ندوة منتدى الفكر العربي في عمان: د.عزمي بشارة: العرب أفشلوا مشروع المحافظين الجدد على المستوى العالمي..

ندوة منتدى الفكر العربي في عمان: د.عزمي بشارة: العرب أفشلوا مشروع المحافظين الجدد على المستوى العالمي..

افتتح الندوة د.حسن نافعة، أمين عام منتدى الفكر العربي، السبت 31/05/2008، في العاصمة الأردنية عمان، حيث رحب بالضيوف، مشيرا إلى خصوصيته من جهة نوعية الحضور، الذين اكتظت بهم قاعة المنتدى، وطبيعة المناسبة التي يعقد فيها هذا اللقاء، و"بوجه خاص بالإخوة الذين جاؤوا للقاء د.عزمي بشارة، ومن بينهم النواب العرب د.جمال زحالقة وواصل طه، بالإضافة إلى ممثلي منظمات المجتمع المدني".

وأشار د.نافعة إلى أن اللقاء هو فرصة للتفاعل الفكري بين أعضاء المنتدى، وذلك في ذكرى مرور 60 عاما على النكبة. كما نوه إلى أنه كان من الطبيعي أن يهتم المنتدى بهذه المناسبة لاستخلاص الدروس من باب أن النكبة لم تحدث فقط في عام 1948، وإنما تلتها نكبات كثيرة.

وفي إشارته إلى موضوع اللقاء وهو "القضية الفلسطينية في السياق العربي الراهن"، ذكر أنه بعد 60 عاما من النكبة ما زال هناك من يعتقد بفصل القضية الفلسطينية عن المحيط العربي. ورغم أن البعض ظن أن التسوية المنفردة ممكنة، إلا أن الصراع، حتى هذه اللحظة، هو عربي- صهيوني، وليس أدل على ذلك من حقيقة أن التسوية لم تحقق الأمن لمصر، على سبيل المثال. وهنا ينوه إلى أن د.عزمي بشارة هو الذي سيقدم المحاضرة، بصفته "المفكر العربي الكبير، وابن القضية الفلسطينية، ولا يمكن لأحد أن يزايد على عروبته وقوميته"، على حد تعبيره.

لم يتمكن د.بشارة من المباشرة فورا بالحديث، إلا حينما هدأ التصفيق الحار من قبل جميع الحضور في قاعة منتدى الفكر العربي، مفتتحا بالتحية والإشارة إلى أن اللقاء هو مناسبة تتيح لقاء شخصيات أردنية بارزة هناك تقاطع معها بالمواقف دون أن يحصل أي لقاء مسبق معها. كما وجه تحية خاصة إلى أمين عام المنتدى د.نافعة، بالإضافة إلى ضيوف الداخل من أراضي 48.

بدأ د.بشارة حديثه بالتنويه بإيجابية إلى عملية إحياء ذكرى النكبة في كافة أقطار الوطن العربي والدور البارز للطلبة والشباب، في الوقت الذي تحتفل فيه إسرائيل باستقلالها في ظل الإقبال الدولي وزيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي عبر كل الحدود التي يمكنها أن يحتملها الزعماء العرب أمام مجتمعاتهم، فكانت أوقاتا صعبة للمعتدلين العرب خلال وبعد خطاب بوش في الكنيست.

وقال إن "الاستقلال" بالنسبة لإسرائيل هو أهم حدث قومي ديني بعد "الغفران"، في إطار محاولة لخلق ذاكرة جماعية لمن ليس لهم ذاكرة جماعية، وذلك من خلال مراسيم مصممة بشكل قومي عصبوي منذ العام 1949، تبدأ بإحياء ذكرى القتلى الذين سقطوا في حروب إسرائيل، وزيارة العائلات لأبنائها في الوحدات العسكرية، وتتوج باحتفالات ليلية.

وقال د.بشارة إنه لا جديد في الاحتفالات الأخيرة بـ "الاستقلال" التي شارك فيها زعماء من العالم، إنما الجديد هو محاولة إحياء ذكرى النكبة في العالم العربي وفي فلسطين، لافتا إلى أنه حتى في موريتانيا خرجت مسيرات بهذه المناسبة. ومؤكدا أن قضية فلسطين لم تبدأ في عام 1967، وهنا تكمن أهمية إحياء ذكرى النكبة التي وقعت في العام 1948.

وأضاف أن أهم نقطة في الموضوع تكمن في أن هنالك سوقا إعلاميا موحدا مبنيا على تقاطع إرادات الأفراد خلف ظهور الفاعلين فيه، وهناك تنافس في هذا السوق على الرأي العام العربي. وعندما دخل موضوع النكبة هذا السوق بدأ التنافس على من يطرحه بشكل أفضل، واحتكم هذا التنافس إلى منطق السوق وهو منطق عربي يخلق تنافسا بلغة موحدة ويوحد الأجندات. حيث أنه رغم وجود أجندات إقليمية إلا أن اللغة تبقى عربية، ويقتضي التنافس في هذا السوق الإعلامي التحدث بمنطق عربي إلى الرأي العام العربي. ومن هذا الباب، باب الاهتمام الإعلامي، لفت إلى أنه خلال فترة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، حيث كان هناك اهتمام واسع بالإعلام، والتي أسماها د.بشارة بـ"فترة الترانزستور" التصق فيها العالم العربي إلى الترانزستور.
وتابع أن إعادة طرح المواضيع في السوق الإعلامي العربي هو مناسبة لطرح قضية فلسطين في سياقها العربي، لأن قضية فلسطين هي قضية عربية، وبمجرد التوقف عن كونها عربية، فإنها تصبح "قضية الفلسطينيين" أو "مشكلة الفلسطينيين، وهذه مسألة تختلف عن قضية فلسطين. وأكد أن بداية تحول قضية فلسطين إلى قضية الفلسطينيين بدأت مع النزعة إلى تسويات منفردة مع إسرائيل بعد حرب 1973، حيث شجعت مصر في حينه منظمة التحرير الفلسطينية على تبني مقولة الممثل الشرعي الوحيد واستقلالية القرار الفلسطيني، بمعنى أن هناك صراع هويات مع باقي الهويات الأخرى في بلاد الشام، سورية والأردن. وهذا المنطق هو نفس المنطق الذي قال بوجوب الفصل بين الوفد الأردني والوفد الفلسطيني بعد مدريد.

وفي هذا السياق أكد على المنطق الذي استخدمه أرئيل شارون، بداية، وبوش لاحقا، ببراعة، وهو العمل على الدفع باتجاه أن يتصرف الجميع كأنظمة غير إقليمية، بمعنى العمل على نشوء نزعات إقليمية والمبادرة إلى صلح منفرد، والتحدث مثل الأنظمة العربية، وإقامة نظام فلسطيني يشبه الأنظمة العربية، قبل أن تقوم الدولة الفلسطينية، ويتحدث بلغة هذه الأنظمة، حيث تتحول مسألة الأمن القومي العربي إلى مسألة أمن النظام. وهنا يشير إلى الضغط على سورية باتجاه أن تتحدث عن الجولان فقط، وان تقتصر سياستها على ما "يخصها" بهذا المعنى دون سياسة دولة فيها بعد امن قومي، وألا تتصرف كدولة إقليمية.

ويؤكد على أن القضية الأولى إذن هي أن قضية فلسطين هي قضية عربية، وأن جعلها قضية فلسطينيين يؤدي إلى اعتبار قضية اللاجئين قضية فلسطينيين ليس لهم مواطنة، وبالتالي يجري التفاوض على إقامة دولة فلسطينية ومنح اللاجئين مواطنة فلسطينية مع بقائهم في الدول التي يقيمون فيها، ويتحول حق العودة إلى حق بوطن محتل، وإلى حق بمواطنة، وصولا إلى الحديث عن "حل الدولتين". (هنا يسخر د.بشارة من كون حل الدولتين يعني كأن إسرائيل غير قائمة ويتوجب ان تقوم، وبالتالي فإن الحديث عنها يكون على قدم المساواة مع الحديث عن دولة فلسطينية، بكل أبعاد ذلك!!).

واعتبر د.بشارة أن شارون قد أدرك بعد الانتفاضتين نشوء خطر التداخل الفلسطيني- الإسرائيلي، والتداخل الفلسطيني – الفلسطيني (فلسطينيو 48 مع الضفة الغربية وقطاع غزة)، وفي هذه الحالة فإن جدار الفصل العنصري هو مؤقت، وهناك حاجة للفصل السياسي، ومن هنا بدأت إسرائيل تبحث عن شريك فلسطيني يوافق على دولة كما تراها إسرائيل، بحيث تكون البديل لكل قضايا الحل الدائم. وهنا يلفت إلى خطورة ترويج هذا عربيا، خاصة وأن الخطاب الرسمي العربي بات يتحدث عن "الدولة الفلسطينية المستقلة" بدون ذكر القدس عاصمة لها، وبدون ذكر حق العودة، وهو ما يعني بالضبط إخراج القضية الفلسطينية من السياق العربي، ومن هنا تنبع أهمية إحياء ذكرى النكبة.

واستذكر في هذا السياق أن منظمة التحرير الفلسطينية قد أقيمت قبل العام 1967، أي عندما كانت الضفة الغربية وقطاع غزة بأيدي العرب، وفي حينه لم تكن القضية قضية الضفة الغربية وقطاع غزة، كما لم تكن قضية الأقصى. القضية الرئيسية هي قضية حق العودة. مشيرا إلى أن الأمم المتحدة قد اتخذت القرار 194 قبل إقامة منظمة التحرير الفلسطينية، حيث لا يتعامل القرار مع حق العودة كقضية تفاوضية. كما يشير هنا إلى أن قيادة بن غوريون كانت قد قبلت بقرار التقسيم (1947)، والذي يتضمن دولة يهودية يشكل الفلسطينيون 47% من سكانها، ولم يشتمل قرار التقسيم على نقلهم إلى الدولة العربية التي يشكل الفلسطينيون 85% من سكانها.

ويخلص د.بشارة إلى التأكيد في هذا الباب إلى أن حق العودة ليس موضوع تفاوض، وهو قائم قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وقبل قيام حركة حماس أيضا، وقبل خلاف حماس – فتح، وبالتالي فإن إحياء ذكرى النكبة هو مناسبة لإعادة النقاش إلى مجراه.

وفي إطار الحديث عن حق العودة، قال إن حق العودة هو حق نظري من جهة القانون الدولي، وهو مجرد كلام إذا لم تكن هناك قوة تعمل على تنفيذه. ومن هنا فليس صدفة أن اللاجئين الفلسطينيين هم الذين قرروا إقامة حركة التحرر الوطنية، حيث أن منظمة التحرير الفلسطينية قد أقامها اللاجئون في أماكن لجوئهم، حتى في قطاع غزة، وبالتالي فهي حركة لاجئين وإعادة لتشكيل الهوية الوطنية بالنسبة لهم.
وتابع، مشيرا إلى أهمية دراسة هذا الموضوع دراسة أكاديمية جادة، أن الجيل الأول في القيادة المدنية الفلسطينية التي خرجت من المدن اندمجت في الأنظمة العربية أو في التيارات القومية، أو في منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها جزءا من تيار قومي. وفي الحالتين فإن الحديث هو عن حركة لاجئين يرون ان الطريق الوحيد لتحقيق العودة هو التحرير. وبالنتيجة فإن تقاطع عملية تشكيل نظام عربي فلسطيني مثل باقي الأنظمة مع الضربة التي وجهت إلى الحركة الوطنية الفلسطينية عام 1982، وأدت إلى انتقال مركز ثقل المقاومة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، (الأمر الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة)، هو ايضا توازى مع عملية انفصال القضية الفلسطينية عن السياق العربي التي بدأت بتشجيع من رغب بالذهاب الى تسويات منفردة بعد عام 1973، وعبر عن ذلك بقرارات الرباط. ولا ينفي هذا الإنفصال عملية التضامن العربي الطوعية المتدرجة رغبويا، وهذا أخطر ما حصل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن الخروج من هذا الوضع إلا بالعودة إلى السياق العربي.

وفي سياق التأكيد على دور اللاجئين في قضية التحرر، طرح التساؤل حول كيفية إحقاق حق العودة بدون أن يكون هناك دور للاجئين، والذي بدونه تصبح قضية فلسطين قضية الضفة الغربية وقطاع غزة. ونوه هنا إلى أن دور منظمة التحرير الفلسطينية بعد أوسلو، بات كدور ذكر النحل يجب أن يموت بعد أوسلو، وثم تم إحياء منظمة التحرير أداتيا في محاربة الحكومة المنتخبة في الانتخابات الاخيرة.

وتابع أن حق العودة يصبح كلاما إذا لم يكن للاجئين دور فيه. وأشار هنا إلى أن المخيم هو الذي أنتج المقاومة، في حين أنه منذ العام 1982 لا يوجد مقاومة فلسطينية من الدول العربية، واللاجئون غير منظمين للمقاومة، علاوة على أنه في ظل الحديث عن رفض التوطين، فإن نسبة التهجير والهجرة ترتفع من المخيمات التي باتت مخيمات بؤس وتعاسة. وفي الوقت نفسه فإن الفصائل الفلسطينية لا تفكر بهذا الأمر، حيث لم يزر أحد لاجئي نهر البارد في مخيم البداوي. (وهنا يشير إلى حقيقة أن 30 ألفا من لاجئي مخيم نهر البارد قد لجأوا إلى 9 آلاف من لاجئي البداوي)..

وفي نهاية حديثه حذر من أنه إذا كانت القضية هي قضية الفلسطينيين، فإن ما يحسم النقاش هو ميزان القوى، والتأكيد على استراتيجية التفاوض يزيد من تأثير الفجوة في ميزان القوى لصالح إسرائيل. كما يحذر هنا من وهم المجتمع الدولي، الذي ليس له كيان، خاصة وأن حجم العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج يغني عن الحديث عن مجتمع دولي. ومقابل دعوة ليفني للفلسطينيين بنسيان مصطلح النكبة، والذي يعني بدء المفاوضات من 67 للتوصل إلى أقل من سقفها، وفي الوقت نفسه عدم مناقشة القيادة الفلسطينية لرغبة أمريكا، خلافا لما تفعله حتى إسرائيل نفسها (المفاوضات مع سورية على سبيل المثال) – مقابل ذلك- فإن حركة الشعوب هي التي تفرض نفسها، حتى لو كانت بدون استراتيجية وبدون تنظيم، وتراجع هيبة الولايات المتحدة بالنسبة لحلفائها يأتي في هذا السياق.

وفي سياق رده على أسئلة كثيرة وجهها الجمهور، عكست اهتمام وتفاعل الحضور وخاصة كبار المثقفين منهم، أكد د.بشارة على وجوب الفصل بين حالة اللجوء السياسي وبين الحالة الاجتماعية والاقتصادية، مشيرا إلى أنه قد ثبت تاريخيا إن توفير الحقوق الإنسانية تساعد اللاجئين على الصمود والبقاء، وأن مصادرة هذه الحقوق في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن رفض التوطين يؤدي إلى التهجير إلى أماكن لجوء أخرى.

واختتم الندوة بالقول إن الأيام التي توالت في السنوات 2006- 2008، والتي وصفها بأيام العرب، هي أيام مهمة أفشل فيها العرب مشروع المحافظين الجدد على مستوى العالم، وأثبتوا فيها أن القول الفصل هو للشعوب على الأرض..


أما عن لقاء د.عزمي بشارة مع عدد من الاصدقاء من الداخل ، قبل الندوة بسويعات قليلة، فقد كتب الزميل وليد أيوب:وكانت مجموعة منا بلغ تعدادها أكثر من سبعين شخصا من الشابات والشباب والكهول والنساء، قد هرعت إلى العاصمة الأردنية عمان لمجرّد علمها أن هنالك إمكانية لالتقاء القائد د. عزمي بشارة، حيث كان تسرّب الخبر إلى هؤلاء عن المحاضرة التي سيلقيها بشارة في منتدى الفكر العربي.

إلا أن بشارة لم ينتظر حتى ساعات المساء لالتقاء أحبائه ورفاقه وتلامذته، فقد وصل إلى الفندق الذي ينزل فيه أحباؤه، في الساعة الواحدة والنصف ظهرا.

لا يمكن وصف تفجّر المشاعر واندلاقها في كل جنبات وزوايا الفندق الرحب. فقدد صاح أحدهم مازحا أن "وصل العريس" فانتفض "اللوبي" وتنادت أرجاء الفندق وغرفه إلى استقبال بشارة، وهرع الموجودون إلى المدخل لاستعجال ملاقاة القائد الذي فتح ذراعيه العملاقتين لاحتضان أبنائه واحدا تلو الآخر ومحيّيا كلا منهم بالإسم: أهلا محمد.. هلا جمال.. يا مرحبا حنين.. إلى آخر القائمة.

وبعد هذا الإستقبال الفريد، دخلوا إلى قاعة مطعم الفندق الذي تم ترتيب طاولاته على شكل مستطيل جلس بشارة على رأسه بحيث يراه الجميع، وتحدّث إليهم حديثا حميما وأجاب على تساؤلاتهم. وبقي القائد مع أحبائه قرابة ساعات ثلاث حيث غادر ليتهيّأ لمحاضرته في منتدى الفكر العربي في مساء اليوم ذاته.