عرب على هامش القوى العاملة..

عرب على هامش القوى العاملة..

يعيش الفلسطينيون في الداخل، البالغ عددهم 1.5 مليون، على هامش الإقتصاد الإسرائيلي، إثر خصوصيتهم كمجموعة قومية واجهت تمييزاً وتفرقةً عنصريةً قادتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ دافيد بن غوريون وصولاً إلى بنيامين نتنياهو.

هذه السياسات التي راكمتها السنوات أدَّت في نهاية المطاف إلى تهميشهم وخلق فجوات واسعة (وآخذه بالإتساع) بين المجتمعين العربي واليهودي.

تعود هذه الفجوات إلى أسباب عديدة، أهمّها عزل فلسطينيي الداخل عن القوى العاملة وعن المشهد الإقتصادي. فعلى الرغم من „ملامح” الإنفتاح في المبادرات الإقتصادية الذاتية في بعض المجالات الإقتصادية إلا أنَّ نسبة العرب في القوى العاملة في البلاد لا تزال النسبة الأدنى إذ ما قورنت بمجموعات أخرى.

إنَّ تعزيز هذه الحقيقة، هي أول ما يظهر من بحث جديد، أعدّه المحاضر في التخنيون د. يوسف جبارين، وقدّمه في مؤتمر قيسارية المنعقد مؤخرًا في الناصرة.

جبارين الذي قاد طاقمًا يضم عشرة خبراء، يقول: إنَّ المشاركة المتدنية للعرب في سوق العمل، لا تعتبر منخفضة على النطاق المحلي فحسب، بل أنَّها من أدنى النسب على نطاق العالم”. ويرى جبارين أنَّ لهذه الحالة „قد تكون انعكاسات بعيدة المدى على علاقة الأقلية العربية بالدولة ومؤسساتها”، ولا ينفي أن تؤثر هذه الحال على الإقتصاد الإسرائيلي ككل.
إنَّ ملخص التقرير الممتد على 41 صفحة من القطع المتوسط، يعرض صورة سوداء عن وضع الأكاديمي العربي، وصورة حالكة السواد عن وضع الأكاديمية العربية التي وصلت إلى حدٍ من „اليأس” في هذا الصدد.

ففي المجتمع العربي في الداخل ثمةّ ما يقارب الـ 13,500 جامعي عربي لا يتمتعون بوظيفة. واستنادًا إلى الإستطلاع الإجتماعي لدائرة الإحصاء المركزية للعام 2008، يتبيّن أيضًا أنَّ 10 آلاف من الأكاديميين العرب غير الموظفين من النساء، من بينهنّ 9 آلاف أكاديمية يئسنَ من الحصول على وظيفة تذكر.

ويرى جبارين أنَّ „في حال مواصلة الحكومة الإسرائيلية اتباع سياسة التجاهل والتعامل غير الجدّي مع المواطنين العرب سيكون هناك 30,000 أكاديمي عربي عاطل عن العمل خلال خمس سنوات”.

ويؤكد على ما جاء في التقرير بقوله: „لو أنَّ هناك مساواةً بين العاملين العرب واليهود من حيث الفروع التشغيلية ومستويات الدخل، لكان المردود المتحقق للرجال العرب الموظفين بلغ 37 مليار شيكل، أي زيادة بنسبة 36% مما هو عليه الوضع حاليًا. ولو تحققت المساواة فعلاً بين النساء العربيات واليهوديات، لكان مجموع الأجر للقوى العاملة النسائية العربية قد بلغ 28 مليار شيكل، مقابل 7 مليارات شيكل اليوم، أي ارتفاع قدره 21 مليار شيكل (300%) مقارنة بالوضع القائم اليوم.”

ينوّه معدو البحث أنّ هناك تقدّمًا ملحوظًا قد طرأ على مجال التعليم عند المواطنين العرب، حيث ازدادت نسبة المتعلمين بشكل كبير بينّ عامي 1961 و 2007 وخصوصًا بما يتعلق بمتوسط سنوات الدراسة. وارتفع معدل سنوات الدراسة من 1.2 سنة إلى 11.3 سنة، أي ارتفاع بـ 9 أضعاف مقارنة بالعام 1961. ومع ذلك لا تزال هناك فجوات في مجال التعليم بين المواطنين العرب واليهود، لا سيما في مجال الاستثمارات الحكومية. ولعل النقطة الأساس تكمن في أنَّ الزيادة التي طرأت على مجال التعليم لم تجد التعبير المناسب في مجال التوظيف، وهو أمر غير مسبوق في الاقتصاد العالمي.
تعتبر نسبة مشاركة النساء العربيات في القوى العاملة من أدنى النسب في العالم، إذ تبلغ هذه النسبة نحو 21%، فيما تبلغ عند النساء اليهوديات 57%.

إنَّ هذه المعطيات تبدو متناقضة مع ما تحاول إسرائيل تصويره دوليًا، فالدولة التي تعتبر نفسها „حضارية” و „منفتحة” وتقود اقتصادًا „ليبراليًا”، تضم في داخلها معطيات خطيرة، إذ أن نسبة النساء العربيات العاملات في „الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” هي من „أدنى النسب في العالم وهي أدنى من النسبة المتوسطة في العالم العربي”، كما أشار البحث منوّهًا إلى „كونها أدنى بكثير من النسبة المتوسطة في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OCED. التي انضمت إليها إسرائيل مؤخرًا”.

ويشدّد البحث على أنَّ „هذه الأوضاع التي تعيشها النساء العربيات لها انعكاسات كثيرة ومتنوعة، منها زيادة خطورة حالة الفقر، عدم استثمار الطاقة الاقتصادية الكامنة في الاقتصاد، تعميق الفجوات بين اليهود والعرب، تأخير تبلور طبقة عربية متوسطة، تعزيز الشعور بالغربة نحو الدولة ومؤسساتها والنيل من مكانة المرأة بوجه عام”.

ويشير جبارين في بحثه إلى أنَّ الرجال والنساء من العرب شديدو التوق للخروج للعمل. إذ بلغت نسبة مشاركة الرجال العرب في القوى العاملة حوالي 62.4% في العام 2008، وهي نسبة أعلى من نسبة الرجال اليهود والتي بلغت 61.5%. وقد توصل إلى أن 43% من النساء العربيات غير الموظفات على استعداد لدخول دائرة العمل حالا، لو تيسر ذلك. والنتيجة هي أنه لو تم جمع نسبة الاستعداد للعمل بنسبة النساء المشاركات فعلا في القوى العاملة (نحو 21%)، ستكون نسبة النساء العربيات المشاركات في القوى العاملة مماثلة لنسبة اليهوديات المشاركات بها.

و يلخص جبارين بحثه بأنَّ حال التمييز التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خلقت „اقتصادين مختلفين في نفس المجال”، حيث يشيرإلى أنَّ أحدهما، „يهودي متطور ومتقدم يمضي قدمًا بخطى رشيقة، بينما الآخر عربي متخلف في أعقاب من التمييز المؤسساتي الممنهج”، مشيرًا إلى أنَّ هذه السياسات المجحفة بحق فلسطينيي الداخل جعلت „مستويات الفقر عالية بين المواطنين العرب والفجوات الكبيرة القائمة بين اليهود والعرب والغربة التي يشعر بها المواطنون العرب نحو الدولة ومؤسساتها”.



لقد انضمت إسرائيل أخيرًا إلى منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي. خلق انضمامها هذا تساؤلات عديدة أكثرها متعلقة بفلسطينيي الداخل.

إنَّ دولة تعتمد سياسة تعمّق فيها الفجوات، علاوةً على كونها محتلة، ستوضع على مسألة انضمامها إلى جسم مثل OCED علامات استفهام كثيرة خصوصًا وأنَّ الفجوات في إسرائيل هي الفجوات الأوسع بين كافة الدول الأعضاء في المنظمة. ويرى البحث أنَّ الفجوات الاقتصادية بين اليهود والعرب في إسرائيل „سحيقة وتتسع باستمرار” ومن بينها:

- نسبة المشاركة في القوى العاملة: تبلغ 42% عند العرب و 59% عند اليهود.

- دخل الفرد: في عام 2007 بلغ متوسط الأجر الشهري لدى العرب الى 5149 شيكل، بينما بلغ متوسط الأجر الشهري في الوسط اليهودي 8056 شيكل. كما أن أجر ساعة العمل الذي يتقاضاه العربي أدنى من أجر نظيره اليهودي صاحب الثقافة المماثلة بنسبة تقارب الـ 30%. أما الفارق بين النساء العربيات واليهوديات يبلغ 23%.

- الفقر: يعيش نحو 50% من مجموع العائلات العربية تحت خط الفقر (بعد حصولهم على الدفعات التحويلية والضرائب)، مقابل 15% تقريبًا من العائلات اليهودية

- المهنة والفرع الاقتصادي: لا تتجاوز نسبة المواطنين العرب من العاملين في فرع الهايتك (التكنولوجيا العليا) الـ 1%.

- نقص في المناطق الصناعية وغيرها من المناطق التي تتوفر فيها فرص العمل. وتدل البيانات على أن 2.4% من مجموع المساحة الصناعية في إسرائيل موجودة في المدن والقرى العربية. وتضم الناصرة العليا مثلا، والتي يسكن فيها نحو 42 ألف نسمة، خمس مناطق صناعية، علما بأن مساحة واحدة منها، هي منطقة „تسيبوريت” الصناعية، تبلغ نحو 6000 دونم، أي إنها أكبر من مجموع المساحات الصناعية المتطورة في القرى والمدن العربية في البلاد مجتمعة. وفي المقابل، فالناصرة التي تعتبر أكبر مدينة عربية في إسرائيل، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 66000 نسمة، لا تتعدى المساحة الصناعية الإجمالية ال 15 دونما تقريبا.
أوصى القائمون على البحث بوضع خطة حكومية اقتصادية شاملة وإستراتيجية وبعيدة الأمد للقضاء على الفجوات الاقتصادية السحيقة بين اليهود والعرب في إسرائيل وتنمية مجال توظيف المواطنين العرب.

ويقول جبارين في هذا الصدد إنّ „البرنامج الذي قدمته الحكومة مؤخرا محدود، حيث يتم تطبيقه على 13 مدينة وقرية عربية فقط، كما أنه محدود جدًا من حيث استثمار الأموال العامة في تنمية الاقتصاد المتأخر للمجتمع العربي في إسرائيل، فضلا عن أنه لا يتطرق إلى العديد من الجوانب القادرة على تحقيق التغيير المطلوب.

كا يوصي معدو البحث إلى استثمار الإقبال الكبير والمتزايد للنساء العربيات على العمل، علما بأن البحث التجريبي الواسع النطاق الذي يستند إلى عينة من 1500 سيدة عربية (والذي أجراه جبارين) يدحض الافتراض الشائع بأن النساء العربيات يتخلفن عن العمل لأسباب ثقافية واجتماعية.

وقد توصل البحث إلى أن السبب الرئيسي لتدني نسبة النساء العربيات المشاركات في القوى العاملة يعود للنقص في فرص العمل، وأنّ الأغلبية الساحقة من النساء غير الموظفات، أي 73%، يفضلن العمل داخل قراهن ومدنهن، وعلى مقربة من منازلهن، وذلك لتعدد وظائفهن.

كما يوصي البحث بتطبيق وتنفيذ القوانين المعمول بها لدفع توظيف المواطنين العرب في القطاع العام بالقدر الذي يقضي به القانون النافذ وبمطالبة الشركات المتقدمة للمناقصات الحكومية بالالتزام بنسبة معينة من توظيف المواطنين العرب، على أن تزداد هذه النسبة مستقبلا.

‌وأوصى التقرير بتشجيع الكليات العربية أساسًا على التأهيل في مجال الهايتك، وتطوير مراكز توظيف في مجال الهايتك، إطلاق حملة لتوظيف المواطنين العرب في الشركات الدولية العاملة في إسرائيل؛ استيعاب الجامعيين العرب في فرع الهايتك؛ إنشاء مصانع للشركات الإسرائيلية أو الدولية الرائدة لتكون بؤرة استقطاب لغيرها من المشاريع في قرية أو مدينة عربية في الجليل أو المثلث أو النقب؛ إطلاق حملة جماهيرية تستهدف الحد من التمييز ضد المواطنين العرب في التوظيف ضمن القطاع الخاص؛ إيجاد بيئة مادية وتجارية مناسبة من المناطق الصناعية والتشغيلية في المدن والقرى العربية؛ الاعتراف بالقرى العربية غير المعترف بها في النقب والتي يبلغ تعداد مجموع سكانها نحو 70,000 نسمة وتنمية بنيتها التحتية لإيجاد فرص عمل لائقة.

كما أوصى التقرير بالاستثمار في الرأسمال البشري وتوظيف الموارد في التعليم العربي ودعم تشغيل المرأة العربية عن طريق إقامة مراكز تشغيلية للنساء على غرار المراكز التشغيلية المقامة في البلاد والعالم. وإنشاء حاضنات للمشاريع التجارية للنساء العربيات وتحفيز الخروج للعمل عن طريق ضريبة الدخل السلبية. تذليل العقبات التي تعترض الخروج للعمل عن طريق دعم الحضانات النهارية وحضانات الظهيرة للأطفال وإنشاء نظام للسفريات بين القرى العربية وأماكن العمل المحتملة، إنشاء حاضنات صناعية لتشجيع المبادرين العرب على تنمية الأفكار الابتكارية وإيصالها إلى طور التطبيق وتخصيص الموارد لاستكمال تعليم الكبار، وهو الأمر الأشد ضرورة لدمج المواطنات العربيات في سوق العمل.