عوض عبد الفتاح شاهد عيان على يوميات هبة القدس والأقصى

عوض عبد الفتاح شاهد عيان على يوميات هبة القدس والأقصى

 

عوض عبد الفتاح، عضو في لجنة المتابعة، منذ أوائل التسعينيات (عن أبناء البلد)، وعضو في لجنة السكرتارية (اللجنة المصغرة) منذ تأسيس التجمع عام 1996، كان هو ورئيس حزب التجمع، الدكتور عزمي بشارة، ممثلا الحزب في اللجنة. وفي عام 2003 أصبح للتجمع عضوان آخران بعد زيادة عضويته في الكنيست: واصل طه وجمال زحالقة.

 

عبد الفتاح كان السكرتير العام الوحيد الذي استدعى من لجنة أور للتحقيق ليومين متواصلين، كما استدعي للظهور رسميًا أمام لجنة أور في مقرّ المحكمة العليا في القدس حول دوره في الهبّة والتصريحات التي كان قد أدلى بها، سواء كمسؤول حزبي أو كمسؤول في لجنة المتابعة. ويبدو أن لجنة أور اكتفت بتوجيه إنذار لممثل واحد عن كل حزب، الدكتور عزمي عن التجمع، الشيخ رائد عن الإسلامية الشمالية، والثالث عبد المالك دهامشة عن الإسلامية الجنوبية.

 

يستذكر عبد الفتاح نوع الأسئلة التي وجهت إليه خلال التحقيق، فقال: „ كان المحققون قد جمعوا كمًّا هائلاً من المعلومات، وبالتأكيد عبر التعاون مع المخابرات، وليس فقط من بروتوكولات لجنة المتابعة والتصريحات التي كانت تنشرها الصحف المحلية.”

 

وأعطى مثلاً على ذلك: „ مثلاً قيل لي في التحقيق إنني في أواخر آذار 2000، وفي مهرجان جماهيري في كفركنا، دعوت إلى تصعيد النضال الجماهيري وإغلاق الطرق إلى المستوطنات الاسرائيلية التي تحيط بالبلدات العربية. أيضًا وجهت أسئلة حول المواجهات التي حصلت أثناء مظاهرة يوم الأرض في الثلاثين من آذار من العام نفسه خارج مدينة سخنين، والتي أصبت فيها باختناق بالغاز، حين قامت قوات الشرطة بتفريق متظاهرين هاجموا ومزقوا سياجا أقيم حول المعسكر الذي كان لاقى احتجاجًا واعتراضًا على مدار العام السابق بسبب خطورته على البلدة.”

 

وأضاف: „ أقحم المحققون، كدليل، صورة عبد الناصر التي ظلت معلـّقة على بقايا السياج باعتبار أن التجمع هو الحزب الوحيد الذي يرفع صورة هذه الشخصية العربية الهامة.”

 

وأضاف: „ أما الأسئلة حول مسؤوليتنا عن المواجهات والتصريحات فحدّث ولا حرج، كل ما كانت تحاوله اللجنة هو أن تلقي المسؤولية عن المواجهات ونتائجها على القيادات العربية وليس فقط على الشرطة الاسرائيلية، وهذا فعلاً ما صدر عن اللجنة في ختام تحقيقاتها. هكذا تحولت الضحية إلى متهم في عرف هذه اللجنة والمؤسسة الاسرائيلية عامة „.

 

ويضيف عبد الفتاح: „ من الواضح أن الغليان كان يشتدّ بين عرب الداخل على مدار السنوات القليلة قبل انفجار الهبة الشعبيّة. فالإحباط كان حادًا، والأفق أصبح مسدودًا، فجاء القمع الدموي لأهلنا في ساحة الأقصى، ومن ثم في المناطق المحتلة عام 67 ليشكـّل المفجّر لكل هذا الإحباط والغليان الذي كتم لفترة طويلة.”


شاهد عيان


كان عبد الفتاح أيضًا شاهد عيان في أكثر من موقع، ويذكر تلك المشاهد بتأثر بالغ: „ من ضمن المواقع التي كنت فيها، طمرة والناصرة، بالإضافة إلى بلدتي كوكب، وكان من الصّعب الدخول إلى سخنين وعرّابة بسبب الحواجز العسكرية، وحاولت أن أدخل مدينة أم الفحم بعد وصول أول خبر عن سقوط شهيد هناك.. لقد تواصلت هاتفيًا مع الدكتور عزمي بشارة الذي نجح، على ما يبدو، في الدخول من ناحية الجنوب كعضو كنيست، عندها عدت إلى الناصرة.

 

وصلني خبر استشهاد شاب من الناصرة، وقالوا اسمه إياد لوابنة، نقل إلى المستشفى الإنجليزي. أوقفت سيارتي قرب سينما ديانا القديمة وهرعت مشيًا على الأقدام باتجاه المستشفى ولكني صدمت عندما رأيت أربعة شبان يحملون الشهيد على أكتافهم والدموع تتدفق من عيونهم، خارجين من المستشفى، ولم أفهم لماذا فعلوا ذلك، ولكني سرت وراءهم، ودخلنا إلى شارع الناصرة الرئيسي، الداخلي.. كانت أخبار الاستشهاد على ما يبدو وصلت إلى كل بيت، وفي أقل من عشر دقائق كان آلاف الناس قد تدفقوا وراء جثمان الشهيد المحمول على الأكتاف. كان المنظر صادمًا، ووقعه شديدًا، لدرجة أنك لا تستطيع أن تخرج كلمة من فمك. كان جزء من الناس صامتًا، مذهولاً، وآخرون تصدح حناجرهم غضبًا.. ينددون بالمجرم، وينادون بحياة الشهيد.

 

وصلت المسيرة العفوية الغاضبة إلى جامع السلام، لم يكن هناك أحدٌ من قيادات الناصرة أو من البلدية. كان الكل يسأل: أين قيادة البلدية.. لا أحد يعرف.. ربما كانوا يتابعون مع الشرطة لوقف بطشهم.

 

في هذه الأثناء، أي بعد الوصول إلى الجامع، تحركت الجموع بصورة عفوية باتجاه بيت الصداقة، حيث تتواجد مقابله قوة شرطة كبيرة كانت تعتلي السطوح. حاولت أنا وعدد من النشطاء المحليين منع الناس من التقدم باتجاه الشرطة خوفًا من أن ترتكب الشرطة مذبحة، خاصة بعد أن رأينا وحشيتها. ولكن لم يستجب أحد. فجزء كبير من المتظاهرين كانوا مدفوعين بغضب واستعداد للموت. لم يكن أمامي خيار إلا أن أسير معهم، وقلت ليحدث لي ما يحدث لهم، فأنا كمسؤول لا أستطيع أن أكون بعيدًا عنهم. وفعلاً في اللحظة التي مررنا فيها من أمام بيت الصداقة راحت قوات الشرطة المتمركزة على السطوح تمطر المتظاهرين بزخات من الرصاص، فوقع البعض على الأرض وأصبت أنا ببعض الرصاصات المطاطية في إحدى ساقي، في القسم السفلي، وقد تسبّبت برضوض فقط. تفرق المتظاهرون ونقل الجرحى الى المستشفى.

 

توالي الأنباء عن سقوط شهداء آخرين


 يستذكر عبد الفتاح أنه أثناء هذه المواجهات في الناصرة جاءه اتصال هاتفي يقول إن أسيل عاصلة من عرابة أصيب بجراح، يقول: „ أسيل أعرفه شخصيًا. فقد كان صديق ابني (ابن خالته) وكانا في علاقة وثيقة، ويتبادلان الزيارات البيتية، أسيل ابن الـ17 وأشرف ابن السادسة عشرة

 

اتصلت بأبي أسيل لأسأل عن أخبار أسيل، كان صوت أبي أسيل هادئًا كالعادة، وطمأنني أنه جرح بسيط، تبيّن فيما بعد، ويا للهول، أنه كان جرحًا بالغًا، وجاءت بعدها بقليل الأخبار الصادمة، باستشهاده .”

 

يحاول عبد الفتاح أن يخفي مشاعره، يقول: „ لقد كان سقوط كل شهيد هزة عنيفة في جسدي. ولكن بسبب القرابة والعلاقة ومعرفتي بأسيل، الطالب العبقري والشاب الوطني، كانت الصدمة مضاعفة. وبطبيعة الحال كانت الصدمة للوالدين لا توصف. لا أطيل في هذا الموضوع لأن هناك الكثير مما يجب أن يقال بهذا الخصوص. وجيّد أن هناك كتابًا يجري تحضيره الآن بتكليف من لجنة المتابعة لتوثيق وتحليل ما جرى.”

 

المستقبل


وحول تقييمه للهبة ومعانيها، قال: „ لا شك أن تلك الأيام كانت ثقيلة وحزينة، ولكن من منظار نضال الشعوب فإنها أيام بطولية مشهودة، واجه فيها الفلسطيني الشاب والكبير، أجهزة القمع الدموي بشجاعة وكبرياء وتحدٍّ غير مسبوق. يبقى السؤال المفتوح، كيف نتقدم إلى الأمام، كيف ننتقل إلى مرحلة نوعية مستندين إلى إنجازات الهبة ومعانيها، كيف نواجه استمرار القمع الاسرائيلي والمخططات الرامية إلى تفكيكنا كمجتمع وكشعب. هذا هو التحدّي الذي يجب أن نعود للانشغال به بصورة جدّية وبطريقة جماعيّة.”

 

ويتدارك قائلاً: „ من أجل أن ننجح في الإجابة على الأسئلة أو على هذا السؤال المصيري، لا بدّ من مراجعة العشر سنوات، منذ الهبّة وكيف تمّت إدارتها وكيف تعاملنا مع تداعياتها التي لم تتوقف، أين قصّرنا، أين أخطأنا، وماذا حققنا.”


وأنهى حديثه قائلاً: „ شعبنا شعب بطل، ويستحق مثل كل الشعوب أن يعيش بكرامة. وهذا يتأتى فقط عبر النضال الواعي والمسؤول.”


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018