رئيس لجنة المتابعة يروي تفاصيل هبة القدس والأقصى

رئيس لجنة المتابعة يروي تفاصيل هبة القدس والأقصى

 محمد زيدان، كان رئيسًا للجنة المتابعة آنذاك، وقد واكب أحداث هبة القدس والأقصى بعد اندلاعها  وذلك على مدار الساعة على المستوى الميداني و الرسمي، حيث كان عنوانا لتوجهات المؤسسة والمسؤولين الاسرائيليين بمن فيهم رئيس الحكومة (باراك) للتداول حول تطورات الأحداث ومحاولة المؤسسة الضغط عليه كمسؤول أعلى هيئة تمثيلية لعرب الداخل حتى يقنع المتظاهرين العرب بالعودة إلى بيوتهم. ومن خلال ذلك يستعرض زيدان المشهد الدموي ذاهبا إلى أن الأحداث جاءت عدوانا دمويا مبيتا للنيل من صمود العرب على أراضيهم ((وتلقينهم الدرس)). يستعرض زيدان بعضا من فصول الحكاية، يقول:

أعتقد جازما أن الحدث هو نتاج فعل ممنهج و صنيعة سياسية عدوانية مبيتة، استهدفت صمود عرب الداخل وتطور مستوى الخطاب والتنظيم السياسي لديهم، ولم تكن تداعيات عفوية إطلاقا، وأذكر أن عضو الكنيستأمنون لينقد زارني قبل الهبة وأعلمني بأنه سيعد تقريرا لرئيس الحكومة باراك حول الوسط العربي، وبعد توجيه الأسئلة لي ولمدة ثلاث ساعات متتالية، توقف مطولا حول سؤاله: (( ماذا يمكن أن يحدث وما سيكون رد العرب فيما لو تم الاعتداء على الأقصى وهل العرب سيلجؤون للعنف؟!! ))، وهو أمر استذكرته بعد الهبة، وعندما تبين ما عرضته إحدى الصحف العبرية بأن اقتحام الأقصى تم بالتنسيق بين شارون وباراك، وأن باراك هو من أعطى الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية باستخدام العنف والقوة ضد عرب الداخل، وهذا يربط بشكل جلي بين حركة أمنون لين وما كتبته هذه الصحيفة، ويثبت أن الأمر كان مدبرا ومدروسًا „.

 

أسباب وعوامل.. ومفاجآت..

وحول أسباب وحجم الغضب والرد الشعبي وما رمت إليه المؤسسة في عدوانها يرى زيدانأن أسباب الاحتقان هذا نبع من تراكمات للسياسات العنصرية بكل ما يتعلق بحياة العرب في الداخل من مصادرة للأرض وهدم المنازل والفقر والبطالة وانسداد الأفق أمامهم، إلى جانب تألمهم لما يحصل لإخوانهم في مناطق الـ 67، إضافة إلى المشهد الدموي الذ صحب قتل الطفل محمد الدرة في غزة، والذي اهتزت له الأرض والسماء.. وبالتزامن مع محاولة شارون دخول الأقصى، وجدنا من واجبنا الوطني والأخلاقي والديني الردّ على هذه الخطوة الحمقاء، واعتبرناها خطوة سياسية تستهدف فرض سيادة على الأقصى والقدس المحتلة. ومن هنا اتخذت المتابعة قرار الاضراب العام والشامل لعرب الداخل.” ويضيف زيدان: „ لا أخفي مفاجئتنا في المتابعة من حجم الالتزام الجماهيري بقرار الاضراب وحجم الرد الشعبي الذي عم البلدات العربية برمتها، حيث  كانت المتابعة بحالة انعقاد دائم، وأقامت غرفة طوارئ لهذا الغرض، علما أن الأمور في يوم الاضراب كانت تحت السيطرة، وكنا نتلقى تقارير محلية عن كل بلد وبلدة، واعتبرنا في بياننا أن الاضراب سجل نجاحا ولم تشوبه إلا بعض الأحداث الصغيرة، في وقت طالبنا جماهيرنا بعدم الاحتكاك بالشرطة وتحاشي استفزازها وإعطائها الذريعة؛ إلا أنني تلقيت في تلك الاثناء مكالمة من الشيخ رائد صلاح بأن الجيش يستفز الشباب في وادي عارة، وأن مواجهات عنيفة اندلعت بين الطرفين، وبعد دقائق أعلمني أن أحد الشبان قد استشهد هناك ( الشهيد رامي غرة من قرية جت )، وقد انتشر الخبر في كافة البلاد، واندلعت المواجهات بين الشباب الغاضب وقوات الجيش في كافة البلدات العربية.” ويتابع: „ وفي اجتماع المتابعة الطارئ تقرر الاضراب العام لليوم التالي احتجاجا على عملية القتل، حيث عم السخط والغضب لدى الجماهير المحتجة، حتى بدت البلدات العربية وكأنها ساحة حرب حقيقية، وقد طالبنا باستمرار عدم دخول الشرطة للبلدات العربية، إلا أن قوات الشرطة والجيش كانت تفرض المواجهة وتقوم بعمليات الاستفزاز.” 

ويضيف زيدان: „ هذا ما حدث أيضا في بلدتي كفر مندا، حيث أنه في لحظات انعقاد اجتماع المتابعة هناك في اليوم التالي، وعند ساعات الغروب، وفي لحظات عصيبة، قامت قوات مدججة باقتحام البلدة من أكثر من جهة، واعتدت على الشبان وأطلقت الرصاص الحي عليهم وعلى المنازل وعلى المسجد، والشبان يحاولون منع الجيش من الدخول، واندلعت المواجهات، حيث استشهد الشهيد ( رامز بشناق ) وأصيب 86 جريحا حسب الاحصائيات، ومنها ما كان خطيرا، خصوصا لدى من أصيب بعيارات من نوع ( دمدم ) التي تمزق الاحشاء.”

 

باراك يتصل.. وزيدان يسمعه على الهاتف صوت الرصاص

 

يتابع زيدان مستعرضًا التطورات اللاحقة: „ في أثناء المواجهات الساخنة في كفر مندا، اتصل بي (باراك) وقال: أعلم أن لديكم جلسة الآن، واتمنى أن تتخذوا قرارات للتهدئة. وطالبني بالعمل سوية على ذلك. فأخبرته ـنه من الصعب أن تلتئم المتابعة الآن، فأعضاؤها لن يتمكنوا من دخول كفر مندا وقد تحولت إلى ثكنة عسكرية، وأسمعته على الهاتف صوت الرصاص المتواصل الذي يطلقه جنوده على أبنائنا. فردّ علي بأنه سيسحب قواته من البلدة لإجراء مفاوضات بين الطرفين، وتم عقد اجتماع المتابعة في كفر مندا مع تواجد الآلاف من المواطنين خارج القاعة. وتلقينا اتصالا آخر من مكتب رئيس الحكومة للاجتماع به، وقد انقسم المجتمعون إلى فريقين برأيين، فمنهم مؤيد للقاء ومنهم معارض. لكن أخيرا تم الاتفاق بالأكثرية على تشكيل وفد للقاء (باراك)، وأما التجمع الوطني الدّيموقراطي فقد رفض أن يكون ضمن هذا الوفد، إلى جانب أن البعض رفض إعلان الإضراب العام، فتم الاتفاق على إعلان إضراب جزئي في مواقع سقوط الشهداء. ويضيف زيدان: „ إن الموافقة على هذا اللقاء جاء خشية أن تتطور الأحداث، لاسيما وأن المواجهات لم تكن مع السلطة فحسب، بل تطورت مع المواطنين اليهود، الأمر الذي تطلب موقفا حكيما رغم الألم.” ويتابع: „ وفي جلسة باراك حضر كبار الوزراء ورجال الشاباك والشرطة، وساد مناخ جاف ومتوتر، وطغت على كلام باراك لغة المجاملة، يبدو أن باراك كان يريد أن يُسكت جبهة عرب الـ 48 للتفرّغ للجبهة المستقلـّة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولمتابعة تحقيق التهدئة كلف الوزير (فلنائي) بالأمر، إلا أن المفاجأة وقعت وأنا في طريق عودتي إلى كفر مندا، فبعد أن اتفقنا على التهدئة،  تلقيت مكالمة مفادها أن الجيش يقتحم بلدة كفر مندا، حيث قتل الشهيد رامز بشناق، مما يؤكد أكثر فأكثر نوايا  المؤسسة المبيتة.”

استشهاد إياد لوابنة ويزبك أمام عيني.. والشرطة تحمي المعتدين اليهود عند مهاجمة الحي الشرقي في الناصرة..

 

ويبدو جليا من خلال اللقاءات واتصالات باراك المتكررة أنه كان يتبع سياسة العصى والجزرة، إذ كان يدعو ويصافح القيادات العربية بيد، ويقتل باليد الأخرى، ويستعرض زيدان: „ وبعد أن أخذت الأمور تهدأ، جاء العدوان على الناصرة عندما هاجم الآلاف من الشبان اليهود وبدون سبب الحيّ الشرقي في الناصرة.. والأغرب في الأمر أنهم اقتحموا الحي تحت حماية الشرطة لتندلع المواجهات من جديد، وقد أطلقت المناشدة في وسائل الإعلام وفي المساجد لحماية الناصرة بعد استشهاد ثلاثة شبان من المدينة، وهم يزبك ولوابنة وعكاوي.. أما نحن فكنا قد وصلنا إلى موقع الحدث قبل استشهاد الشباب، ولم تجد طلباتنا وتوجهاتنا لسحب قوات الشرطة من المكان أي استجابة، بل صعقنا للمشهد في تلك الأثناء عندما أخذ الجنود يطلقون النار بكثافة على مجموعات من الشباب بسبب إلقاء حجر واحد من بعيد من أحد الشبان، وفي هذه اللحظات أصيب بجانبي تماما الشهيد يزبك بالرصاصة التي كانت يمكن أن تصيبني، وتلاه أيضا الشهيد لوابنة، وكم كان المشهد مروعا وأنا أراهم مدرجين بدمائهم أمامي، وبالتالي فإن حماية الشرطة للمعتدين اليهود في الناصرة يدلل للمرة الألف على السياسة الحاقدة، وعلى العلاقة الهشة  بين المواطنين العرب والدولة، حيث أتت أحداث أكتوبر لتزيد من تصدع هذه العلاقة  وتعمق هذا الشرخ، لكن يبقى أكتوبر ويوم الأرض عام 1976 الحدثين الأهم في حياة عرب الداخل على مستويات الهوية والانتماء كجماعة قومية.” 

وحول دور ومواقف الأحزاب السياسية العربية، وكيفية تعاطيها مع الحدث، وفيما إذا كانت قد استثمرت الحدث في تطوير أدائها وأدواتها قال زيدان: „ أترك الأمر للأحزاب وللباحثين.”

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018