اللد والرملة: لا مدينة في المدينة..

اللد والرملة: لا مدينة في المدينة..

“لا تكتب اسمي”، قالها أحد شبّان حيّ المحطة في مدينة الرملة، حين كان متكئاً على الباب الحديدي الآيل إلى السقوط، محدّقًا بـ”الطريق السريع” القريب من بيته المنسيّ على هامش الطريق.

بعد دقائق من الصمت المكسور بهدير القطار المار من الجانب الآخر، قرّر الحديث عنوةً. مشى على مهل، إلى السكّة البعيدة عن بيته مئة متر تقريباً، وكسر صمته بصوت منخفض، مستعيداً الحدث الذي عايشه قبل بضع سنوات: „كنت هنا. وشقيقي سبقني إلى هناك حيث السكّة الحديد، مشيت من ورائه، حاول أن يقطع السكة الحديد (المنفذ الوحيد للخروج)، لكنّه لم يفلح. وكان القطار أسرع منه فالتهمه. وصلت إلى هناك وشاهدته. مشهد فظيع، لا يفارقني حتى اليوم”.

توقف عن الكلام للحظة، ونظر إلى الاتجاه المعاكس، حيث الشارع السريع، قائلاً „هناك أيضاً، قتل عمي بحادث مروّع قبل سنوات حين كان في طريق عودته إلى المنزل، كنت أول من شاهده”.

“المحطة” اسم لم تختره „لجنة تسميات” في بلديةٍ أو مجلس إقليمي، إنّه اسم وُلِدَ من الواقع، بيوت بنيت إلى جانب السكّة، وصار اسمها „المحطة”. في كل مدينة منكوبة قد تجد أحياء „محطة” بفعل التاريخ، عادة ما تكون مهملة ومهمّشة.

تمنى لهم رئيس البلدية يوئيل لافي ذات يوم أن „يتبخروا”. ظهر الحي بعد النكبة، وصار علامةً عليها. محصور بين السكة الحديد من جهة، وشارع سريع من الجهة الأخرى. الدخول إلى الحي مغامرةٌ، والخروج منه مغامرة أكبر. يسكنه أكثر من 200 شخص في بيوت آيلة إلى السقوط، محاطين بتلّوث على مدار الساعة: الحيّ بكل بيوته „غير قانوني”: لا طرق للمدارس، وإخطارات هدم بسبب مشروع السكّة الحديد.

في كل عام تعود إلى الحي تجده على حاله، لكن في المرّة الأخيرة ساءت حاله أكثر، ألعاب الصغار التي كانت علامة على „الحياة” اقتلعت من مكانها. في هذا المكان، الناس يكثرون، والقضايا العالقة تكبر. هم متوقفون بمكانهم، لكنّ القطار الذي يمر من جانبهم يسير، بسرعة أكبر. وقريباً، وربما على حساب البيوت، سيسير قطار آخر.

حي المحطة وغيره من الأحياء العربية علامة على واقع الفلسطينيين في مدينتي الرملة واللد. سكانها الفلسطينيون الذين تمتعوا بعيش رغيد حين كانت المدينة „مدينة”، تبدّلت أحوالهم وأنهكت. كانت النكبة قاسية عليهم، وفرضت تاريخاً من اللجوء وتقييد الحركة وفقدان الأرض والمسكن.

مأساة النكبة قد تجدها بحجم اللجوء، كان عدد سكان مدينة الرملة قبل عام 1948 ما يقارب 20 ألف فلسطيني، بقي منهم 900 فلسطيني فقط. وتقول المهندسة بثينة ضبيط، ابنة الرملة: „منذ الأربعينيات حتى اليوم، مُحِيت 80 في المئة من ملامح المدينة نتيجة خرائط البناء والإخلاء. في الخمسينيات تم الهدم بفعل أوامر عسكرية ومن ثم الخرائط”.

يعيش اليوم في المدينة ما يقارب 15 ألف فلسطيني من أصل 75 ألفاً. ثلثا العرب الساكنون في الرملة قابعون في وضعية غير قانونية. في بداية الخمسينيات، هاجر إلى الرملة عرب من الجنوب وتكوّنت أحياء صارت مع الوقت أحياء فقر، بينما يسعى رئيس البلدية إلى „الحفاظ” على الميزان الديموغرافي، من خلال حصار الأحياء العربية واستيعاب مهاجرين من الروس وغيرهم إلى قلب الأحياء اليهودية.

في حالة حي الجواريش مثلاً، وصل الأمر إلى وضع جدار عازل بينها وبين الحي اليهودي المحاذي في „المدينة المختلطة”.

وهذه أيضاً هي السياسة المتّبعة في اللد، التي سكنها 40 ألفاً قبل النكبة لم يبق منهم سوى ألف إنسان بعد النكبة. يسكن العرب في أحياء مغلقة، تعيسة، إضافة إلى المعاناة الاجتماعية من حيث التعليم والخدمات. ثمة أحياء كاملة في اللد، مثل شانير وكرم التفاح والمحطة، غير مرخصة تنتظر مصيراً مجهولاً. هناك 3 آلاف بيت غير مرخص، 500 أمر هدم ومنها 70 على نحو فوري.

“غيتو الرملة”، هذا هو اسم أحد أحياء المدينة منذ أن تجمّع السكان العرب فيه في نكبة عام 1948. البلدة واضحة المعالم القديمة، لكنّ الشارع يبدو بائساً فارغاً. ملامح الهدم أكثر من ملامح البناء. حرٌ وصمتٌ وسوق ميّتة. بضعة شبّان يتحدثون بعضهم الى بعض، مشهدهم يقول إنّهم عاطلون من العمل في مدينة الأمجاد الماضية.

في اللد، الوضع ليس مختلفاً، بضع مئات الأمتار تفصل الأحياء العربية عن اليهودية، لكنّ هذه الأمتار كفيلة بأن تكون رحلة إلى عالم آخر. المشهد لا يستدعي تفكيك الرموز، تكفي نظرة إلى هنا، ومن ثم إلى هناك، لتكتشف كم أن العرب مهمّشون في هذا المكان.

عالمان مختلفان. مشاريع قيد البناء، في مقابل مشاريع أخرى قيد الهدم. ليس هناك مشاريع للعرب. يحاول القائمون على هذا الفصل الحفاظ على „يهودية الأحياء” كي لا يملأها العرب. يجري تسويق وحدات سكنية لليهود فقط من دون قول ذلك مباشرة، لكنّ الشروط تقول كل شيء. مثلاً، يفتحون المناقصة لمن „خدم في الجيش”، أو أنّ من يريد أن يشتري بيتاً عليه أن يمر طلبه عبر لجنة بالطبع سترفضه. أساليب كثيرة، وهدف واحد.

السنوات التي مرّت راكمت مع مرورها قضايا أثقل من الحاضر، لكنّ الصدمة لم تتوقف. قد تحجب سرعة الحياة مأساة الشارع. حين تمر من هذه الشوارع المتعبة، فإنك لا تلتفت إلى الماضي، ولا تعبّر من يسكنون على الهامش، لا تقرأ ما بين السطور، ولا تحقق في أسماء الشوارع (معظمها صهيونية)، لكنّك حتماً تشعر فقط أنّ المكان ليس بأحسن حاله من دون تشخيص الحال.

من قرأ تاريخ اللد والرملة مثلاً لم يتوقع له مستقبلاً (حاضر اليوم) مثل هذا. ثمة مسيرة قطعت على أهلها الفلسطينيين. اليوم، وبعد 62 عاماً، لا نجد „سكان المدينة” العرب يقاومون من أجل بناء حديقة، ولا يطالبون بملاعب سكواتش، إنهم يبدأون معركتهم من المصطلحين الأولين في الحياة: أرض ومسكن.


بيوت مهددة بالهدم وخيم اعتصام وتظاهرات. هو المشهد يتكرّر ليشير إلى حرب التهجير التي تجري في صمت.

تترنّح السيارة من حفرة إلى أخرى. „المشي على الأقدام أسهل”، فكرة تأتيك وأنت تمر من شيء يشبه الطريق. حولك بيوت يبدو بناؤها حديثاً بعض الشيء، لكنّ محيطها مهمل، مليء بالخردوات والقمامة والغبار المتصاعد من المركبة.

السير في ذلك المكان معاناة للقادمين إليه، لكنّه واقع اعتيادي لمن يسكن „دهمش”. قرية تقع بين اللد والرملة، كأنّها بين السماء والطارق. بيوت كلّها غير مرخصة، يسكنها 600 نسمة. برغم البناء الحديث بأغلبيته، إلا أنّهم يفتقرون إلى أبسط الشروط، لا ماء ولا كهرباء ولا مواصلات، سبعون بيتاً غير مرخص، من بينها 13 أمر هدم فوري و13 أمر إخلاء. أما الباقي فعالق ينتظر ورقة ما قد تأتي لهدم أو إخلاء أو ما شابه من هذه التعابير، إذ ترفض السلطات الاعتراف بهذه المباني لكونها „أرض زراعية”.

في خيمة الاعتصام التابعة لعائلة شعبان، المهدد بيتها بالهدم، كان يجلس صاحب البيت، يلف الدخان العربي، يحكي بنبرة منخفضة كلاماً قاسياً: „يريدون رخصة بناء؟ هم من عليهم أن يعطونا رخصة بناء وليس نحن. ديموقراطية وكذب”.

رغم عصبيّته المكبوتة من وراء جمله القصيرة، إلا أنّه يلفّ سيجارته بحرفية وهدوء. يشعل سيجارته ويواصل حديثه بالصوت المنخفض: „يقولون أرضهم؟ نعم أرضهم، جلبوها معهم من رومانيا”. ويتابع، فيما المعتصمون يستقبلون وفد متضامنين آخر، هذا البيت بنيته بعدما بعت 600 رأس من الحلال ورثتها عن والدي. ولكن هؤلاء مجانين. سأطلب منهم أن يهدموا البيت على رأسي”.

ويستعيد ما فعله عندما جاءت الشرطة لهدم البيت، حين وضع قوارير الغاز في داخله رافضاً الخروج، إلى حين اعتقاله بعد استصدار أمر محكمة يؤجل الهدم.

يحاول أهالي دهمش استخلاص الترخيصات على أرضهم التي يمتلكونها. فعلاوةً على الاعتصام ورفع الشعارات، ثمة «حرب استنزاف” أخرى تدور في المحاكم. التماسات ومحامون ومماطلات إلى „حد ما يفقد الإنسان عقله”، تقول فريدة شعبان صاحبة البيت. وهذه الترتيبات لا تعني الوقت وحرق الأعصاب، إنها „مصاريف لا تنتهي أيضاً”.

خيمة الاعتصام حيّة، الساعة اقتربت من الثالثة والنصف عصراً. نساء وأطفال الحي اعتادوا منذ شهر على إحياء تظاهرة يومية لرفع الشعارت. يخرجون من دهمش ويقفون على الطريق الرئيسية ويرفع النساء والأطفال شعارات: „لا تهدم بيتي”. السير يمضي كالمعتاد، بالنسبة إلى السائق، هذه قضية عابرة على سبيل، قد يلمحها بطرف عينه ولا يكلف ذاته لقراءة الشعار حتى، لكنها، بالنسبة إلى من يرفع الشعار، هي الحياة كلها.
في اللد، وتحديداً في حي „كروم التفاح”، الذي لا يشبه اسمه، مرّت امرأة عربية ونظرت إلى الجمع الواقف هناك. وجهها مشقق رغم صغر سنّها، وعيناها جاحظتان وأسنانها محطمة بالكامل. تشبه النهاية.

يتركك مشهد المرأة حائراً منتظراً ومتسائلاً عن واقع المدينة. فالقادم من بعيد يسمع كثيراً عن الإجرام المتفشي في اللد والرملة ويافا، علماً بأنّ الإجرام، منذ عامين أو ثلاثة، صار يتفشى في أكثر من رقعة في المناطق الفلسطينية في الداخل: سلاح غير مرخص، عمليات قتل وتصفية حسابات، وشرطة صامتة أمام هذا الواقع المتفاقم يوماً بعد يوم.

إنّ واقع الغيتوات والتضييق الذي عاشته المدن المختلطة، وخصوصاً اللد، خلق نتائج اجتماعية لا تحمد عقباها أيضاً. ويقول أحد السكان „عندما تكون المرافق التربوية في وضع سيئ، وتتفشى البطالة والفقر، يلجأ جزء من المجتمع إلى الإجرام”.

اتسع الإجرام في اللد مثلاً، وزادت المخدرات في المدينة.
أدّت الحرب بين العصابات إلى عشرات الضحايا من الشبّان، تلك الحرب التي وقع ضحيتها أبرياء كثيرون.
كل هذا، ولم نبدأ احتساب النساء العربيات في اللد والرملة اللواتي قُتلن هنّ أيضاً على خلفية ما يسمى „شرف العائلة”.

قصص واقعية لا يمكن أحياناً تخيلها، تنفع لمشاهد سينمائية، منهنّ من أطلق عليهن الرصاص، ومنهن من قتلن ووضعن في إحدى الآبار. وتقول إحدى الناشطات الاجتماعيات إن „أحداً لا يحرك ساكناً، والشرطة صامتة”.
وقفت الشرطة الإسرائيلية كأنّها „عاجزة” أمام هذا الواقع. لكنّها بادرت أخيراً، قبل أعوام، إلى „إنقاذ” اللد من المخدرات، وشرعت بحملة ضخمة. روايات كثيرة عن الأسباب التي دفعت الشرطة إلى هذا «النشاط»، كان السبب المعلن هو „تنظيف اللد”، وهناك رواية أخرى تقول إنّ قائد الشرطة الجديد أراد إثبات نفسه، ورواية غير رسمية ثالثة تقول إنّ تجارة المخدرات خلقت «رؤوس أموال من العرب، ما لم يعجب الشرطة»، كلها روايات.

لكن الشرطة شرعت بهذه الحملة، وخصوصاً في منطقة «شانير»، التي كانت „مزروعة بالتجار” وبيع المخدرات على طريقة „الصراف الآلي”، بحيث يكون جدار طويل، فيه ثقوب عديدة، بائع المخدرات يكون في طرف والزبون على الطرف الآخر. يضع الزبون النقود في ثقب الحائط، ويتناول المخدرات.

انتهت الحملة، ووضع حي شانير اليوم أفضل، لكن الإجرام لم يمت، بل توزع على منطقة أوسع. الإجرام يموت إذا تهيأت ظروف موته، لكن في ظل الوضع في اللد الآخذ بالسوء، فإن الأمر لا يزال بعيداً.