين ).

أثارتني أحاديث ونمت بجانب الكانون الذي سهرا حوله وأنا اسمع أسماء لأشخاص ما حدثني والدي عنهم قبل تلك الليلة البتة.

وبعد مغادرة أبي موسى في اليوم التالي سألت والدي عن بعضهم فأجاب باقتضاب وعندما طالبته أن يدلني على موقع السنديانة أشار إلى منطقة خضراء تلوح من بعيد تقع شرقي زخرون يعقوب ( زمارين ) قائلاً : ذلك هو الموقع.

وطّنت النفس على زيارة الموقع وطال الوقت حتى تمكنت من تنفيذ النية إثنتي عشرة سنة كاملة، فكانت الزيارة الأولى في يوم ماطر من أيام كانون الثاني عام 1983 حيث قصدنا المنطقة لنلعب كرة القدم مع فريق مستوطنة عميقام التي أقيمت بين موقعي السنديانة وصبّارين، واستحوذت على معظم أراضي القريتين.

وقد شجعني تأجيل المباراة بسبب المطر إلى صعود التلة التي تقع عليها أطلال السنديانة وتفحص ما تبقى منها. ومن يومها، دأبت على زيارتها، وباقي قرى الروحة الأثنتين والثلاثين، ولعل زيارتي لها هذا الأسبوع مع صديقي وديع قد تجاوزت رقم المائة بقليل.

جئناها من جهة الشرق حيث غدير الخضيرة وصبارين وأوقفنا السيارة لدى عين البلد حيث تقع عمارة (حقل) علي العويس التي أصبح أسمها منذ عام 1984 "حديقة طال " حيث منحها المجلس الإقليمي ألونة ( ترجمة حرفية عبرية للفظة السنديانة بالعربية ) لأم طال الذي قتل أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كي تقيم هناك حديقة تخليداً لاسم إبنها.

وقد كان لي حديث مطول مع تلك السيدة عام 1993 كانت بدايته وديّة حيث حدثتها عن السنديانة وأهلها وعن صاحب الأرض الذي أقيمت حديقة إبنها على أرضه، ولكنها ضاقت ذرعاً وعمدت لإنهاء المحادثة بعدما تجرأت واقترحت عليها أن نضع لافتة، إلى جانب لافتة تخليد إبنها، ننوه فيها ببعض المعلومات الجافة لماضي المكان القريب وقرية السنديانة.

كان المكان حين وصولنا إليه عصر الجمعة الموافق الرابع والعشرين من شباط 2006، مكتظاً بالمتنزهين العرب الذين انبعثت رائحة شوائهم في أنحاء متفرقة من وادي الزرقاء وحوض نهر التماسيح.

هل يعلمون أنهم يتواجدون في السنديانة ؟ سألني صاحبي بشيء من الفضول.

لا أعتقد، أجبته إعتماداً على استطلاعات سابقة قمت بها في المكان مع متنزهين آخرين الذين كان همهم الأساسي، بالإضافة للشواء وقضاء ساعات ممتعة بأحضان الطبيعة، جمع الزعتر وبقليات أخرى قبل أن يقفلوا راجعين إلى قراهم.

قد يكون الوضع قد تغير الآن، ولكن انهماك المتنزهين بالشواء والموسيقى الصاخبة المنبعثة من آلة تسجيل كبيرة كانت في المكان، يجعل حدوث هذه الامكانية بعيدة الحدوث.

سرنا على الطريق المرصوف الذي عرف لدى سكان السنديانة بطريق المقبرة واستغرب وديع عندما أنبأته أن على هذا الطريق سار الباص الذي كان يأتي كل صباح من حيفا، يحضر السائق معه كمية من جرائد الصباح اليومية ( فلسطين والدفاع ) ويقل من له مصلحة، من أهالي القرية، في المدينة الكبيرة ليعيدهم مساءاً وهكذا دواليك. علماً بأن سكان القرية كانوا يستعملون القطار في أسفارهم حيث كانوا يستقلونه من محطة الشونة (بنيامينا ) المجاورة إلى حيفا ويافا وطولكرم وسائر مدن البلاد وبلداتها التي كان يمكن الوصول إليها بالقطار.

مررنا بالبيادر التحتا التي قتل عليها الحاج محمد المقبل بواقنة وابنه عبد الكريم ( أول خريج للجامعة الأمريكية في بيروت من بلاد الروحة والضابط السابق بالجيش العثماني ) ليلة الخامس من كانون الثاني عام 1939 وكان ذلك الحادث بداية لفتنة دموية ذهب ضحيتها أيضاً الحاج مرشد نزال بشكل أرهق وأوهن القرية بشكل منع أهلها بالدفاع عنها بنجاعة عندما أزفت ساعة الحسم في الثاني عشر من أيار عندما هاجمتها قوات الإيتسيل مع اربع قرى أخرى ( بريكة، صبارين، أم الشوف وخبيزة ).

تقدمنا على طريق العربات نحو المقبرة فألفيناها بوضع مزر يسرح بقر المستوطنة على قبور ساكنيها ويمرح، هذا بعد أن تم تجريف جزء منها في عام 1990.

دهش صاحبي لمساحة المقبرة قائلاً كم كان عدد سكان القرية؟ وهل يتناسب عددهم مع هذا العدد الهائل من القبور ؟ فقلت له إن عدد سكان القرية كان عام 1948 زهاء 1550 نسمة. في حين كان يقيم بجانب القرية بعض القبائل البدوية مثل عرب الحمدون والغزاوية وعرب الهنادي وكلهم كانوا يقبرون موتاهم في مقبرة القرية.

قصصت على صاحبي كيف كانت المرة الأولى التي عاد فيها الدكتور نمر سرحان للقرية بعد أن تركها وهو في الحادية عشرة من عمره. ففي العاشر من حزيران 1998 عدت وإياه إلى القرية اصيب بحالة من الهذيان قائلاً إن السنديانة الآن فقط هدمت وحتى ذلك الوقت كانت واقفة شامخة في مخيلته بمبانيها وأزقتها. كانت قمة الزيارة حين وقف مناجياً لجدته حليمة يبشرها أنه عاد وهو غير متمالك لنفسه من البكاء.

صعدنا من المقبرة إلى الحارة الغربية حيث بيوت آل عويس وعلقم وبعض بيوت الزيادنة والمياتنة، ومن هناك رأينا معمل اللبن الذي أنشأه أحد سكان زخرون يعقوب ويدعى تسفي ( دعاه السكان غزال وقد كان يوم التهجير دليلاً لقوات الإيتسيل التي أحتلت القرى) مع أحد سكان القرية وكان يشغله مخبراً لجمع المعلومات دون علمه.

وقفنا على أطلال البيت الكبير للحاج علي الميتاني الشخص الثري الذي عقد في بيته إجتماع مصالحة بين المعسكرين المتناحرين في السابع من أيار 1948 ( خمسة أيام قبل التهجير ) لكنه لم يوفق بمسعاه وفشل الاجتماع ولم تطلق على المهاجمين يوم الإقتحام طلقة واحدة في حين شارك سبعة عشر مسلحاً من القرية في معركة كفر قرع قبل ذلك باسبوع فقط.

مررنا من ساحة الطوابين فوجدنا الرماد (السكن ) ما زال كما هو وكأن الخابزات تركنه قبل برهة من الزمن وفي طريقنا وجدنا دامراً من الخشب استعمله أحد أثرياء القرية في البيت الذي عمره عام 1945 وقد استورد خشب الأرز من صور وما زال الدامر صامداً أمام نوائب الدهر ولم تقدر عليه الحرائق الكثيرة التي هبت في المكان.

من هناك أنطلقنا نحو البيادر الفوقا وديوان صبري الحمد عصفور الذي كان مكوناً من طابقين وعليّة. وقد هجره صاحبه في العقد الأخير من عمر القرية لنشاطه في الثورة التي كان قائداً لفصيلها في منطقة الروحة.

في الطرف الشمالي الشرقي تقبع أطلال بيت سعيد الزيدي الفخم، كان البيت مكوناً من طابقين وحوله سور من جميع الجهات أجر الطابق الأرضي لمدرسة خاصة عملت في القرية في حين سكن وعائلته الطابق العلوي. وقد حدثني حفيد الرجل عن نقلة جمل من بحص قيساريا ما زالت مبعثرة في باحة البيت حيث كان قد أحضرها جده في مطلع أيار لتوسيع جدار البيت لكن القدر عاجله بالرحيل إلى قرية برطعة ( حيث أقاربه) والموت هناك فقيراً معدماً بعدما كان من أغنى أغنياء السنديانة.

من هناك اتجهنا صعوداً نحو المدرسة الواقعة في الطرف الشمالي للقرية (على طريق زمارين والطنطورة ) فوجدنا صفوفها الستة قد طالها التفجير ولم يبق من معالمها إلا ثلاث أشجار باسقة من السرو وجدار من الحجارة وحيطان تنامى حولها السرّيس ونبت في حناياها الزعتر.

في طريق عودتنا نحو الجنوب عرّجنا على المسجد المهدوم ثم بيت المختار توفيق الحاج حسين (بواقنة ) فمقهى محمد السرحان فمقيل العجّال الذي حدثني عنه مصطفى المياتنة قصة مؤثرة حصلت معه يوم التهجير حيث عاد وقريب له من قلنسوة مساء يوم 1948.5.12 فوجدا اليهود في بيت الحاج مرشد نزال، فآثرا التوجه نحو المسجد فوجدا كتبه ومصاحفه قد بعثرت وقد أخذت تعبث بها الرياح، في حين تردد في أسماعهم صوت البقر الباحث عن أصحابه وقد عاد لتوه من المرعى وقد تأخر عنه أصحابه ولم يحضروا لاستلامه كالعادة.

في طريق عودتنا للسيارة سألني وديع عن أماكن تواجد أهل السنديانة اليوم فقلت له أن بعضهم يعيش في مخيمات جنين وطولكرم والفارعة وبعضهم في مدينة إربد ومخيمها والقليل منهم يعيشون في أم الفحم وباقة الغربية وباقة الشرقية والنزلة ويعبد والنبي صالح وقلنسوة.

وهكذا انتهت جولتنا في السنديانة التي غاب عليها نهار آخر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018