هل يتّم تهويد البقيعة وفق مخطّط سلطوي؟ قضية البقيعة، حقائق استنتاجات وتوقّعات/ سامي مهنا

هل يتّم تهويد البقيعة وفق مخطّط سلطوي؟ قضية البقيعة، حقائق استنتاجات وتوقّعات/ سامي مهنا

لا شكّ أنه بات هنالك شبه إجماع ولا سيّما في الأوساط العربية، بما يتعلق بأسباب اقتحام الشرطة واعتدائها على سكّان البقيعة فجر 30.10.07.

فالرأي السائد أنّ الشرطة لم تدخل بمئات عناصرها من الوحدات الخاصّة، مدجّجين ومُهيّجين لتعتقل بضعة أشخاصٍ أحرقوا لاقطة هوائية.

فبعدَ أن هدأت المياهُ التي عكّرها هذا الاقتحام السافر، بدأ التحديق في القاعِ بعين ثالثة، فبدا لنا أنّ الاقطة "الأنتينا" لم تكن إلاّ الجرح الذي أظهر المرض.
فقد أُكتُشفَ أنّ هنالك مستوطنين من اليمين التطرّف يسكنون في البقيعة، من منطلقات غير بريئة.

والمعروف أنّ البقيعة هي أحد القرى القليلة التي عاش ولا يزال يعيش فيها سكّانٌ من أربع طوائف، ومن ضمنهم اليهود الذين عاشوا قرونًا بجوار العرب الذين حافظوا على وجودهم وحموا أماكنهم المقدّسة عبر مئات السنين.

وقد عاش هؤلاء اليهود الفلسطينيون بانسجام وتفاعل اجتماعي تّام، وقد ذكرت الكاتبة "رفكا ألفرد" في كتابها قصّة حماية اليهود من قبل أهالي البلدة في أحداث ال 1936، حين حمى أهل البقيعة اليهود من الحرق والقتل بأجسادهم، وكان جدّي المرحوم مهنا شريف مهنا من طليعتهم وقد ذكرت ذلك الكاتبة. ونحن نفخر بهذا الحدث، كون اليهود سكّان البقيعة الأصليين لم يمتّوا للمشروع الصهيوني بصلة، وكوننا شعب غير عنصري ونحافظ على الجار وعلى مقدّساته.
ولكن ما حدث في الآونة الأخيرة يخرج عن مسار هذا التاريخ، فهؤلاء المتطرّفون الذين استوطنوا حديثًا في القرية، يحاولون تنفيذ مشروع تهويد البقيعة، من خلال شراء البيوت وبالأخّص في منطقة سكنية محدودة، تحيط الكنيس اليهودي.

وقد أقام هؤلاء وآخرون جمعيتين مسجّلتين باسم "بكيعين لنيتسح" أي " البقيعة إلى الأبد" و "تراث الجليل الأعلى" وشعارهم : "جئنا لنحرّر البقيعة من الأغيار".
وقد عرفنا بعد البحث أن هذه الجمعيات تملك أموالاً طائلة استطاعت من خلالها شراء الكثير من البيوت وبأسعار خياليّة. وعلاقات سياسية واقتصادية متشعّبة. وهي مدعومة من أحزاب يمينية ودينية إسرائيلية ( سنأتي بهذه التفاصيل في مقال مستقبليّ).
وهنا يُسأل السؤال الكبير: هل للدولة أو المؤسّسة دورًا فاعلاً في هذا المخطّط؟
هذا السؤال يعيدنا مباشرة إلى حدث 30.10.07 وتتفرّعُ منه أسئلة عديدة:
- لماذا اهتمّت الشرطة بحماية جزء من يهود البقيعة وهم الجزء المتطرف دون غيرهم من اليهود؟
- لماذا رفض وزير الأمن الداخلي والحكومة والكنيست (عدا النوّاب العرب وأقلة من نوّاب أحزاب اليسار) فكرة إقامة لجنة تحقيق رسمية أو حكومية أو حتّى برلمانيّة، وبالكاد تمّ التصويت لقرار تحويل القضية للبحث في اللجنة الداخلية في الكنيست بالرغم من أنّ بعضهم أظهر تعاطفًا؟
- لماذا جُنّدت معظم إن لم يكن كلّ وسائل الإعلام العبرية بين ليلة وضحاها وبشكل شرس ضدّ البقيعة، خارجة عن كل نزاهة وموضوعية؟
- هل التناقضات والالتفافات والهجوم كأفضل وسيلة دفاع في تصريحات الشرطة ووزير الأمن الداخلي هي من باب التغطية على جرائم وأخطاء الحدث وهزيمة الشرطة أمام شجعان البقيعة، أم تهدف إلى تغطية السبب الحقيقي للاقتحام؟
يمكننا أن نستنتج بعض الاستنتاجات المنبثقة عن هذه الأسئلة:
1. الشرطة أرادت ترهيب سكّان البقيعة عن طريق اعتقالات واسعة، وربط هذه الاعتقالات بالاعتداءات على منازل وممتلكات اليهود في البقيعة، وذلك كي تخلق حالة من الشعور بالأمن لدى الفئات التي اشترت بيوتًا ولم تسكنها بعد، وهذا الاستنتاج مبني على الربط المباشر الذي ربطته الشرطة نفسها في الزيارة التي قامت فيها لجنة الداخلية للكنيست إلى شرطة "معونا" بعد زيارتها للبقيعة، حيث التقت مع ممثلي لواء الشمال والذين ربطوا ربطاً مباشرًا بين أمن الجزء المذكور من يهود البقيعة ودخول الشرطة، وكان هذا الإقرار على مسمع رئيس مجلس البقيعة وشخصيّات أخرى من البقيعة وغيرها، وعلى مسمع النائب سعيد نفّاع والذي تحدّث عن هذا الربط في الصحافة وفي الكنيست.
2. خلق حالة أمنية مهدّدة لتلك الفئة من اليهود المتطرفيّن غير المرغوب فيهم في القرية بعد تزايدهم المشروط بأمن واستقرار مرحلي، ممّا يستدعي حماية من الشرطة ومن ثمّ الجيش، لنواجه نموذجًا مستنسخًا عن الخليل.

3. تثبيت مساحات جغرافية لهذا الحيّ المستقبلي لكي يستطيع أن يعيش باكتفاء ذاتي أمني واقتصادي وجغرافي وديني. ونحن نعلم اليوم أنّه تم تثبيت مساحات مهمة لما يسمى "الهكديش" اليهودي وهو جسم قانوني ديني يقابل الوقف، ومن هذه المساحات مركز وعين البلد التي تُعدّ القلب النابض للقرية، وهذه المناطق وُضعت حسب معلومات مؤكدة تحت سيطرة أحد سكّان القرية اليهود، وهو من قياديي هذه الحركة.

ومن الجدير بالذكر أنه خلال السنة الأخيرة، تمّت في البقيعة بعض الأعمال التخريبة،
مثل حرق سيّارات وممتلكات وإلقاء قنابل على بيوت، هذه الأحداث لم يكن لها أسبقيّات،
وهناك شهادات ودلائل دامغة أن تلك الفئة من المتطرفين تقف وراء تلك الأعمال
التخريبية. ومن الجدير بالذكر أن يهوديٌ من عائلة أصلية من البقيعة قد تعرض للتهديد
بالقتل من قبل أحد هؤلاء المتطرفين بعد أن واجهه بما يتعلق بمخططاته غير البريئة.
وقد ذكر الوزير ديخر هذه الأحداث في جلسته في الكنيست وأعطاها أهمية، ولمّح بأنها كانت أحد أسباب دخول الشرطة، والمستهجن هو عدم تدخل الشرطة الكافي حين وقوع الأحداث. وهذه نقطة أخرى للتفكير بالرسم والتخطيط الخفيّ المتعاقد بين المؤسسة والجماعة المتطرفة.

وأعود لأنوّه أنّنا لسنا عنصريين ضد اليهود أو غيرهم، وأقولها بصراحة: لم أسمع من أحد يرفض فكرة أن يسكن يهوديًا أو بوذيًا أو هندوسيًا في البقيعة، فتنوع الثقافات يغني كل مجموعة أيّ كانت، لكن الفئة التي بدأت بمحاولة السيطرة على جزءٍ من البقيعة، والتي من شأنها أن تغير معالم وطابع المجتمع، هي فئةٌ لا يقبلها لا سكان البقيعة ولا حتّى سكان "كفار هفراديم" اليهودية القريبة من البقيعة. وإذا كانت المؤسسة وراء هذا المخطط، علينا مواجتها بكل الأساليب القانونية المتاحة، وعلى رأسها لجنة تحقيق رسمية وإثارة وتجييش تضامن الرأي العام.

من حقّنا أن نحافظ على أنفسنا وجودنا ومستقبلنا، وسنفعل.


سامي مهنا
البقيعة

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018