قنبلة العنف الموقـــوتة تتسارع! /رائد دلاشة

قنبلة العنف الموقـــوتة تتسارع! /رائد دلاشة

كان أسبوعًا داميًا شهدته شوارع البلدات العربية؛ أحلام دفنت قبل أن تنضج، جيل يترعرع على مشاهد العنف والقتل في الشوارع، وآخر يترعرع على الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام: فلا نطعن هنا، وآخر قتل هناك، لغة العنف تتصدّر نشرات الأخبار المحلية، والمستهلك لها أخذ يعتاد على هذه المظاهر. فالخبر ينتهي غالبًا عند "قتل الشاب" وشُيّع جثمانه، وبعد سنوات، نعود لنذكرهم بأنه "حُكم على فلان الذي اقترف الجريمة الفلانية"، هذا إذا وجد متهم أصلاً؛ فجرائم القتل التي ترتكب في مجتمعنا العربي كثيرًا ما تنتهي بلا متهم وبلا جان يُقدّم للمحاكمة!

عائلات تلعق جراحها، وأطفال حُرموا من والدهم في جيل مبكر، سيعلمون يومًا أنه قتل بدم بارد. حالة من الفوضى تعم شوارعنا وشعور بعدم الأمان حتى داخل البيوت، فالانفلات وصل حدّ انتهاك المجرمين حرمة المنازل من أجل سرقة حفنة من المال، ولا يتورعون عن الاعتداء على أفراد المنزل في حال تواجدوا في منزلهم وقت حضور المجرمين، كما حدث في ترشيحا والرامة وغيرهما من البلدات.

ومظاهر "الإنفلات" في ظلّ غياب المثساءلة اللازمة، آخذة بالازدياد، خاصة في أوساط الشباب الذين نُعلّق عليهم آمالاً، في حمل هموم مجتمعنا والنهوض به، إلا أنّ كثيرًا من سوء الفهم والمشكلات التي أساسها فردي أو شخصي، تتحوّل للأسف وعلى عجلة إلى الجماعة من الأقرباء والحمولة، وحتى الطائفة أحيانًا، وكأننا لسنا أبناء شعب واحد وكافة مشاكلنا محلولة وقضايانا مُيسّرة.

والأخطر من ذلك، حالة التسيّب التي تشهدها مدارسنا العربية، التي أصبحت التربية فيها تكاد تكون معدومة، بفضل الفشل التربوي الكبير الذي حققه القيمون ومُديرو المدارس في تحديد رؤيا مستقبلية للمدرسة، ورفضهم غير المبرر لإشراك الأهالي بصورة حقيقية في الحياة المدرسية ووضع الاستراتيجيات والتصور المستقبلي المشترك للمدارس، والنتيجة يدفع ثمنها مجتمعنا ككل، جيل بلا تربية وبلا تعليم!
فادي طحلاوي ابن الـ 21 ربيعًا، قتل عن طريق الخطأ، عند منتصف الليل، قبل عشرة أيام، أمام أحد المقاهي في حي الكينا، في مدينته أم الفحم، جراء إطلاق النار عليه من سيارة مرّت بمحاذاته، لا لجرم ارتكبه بل كونه أراد أن يقضي بعض الوقت في المقهى داخل المدينة. أم الفحم تهتزّ، والغضب يُخيّم على الشارع، فيما عائلة المرحوم تتحسّر على فراق ابنها. كالعادة، قوات كبيرة من الشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية والوحدات على أصنافها، حضرت إلى مكان الجريمة، والمجرمون يهربون بسيارتهم كما في معظم الحالات، من دون حساب ولا مساءلة. المرحوم حسام صالح إغبارية (32 عامًا)، لقي حتفه قبل أقلّ من شهر، في حادث إطلاق رصاص من سيارة مسرعة، في منطقة ابن سينا في حيّ المحاجنة في مدينة أم الفحم أيضًا. كما أصيب في الحادث أيضًا شقيقه فرسان (33 عامًا).

حتى اليوم لم تفك رموز الجريمة، والقتلة ما زالوا أحرارًا.

الشاب منير محسن ماضي 33 عاما من قرية عرب الشبلي قتل في حادث إطلاق النار عليه في قرية دبورية المجاورة من قبل المشتبه به محامي مجلس الشبلي المحلي، سامي شبلي، كما وأصيب شابان آخران من القرية بجراح متفاوته من مسدس المشتبه به ايضا. الشرطة مددت إعتقال المشتبه به، والتحقيق يجري في عدة إتجاهات، غير ان ظروف وأسباب الجريمة ما زالت قيد الكتمان. وتواصل الشرطة تحقيقها في عملية إضرام النار في منزل شقيق المحامي سامي شبلي المشتبه فيه بقتل منير ماضي، إلا أنها ترجح أن يكون احراق المنزل جاء على خلفية مقتل المرحوم منير .

يوم الخميس الماضي، قتل الشاب تيسير عبد الرحيم إسماعيل (37 عامًا) من نحف، جراء تعرضه لاطلاق نار عند كسارة القرية حيث يعمل هناك حارسًا ليليًا. وبحسب المعلومات فانه عند حوالي الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ليلة الخميس، سمع صوت اطلاق نار في منطقة الكسارة في الجهة الشمالية للقرية، وعند وصول طواقم الاسعاف والشرطة وجد الشاب تيسير اسماعيل ينزف دما جراء إصابته بالرصاص في القسم العلوي من جسده. وقد ترك الفقيد وراءه والدين ثاكلين وزوجة وستة من الاولاد.

وكان الشاب طلحة زعبي من قرية طمرة الزعبية (25 عامًا) لقي مصرعه في ساعة متأخرة من مساء يوم الجمعة الماضي، جراء تعرضه لطعنات سكين في مدينة العفولة بالقرب من مركز شركة الاتصالات "سلكوم". وبحسب أقوال الشرطة فان المرحوم تواجد عند مركز سلكوم مع مجموعة من الشبان، حيث التقى شابا من قرية اكسال كان على نزاع سابق معه، حيث أحتد الجدل بينهما ليصل حد طعن المرحوم بآلة حادة وإصابته بإصابات حرجة نقل على أثرها بسيارة شقيقه الذي تواجد معه في المنطقة، الى مستشفى "العفولة" حيث حاول الطاقم الطبي انقاذ حياته الا انه تم اعلان وفاته بعد نحو الساعة.

وقد مددت المحكمة في الناصرة، فترة إعتقال شاب من قرية اكسال يبلغ ( 23 عاما)، بشبهة قتل المرحوم زعبي. عم الفقيد حسن زعبي، قال في حديث لفصل المقال، أن الخبر وقع على العائلة كالصاعقة، وأن ابن أخيه شاب صاحب أخلاق حميدة، كان من المفروض ان يتزوج من خطيبته بعد بضعة أشهر، لكنه قتل بدم بارد. وقال ايضا: "أناشد جميع العائلات بالانتباه الى سلوك أولادها الشباب، ومعرفة سلوكهم وتصرفاتهم، وليس فقط توفير السيارات لهم دون رقابة ودون تربية على التصرف، واتهم حسن الشرطة بتقصيرها، وعدم قدرتها على بسط النظام والقانون في أوساط الشباب، وكذلك في عدم الكشف عن الجناة أحيانا كثيرة".

ويوم السبت الماضي ، قتل الشاب فايز القواسمي البالغ (37 عاما)، من قرية كفر قاسم في سوق مدينة الطيرة، بعد تعرضه للطعن بسكين خلال شجار وقع مع شاب آخر تشتبه الشرطة أنه من سكان الطيرة يبلغ ( 27 عما) وذلك في سوق مدينة الطيرة. يُذكر أنّ المرحوم هو من سكان القدس سابقا، ويملك دكانًا في منطقة السوق، غير ان خلفية الحادث تعود الى قيام الجاني بتصوير فتاة كانت داخل الدكان بواسطة هاتفه الخليوي، هذا ما أدى الى تطور الامر بين الاثنين حتى تحول الى عراك تعرض خلاله المجني عليه للطعن. وقالت الشرطة أن المشتبه به أعاد تمثيل الجريمة وقد مددت المحكمة فترة اعتقاله .

كما أقدم شاب من قرية الناعورة (24 عاما) على اطلاق النار على شقيقته عند مدخل القرية، مما ادى الى اصابتها بجراح خطرة، ومن ثم قام بالاتصال بالشرطة، قائلا "قتلت شقيقتي" وعند حضر طواقم الاسعاف إتضح ان الشابة ( 20 عاما) ما زالت على قيد الحياة، حيث تم نقلها الى المستشفى. وقد اعترف الشاب في التحقيق معه أنه أطلق النار على شقيقته "المطلقة"، مدعيا ان الخلفية هي ما يدعى بـ "شرف العائلة". وقد مددت محكمة الصلح في الناصرة اعتقاله بعدة أيام .
الدماء تنزف في كل مكان، والاسلحة أصبحت في كافة البلدات، والتهم من قبل القيادة العربية تصوب نحو الشرطة المتهمة بأنها "تتخاذل" في محاربة العنف والجريمة في الوسط العربي، بل ولا تحارب ظاهرة استعمال المخدرات في اوساط الشباب العرب، فيما يقول 93% من أبناء المجتمع العربي إنهم قلقون على مستقبل المجتمع جراء إرتفاع نسبة الجريمة، وفق أحدث الإستطلاعات التي أعدت مؤخرا.

وقام المجلس المحلي في قرية إكسال بإصدار بيان في اعقاب مقتل الشاب طلحة الزعبي، على يد مواطن من قرية اكسال، جاء فيه: "نناشد الجماهير العربية بنبذ كافة مظاهر العنف على أشكالها للحفاظ على لحمة مجتمعنا، وأن يتسلح الجميع بالتسامح والصبر لنحافظ على علاقات مميزة طيبة التي تربط هاتين القريتين (إكسال وطمرة الزعبية) منذ زمن بعيد، والتي نرغب في إستمرارها وتعزيزها وتفويت الفرص على العناصر غير المسؤولة التي تثير الفتن وتعكر صفوة العلاقات وبذلك ندرأ الشر ونحقن الدماء".

كما أصدرت بلدية ام الفحم بيانا إستنكرت فيه الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الشاب فادي طحلاوي، حملت الشرطة المسؤولية عن إرتفاع نسبة الجريمة في المدينة. وقال المحامي مصطفى سهيل محاميد، القائم باعمال رئيس بلدية ام الفحم، في حديث لـ "فصل المقال"، إنّ الشرطة في أم الفحم لا تقوم بمحاربة الجريمة بل تسعى الى تدمير المدينة، وأضاف: "لقد اجتمعنا مع كافة المستويات في الشرطة من المفتش العام وحتى قائد شرطة المدينةـ وفي كل مرة كانوا يحدثوننا عن خطط لمكافحة الجريمة والعنف، لكن لا شيء تغير؛ فمنذ إقامة مقر الشرطة في المدينة أرتفعت نسبة الجريمة أضعافا، وبدل أن تهتم الشرطة والوحدة الخاصة، "الياسام" في محاربة الجريمة وبسط النظام فانهم يحررون المخالفات للسائقين، وكأن الوحدة االخاصة وظيفتها تحرير المخالفات وليس مكافحة الجريمة".
وقال البروفيسور محمد حاج يحيى، المحاضر في الجامعة العبرية، في حديث لصحيفة "فصل المقال"، هذا الأسبوع، إنّ العنف المجتمعي هو مشكلة آخذة بالإزدياد والتفاقم، وكثيرا ما تكون لأسباب بسيطة جدا غير مبررة، لك يمكنني أن أقدم صورة مجملة للأسباب التي قد تولد مثل هذه المشكلة الاجتماعية. فالواقع الذي يعيشه المواطن العربي المتمثل بارتفاع نسبة البطالة، اضافة الى انتشار نسبة الفقر، ومشاكل أخرى، تولد إجهادات وتوترات وإحباطات إجتماعية ونفسية، حيث يشعر الفرد بأنه يصارع على بقائه، ولذلك فهو يحارب من أجل ذاته باستعمال أساليب سلبية وممنوعة، بحيث يسعى وراء مصلحته الشخصية، وبهذا فإنّ التنافس يصبح سلبيًا ويُحدث تشرذمًا كبيرًا داخل المجتمع. وكوننا أقلية فلسطينية في هذه الدولة، نعاني التمييز والقهر تجعلنا نتصرف بتوتر شديد قد يصل حد استعمال العنف". من جهة ثانية إعتبر حاج يحيى أنّ غياب الفرص والموارد التي كانت ممنوحة للأسر والأفراد المحتاجين لم تعد كسابق عهدها، فلم يعد المواطن يرى أنّ هنالك من يخرجه من أزمته وبهذا فانه يشعر بفراغ إجتماعي ونفسي، ويصبح أقل توازنا ويعاني التوتر والاجهادات النفسية.

وعن تحليله للإرتفاع الحاد في معدل الجريمة داخل المجتمع العربي على وجه التحديد يقول: "كوننا أقلية قومية وعرقية في هذه الدولة، نعاني التمييز والاقصاء عن مراكز القوى والقرار، يجعل الكثيرين منا يشعرون بأنهم ليسوا أسياد أنفسهم، بل هناك من هو سيد عليهم يؤثر على حيواتهم سلبيا بسبب كافة أشكال الاضطهاد السياسي والاقتصادي والتربوي والقومي". ويضيف حاج يحيى: "المضطهد هو السيد وهو المؤثر على حياتنا، وبالتالي الشعب المقهور هو شعب متوتر ومحبط، فما بالك إذا أضيفت إلى ذلك القهر العنصرية والتحقير والتهميش، فإنّ ذلك يجعل المواطن متوترًا أكثر فأكثر، خائفا على مستقبله؛ ولذلك فإنّ هذا التوتر والقهر ينعكسان عند البعض منا في لغة العنف بأشكاله المختلفة".

وحول ترجمة العنف إلى غير المضطهد، يقول حاج يحيى: "الشخص الذي يشعر بأنه مطارد، يكون في حالة إستنفار للدفاع عن نفسه، ولذلك يخشى في أحيان كثيرة من المضطهد ويلقي التوتر الذي يشعر فيه الى من هو "أضعف" منه، فأحيانا كثيرة يفرغ توتره بأنسان "مستضعف" في محيطه كألاطفال او النساء؛ التغييرات التي حصلت في مجتمعنا فُرضت علينا ولذلك خلقت عندنا فوضى معيارية وأخلاقية".

ويقول بروفسور حاج يحيى إنّ مجتمعنا مرّ بالعديد من التغييرات في العقدين أو الثلاثة الأخيرة. عدد من هذه التغييرات هي إيجابية، منها تغييرات حصلت في مجالات السياسة والتربية ومكانة المرأة، لكن السلبي بنظره في الموضوع، هو أننا لم ولا نشارك في التخطيط لهذه التغييرات وصنعها، بل إنها فرضت علينا من المضطهد، وهذا بذاته ولد لدينا الشعور بالنقص والدونية وانعدام القوة والجدوى وحتى شعور بالفوضى المعيارية وفقدان البوصلة الموجهة من النواحي السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، التي لها تأثير مباشر على واقعنا ومستقبلنا. ويضيف: "الواقع الذي نعيشه من فقداننا للهوية "المدنية" في هذه الدولة، وتخبطنا في السؤال: هل نريد أن نكون جزءًا من هذه الدولة أم لا، يخلق عندنا تناقضًا ذهنيًا يؤثر على غياب المعيارية، ويجعل الكثيرين منا يعيشون بلا هدف أو حلم، أحلامنا وطموحاتنا مقزمة وهذا الأمر يقود الى التوتر والإحباط وينعكس على علاقتنا ببعضنا سلبا".

ويتابع: "من يعيشون ضحية هذه الظروف قد لا يملكون أحيانا المهارات لمعالجة هذا الواقع الذي يعيشونه، والتعامل مع الظروف الحياتية الصعبة، والتوترات المستمرة في حياتهم حيث يلجؤون الى العنف في المدرسة أو في البيت". ويعتقد حاج يحيى أنّ غياب القيادات الجماهيرية على المستويين المحلي والاقليمي، التي من المفترض أن تكون متفاعلة مع الناس وقريبة منهم تسعى للنهوض بهم من خلال خطط عمل ودراسة الواقع المحلي وإحتياجاته، زادت من حدة اللامبالاة في المجتمع واضمحلال التكاتف الاجتماعي وغياب المصلحة الاجتماعية المشتركة، بل وأفرزت حالات من التسيب الاجتماعي، الذي يتجلى في ارتفاع حالات العنف والقتل.