لقاء مع الباحث السخنيني نبيه بشير..

لقاء مع الباحث السخنيني نبيه بشير..

ربما لم يكن الكم ما يشغل ذهن أمثاله بقدر نوعية الإنتاج ومبتغاه، وكما أنه ليس من هواة عالم الأرقام على أهميتها، إلا أنه بدراساته النوعية قد أغنى المكتبة المحلية في الميدان الثقافي والسياسي بما يستوجبه من وضوح للرؤية ومنهجة العمل، خصوصا للعاملين في تلك الميادين والمهتمين في عمليات التغيير لاسيما قيادات وكوادر الأحزاب والحركات السياسية، وربما في ذلك قدر من تجنب هدر الموارد والطاقات في عمل عشوائي وعبثية عمليات التغيير المنشودة.

وهو لا يخفي امتعاضه من الخلل القائم في علاقة السياسي بالثقافي، إذ أن الارتقاء بمستوى أداء وكلاء التغيير لن يتم بمعزل عن هذا التزاوج، ودراساته البحثية القيمة خصوصا "دراسة اليهود الأصوليين -حريديم- وتهويد المكان" و"يوم الأرض بين القومي واليومي"، ربما يجب أن تشكل بوصلة وتوضيح للرؤية لعديد من الكوادر المناضلة والمثقفة والتي من شأنها أن تنجع أداءها التنظيمي والسياسي في فهمها العميق والشامل لموضوع العمل.

نبيه بشير الباحث الشاب وهو يعكف الان على مشروع دراسي جديد لم يفصح عنه قبل إتمامه، أجري اللقاء معه في مدينته العريقة سخنين.

بدأت دراستك الجامعية في مجال العلوم الدقيقة، وانقلب الأمر فجأة لصالح العلوم الإنسانية لماذا هذا التحول؟

** خلال دراستي الجامعية بدات اكتسب وعيا سياسيا معينا، وزادت اهتماماتي حول قضايا فكرية وسياسية. وفي السنة الدراسية الثانية اكتشفت أن معلمي المفضل في الجامعة يعمل في مفاعل ديمونا النووي. وعندها قررت السفر إلى أوروبا فورا حيث اكتشفت أنني أريد فهم الناس وفهم الفروق بين المجتمعات أكثر منها فهم الأرقام والمعادلات الرياضية. وكان المدخل موضوع علم الاجتماع وأقرب موضوع له هو العلوم السياسية، لذلك قررت دراسة الموضوعين.


أي الجوانب تحديدا أثارت تحدياتك واهتماماتك في ميدان علم الاجتماع والسياسة وهل وجدت من المؤسسات الحاضنة بما يستجيب لهذه التحديات؟

** كانت لدي رغبة جامحة ان لم يكن تحديا في فهم ظاهرة الأصولية الدينية، وبدأت في دراسة مقارنة بين الحركات الاسلامية والحركات الاصولية الأوروبية. وخلال دراستي في الجامعة العبرية اقترح علي معهد" طرومان" دراسة الحركات الإسلامية في البلاد، وكان ذلك عام 1995، وحينها اعتقدت أن الجامعة مؤسسة أكاديمية مترفعة عن السياسة، ولكن في لحظة معينة راودني شك وتخوف لاسيما وأن معظم الباحثين في المعهد من المتدينين الذين يعتمرون"الكيباه" على رؤوسهم، ولم يطل الوقت حتى فهمت أن اعتباراتهم مخابراتية، ويحاولون استغلالي لفهم الحركات الإسلامية. عندها قررت أن أعكس الآية وأتخصص بهم.

أما بشأن المؤسسات الحاضنة، فبعد المعاناة من عدم وجود مراكز أبحاث لدراسة المجتمع الإسرائيلي تلقيت عرضا من مؤسسة الدراسات الفلسطينية في نابلس لإقامة وحدة دراسات إسرائيلية، وحاولت إقناع إدارة المركز بتجنيد بعض الطلاب المتطوعين مع منحة، وتطويرهم لأن المؤسسة الإسرائيلية لن تستوعب العرب ممن يرغبون بدراسة المجتمع الإسرائيلي. وهنا لا أخفي أن إصراري هذا قوبل بخذلان من المؤسسات الفلسطينية بسبب انعدام المهنية، ولأنهم أرادوا عملا تقريريا سطحيا أكثر منه بحثا شاملا وعميقا. وفي المقابل فإن المؤسسة الإسرائيلية تريد استغلالك وتنظر لك نظرة استعلائية.

ربما وقوعك بين هذا التلاطم من انعدام المهنية لدى المؤسسات الوطنية وبين محاولة المؤسسات الإسرائيلية استخدامك لأجندات سياسية وأمنية قد يدفع المرء أحيانا أن يتجنب مناطحة المخرز ويتنازل قليلا؟

** كنت مستعدا أن أبيع الفلافل ولا أعمل لدى المؤسسات الاسرائيلية بما يتعارض مع ضميري ومعتقداتي. وفعلا عملت مدة عشرة سنوات في مكتبة الجامعة العبرية ارتب الكتب وأتلقى الحد الأدنى من الأجور لاعتاش على أن أمد يدي وانحني للمؤسسات الإسرائيلية. وفي هذه الفترة كنت منهمكا في عمل بحثي عن اليهود المتدينين "حريديم" وهو يدرس اليهود الأصوليين. هذا الكتاب من 600 صفحة استغرق من العمل سبع سنوات 1997 _2004، وهو يبحث بتاريخ "الحريديم" وعلاقتهم مع الصهيونية واعتبره مشروع حياة.


مفهوم ضمنا أن هذه الأعمال كبيرة وتحتاج الى مصادرتمويل هل هناك من جهة تبنت هذا العمل خصوصا وأن الدراسة لاقت أصداء واسعة حتى على مستوى البلدان العربية؟

** صحيح أن الكتاب لاقى صدى واسعا في العالم العربي، وكان هناك 34 تعليقا في صحف رائدة من سوريا لبنان والمغرب والبحرين ومصر وغيرها، لكن الكتاب للاسف لم ينشر في إسرائيل، وهذه أول مقابلة تجري معي بهذا الصدد.

أذكر هنا أن احد الأصدقاء بعث الكتاب مرفق برسالة الى محرر جريدة "الاتحاد" (صحيفة الحزب الشيوعي الاسرائيلي)، ولكن الكتاب لم يحظ بأي كلمة أو تعليق في الصحيفة المذكورة. أما التمويل فقد كان من المفروض أن يتم من قبل مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت وحسب الاتفاق بيننا كان يجب أن أتلقى 17,000 دولار كجزء من جهدي، لم أتلق منها دولارا واحدا بسبب أزمة مالية تعرض لها مركز الدراسات.

أمام هذه الحقائق المؤلمة ما هي الحلول المطروحة أمام الباحث العربي في مثل هذه الظروف وهذا الاغتراب؟


** في الماضي أجريت اتصالات ومشاورات وبحثت الموضوع خاصة مع د.مروان بشارة لإقامة مركز أبحاث يدرس المجتمع الاسرائيلي مستغلا موقع عرب الداخل ومعرفتهم بواقع هذا المجتمع، وكانت هذه الاتصالات تزامنت في حينه مع سعي د.عزمي بشارة وعدد من المثقفين العرب لإقامة مركز "مدى الكرمل"، لكني الحقيقة لم اتصل بمركز مدى الكرمل مباشرة، بل بعد سنة من إنشائه وذلك لأنني كنت مصدوما من المؤسسات العربية وتجنبا من خيبة أمل أخرى، إلا أنهم في الحقيقة استقبلونني بصورة ممتازة، وعندها للمرة الأولى في حياتي أشعر أنه أصبح عندي بيت يحضنني، وفي ذلك الوقت كنت أرفض فكرة الزواج لكي لايؤثر الأمر على عملي وبحثي. وفي هذه الفترة أعطيت الكثير من الجهد والتضحية، وكثيرا ما كنت أنام في المركز لأنني كنت أعمل 17- 18 ساعة يوميا، وأوفر وقت السفر الى مدينتي سخنين والمصروفات، إذ أن إمكانيات المركز محدودة، وكنت أتلقى راتبا شهريا قدره 3000 شاقل فقط، لكن كنت سعيدا لأنني أحسست بالانتماء للمركز، وكانت رغبتي في بحث المجتمع العربي في سنوات الخمسين والستين لأنه كانت هناك فرضية في المؤسسة والأوساط الأكاديمية أن المجتمع العربي خلال هذه السنوات كان خاملا وفارغا، وقدرت أن المشروع كبير، وتصوري أنه يجب العمل عليه كطاقم، لكن للأسف فإن المشروع لم يتحقق لأسباب مالية.


لكن مع ذلك قمت بإنتاج عدد من الدراسات القيمة، وربما أصبحت مرجعا للكثير من الأكاديميين والمثقفين العاملين في حقل السياسة. ألا يرضيك هذا؟

** خلال عملي في المركز ألفت كتاب " تهويد المكان"، وهو يبحث في موضوع مجلس "مسغاف الإقليمي". وفكرة الموضوع جاءت عام 2002 إذ كنت أرى خلال زياراتي للشمال أن كل اليافطات تؤشر إلى "مسغاف"، وكان شعوري سيئا لأنني ابن سخنين، ولا أعرف أين تقع جارتنا مدينة "مسغاف"، تابعت الإشارات، وسألت عن مدينة "مسغاف"، وكان الناس يرمقوني بنظرة استهزاء حتى فهمت أن "مسغاف" هذه التي تسيطر على مساحة 220 الف دونم من الشاغورالى كفر مندا ومن المغار الى عكا ما هي الا مدينة وهمية وهي في الواقع بناية مقامة على أراضي قرية ميعار المهجرة. وأشعر أنني قدمت بحثا قيما فيه الكثير من التحليل والمعلومات والوثائق، وأنا راض عن ذلك.

هذه حكايتك عن تهويد المكان. وهل لكتاب "يوم الأرض بين القومي واليومي" كأول دراسة تحليلية عن يوم الأرض حكاية أخرى؟

** يعتبر يوم الأرض البوصلة الضميرية والمقولة الوجدانية الأهم في تاريخ المجتمع الفلسطيني داخل 48. الفكرة طرحها أمامي المحامي والناشط السياسي محمد ميعاري على أن نقوم بالمشروع سويا. استهجنت الموضوع بداية اعتقادا مني أن يوم الأرض قد أشبع بالدراسات نظرا لأهمية الحدث، لكن بعد جرد سريع للأدبيات تبين أنه لم تتخذ أية دراسة عن يوم الارض موضوعا لها.

لكن الأمر الأكثر إثارة الذي اكتشفته في مجمل سياق عملي البحثي في كتابة رواية يوم الأرض هو أن أكثر الملاحظات لامعة وذكية سمعتها من أبسط الناس والعكس، أما حول إشاراتك بعلاقة السياسي بالإنتاج الثقافي هناك اتصالات وتعاون في مجال المعلومات مع الدكتور جمال زحالقة والدكتور حنا سويد.، وانا آمل أن تتطور وتتوسع هذه العلاقة بعلاقة تكاملية بين السياسي والمثقف ودون ذلك سنعرف لاحقا كم هدرنا من الوقت والجهد، علما أنني اؤمن بالتراكمات والتغير التدريجي.

كلمة أخيرة..

** أنا صريح وأقول الحقيقة لأني لا أدعى الاستئثار بها، ولا أخشى شيئا. لكني أطرح موقفي وتصوري وأعرضه للنقاش. لكن أرى أن أغلب الأبحاث عن المجتمع العربي هي إما استشراقية استعلائية أو أبحاث هشة من قبل عرب.