كفر قاسم: المجزرة، المحكمة، التاريخ والذاكرة

كفر قاسم: المجزرة، المحكمة، التاريخ والذاكرة

يصادف هذا اليوم ذكرى المجزرة الرهيبة التي قام بتنفيذها أساطين الحكم في اسرائيل وقياداتهم العسكرية في الجيشا لاسرائيلي. لم تكن المجزرة محض صدفة، أو مسألة فيها خطأ تكتيكيأ وميدانيا، إنما كان مخططا لها مع سبق الإصرار والترصد. حيث أن دافيد بن غوريون رئيس حكومة اسرائيل ووزير الدفاع قد بدأ يعد العدة لخوض حرب ضد مصرعلى الجبهة في سيناء بالتنسيق السري مع بريطانيا وفرنسا.
 
وفي الوقت ذاته اراد بن غوريون نفسه الاستفادة من الوضع بفرض المزيد من القيود على السكان العرب في منطقة المثلث الجنوبي من خلال منع التجول والمراقبة المستمرة لحركة السكان، وتقييد حرياتهم الشخصية، وذلك من خلال لجوئه إلى استعمال قوانين الطوارئ والتشديد في أنظمة الحكم العسكري (كانت حكومة اسرائيل قد فرضت الحكم العسكري على الفلسطينيين العرب الذين بقوا على اراضيهم في عام  1948، واستمر هذا الحكم حتى العام 1966).
 
ولتمويه ما كانت تقوم به اسرائيل من استعدادات ولفرض الأمر الواقع أصدرت قيادة الجيش أوامرها إلى القيادات الميدانية في كفرقاسم والقرى المحيطة بها وهي جلجلولية والطيرة وكفربرا والطيبة وقلنسوة وبير السكة بمنع التجول في التاسع والعشرين من شهرتشرين أول/ أكتوبر 1956.
 
المجزرة:
 
حوّل المقدم يسخار شدمي تعليمات قائد لواء المركز في الجيش الاسرائيلي إلى شموئيل مالينكي قائد فرقة حرس الحدود في المنطقة المشار إليها أعلاه طالبًا منه فرض منع التجول من الساعة الخامسة مساء وحتى الساعة السادسة صبيحة اليوم التالي.
 
وأشار شدمي لمالينكي أن منع التجول في هذه المرة سيتميز بالشدة واللجوء إلى القوة في حال ظهور من يخالف الأوامر من العرب. ويضيف شدمي أنه لن تكون هناك اعتقالات إنما قتل بالرصاص حالاً للمخالفين. أما مالينكي فيسأله وماذا مع الذين سيعودون بعد موعد فرض منعا لتجول ولم يعلموا به؟يجيبه شدمي "الله يرحمه". كان هذا الجواب الدموي كافيًا لمالينكي ليفهم ما القصد.
 
ويجهز مالينكي فرقته من 14 ضابطًا ويكلف الضابط غبريئيل دهّان بقيادتها ميدانيًا. أحد الضباط واسمه منشيس يسأل مستفسرًا عن مصير الاطفال والنساء، ولم يتأخر جواب مالينكي بالوصول إليه: مصيرهم مثل مصير الآخرين بدون رحمة أو شفقة. ويسأله أيضًا عن مصير العمال خارج القرية فيأتيه الجواب نفسه الذي نطق به شدمي من قبل. ويتم تبليغ مختار القرية بأن القيادة ستهتم بالعائدين من العمال.
 
وانتشرت فرقة حرس الحدود على مداخل القرية وعند الساعة الخامسة مساء أوقفوا كل شخص كان عائدًا من خارج القرية، وبعد أن جمعوا 49 منهم أمروهم بالاصطفاف على حافة الطريق وأطلقوا النار عليهم، كان بين القتلى الشهداء عمال ونساء وأطفال. وقتل ثلاثة آخرون في القرى المجاورة بعد ساعة فرض منع التجول.
 
وحاولت الحكومة ومؤسساتها التستر والتعتيم على المجزرة، ومنعت من وسائل الاعلام أي معلومة عنها، إلى أن قام عضو كنيست من حزب مبام بالهمس في أذن عضو الكنيست السابق توفيق طوبي بأن مجزرة قد وقعت في كفر قاسم والحكومة تتستر عليها. وللتو طلب طوبي إدراج الموضوع على جدول أعمال الكنيست إلا أن طلبه رفض. فيقوم طوبي وآخرون بالوصول إلى كفر قاسم سرا والالتقاء بالأهالي والاستماع إلى شهود عيان وشهاداتهم. عندها بدأت الأخبار الأولية بالتسرب، ثم نشر الخبر كاملاً مرفقًا بمعلومات كثيرة جدًا حول ما جرى وكيف جرى.
 
المحكمة:
 
نتيجة لضغط وسائل الإعلام العربية وبعض العبرية في ذلك الوقت اضطرت الحكومة إلى تنظيم محكمة عسكرية لمقاضاة الجنود (أي لمقاضاة نفسها، وياللسخرية!). ولإخراج مسرحي ناجح للمحاكمة في المحكمة العسكرية التي جرى مدهاعلى 22 شهرًا، صدرت أحكام المحكمة على جنود فرقة حرس الحدود بين 15 إلى 17 عامًا، واعتبرت عملهم غير قانوني وغير انساني، لكنهم حصلوا بعدها بمدة قليلة على عفو من رئيس دولة اسرائيل. أما شدمي قائد الوحدة فتمت تبرئته من أعمال القتل بذريعة أن أوامره فُهمت خطأ على يد جنود الفرقة، فحكمت عليه المحكمة بدفع غرامة قيمتها قرش واحد لا غير، فصار هذا الحكم مثلاً يضرب به لأحكام تتمثل فيها روح الاستهتار بالجمهور.
 
التاريخ:
 
تزامنت مجزرة كفر قاسم مع العدوان الثلاثي على مصر في اليوم ذاته (29 تشرين أول /أكتوبر 1956)، حيث اشتركت اسرائيل إلى جانب فرنسا وبريطانيا في حرب ضد مصر التي شهدت في هذه الفترة نهوضًا قوميًا واقتصاديًا واجتماعيًا في ظل حكم وسياسة الرئيس جمال عبد الناصر.
 
وكان عبد الناصر قد اعلن عن تأميم قناة السويس قبل ذلك مما أثار غضب الدول الثلاث المعتدية على مصر. أما اسرائيل فأرادت انتهاز الفرصة للإجهاز على القضية الفلسطينية بمزيد من القتل وارتكاب المجازر وترحيل الفلسطينيين في منطقة المثلث، وبالتحديد على الحدود الشرقية وإخلاء المنطقة من سكانها. لهذا، رأت أن تستفيد من الظروف الدولية الحاصلة جراء قرار عبد الناصر المذكور أعلاه، وجراء إصرار حكومتي بريطانيا وفرنسا على تسديد ضربة لمصر لتصفية حكم عبد الناصر الثوري والنهضوي.
 
الذاكرة:
 
إن الشهداء الأبرار الذين سقطوا على أرض كفر قاسم، قد رووا بدمائهم تراب الوطن بأكمله. هؤلاء الشهداء لم يكونوا من رجال السياسة ولا العسكر، كانوا من أبناء شعبنا الطيبين محبي الأرض والوطن. لقد بذلوا دماءهم في سبيل وطنهم. هؤلاء الشهداء قد وضعوا سياسة إسرائيل في ميزان العدالة والحق، مضيفين بذلك قضايا وجرائم أخرى فوق تلك التي قامت وتقوم بها إسرائيل ضد شعبنا على أرضه وفي كافة مواقع وجوده وانتشاره.
 
 وكشفت هذه المجزرة الرهيبة صفحة أخرى من سياسات اسرائيل العاملة من أجل ترحيل بقية الشعب العربي الفلسطيني عن أرضه، بعد أن كانت قد نفذت قبل مجزرة كفر قاسم أكبر مجزرة في تاريخ البشرية الحديث والمعاصر في عام 1948، حيث شردت ورحلت قرابة ثمانمائة ألف فلسطيني عن ديارهم، وحولتهم إلى لاجئين يبحثون عن لقمة عيشهم من أجل البقاء، مانعة منهم العودة إلى وطنهم.
 
إن ذكرى مجزرة كفر قاسم تعيد إلى ذاكرتنا التاريخية الجمعية مجازر أخرى نفذتها المؤسسة الاسرائيلية ولم تنفك أبدًا في تنفيذ الكثير غيرها.
 
تدعونا مجزرة كفر قاسم بكوننا أصحاب البلاد إلى التمسك بالأرض (ما تبقى منها)، وإلى التمسك بالمسكن (الذي يقومون بهدمه)، وإلى التمسك بثقافتنا وحضارتنا (ويسرقونها منا)،  وإلى التمسك بأخلاقنا الراقية (ويعملون على بث الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد في قرانا ومدننا من خلال أعمال الشغب والقتل والنهب والسرقة).
 
وتُبَيّن الذكرى والذاكرة أن شعبنا لا ينسى، بمن فيهم الأطفال والشباب (وهذا ما يجب أن نقوله لدافيد بن غوريون ولأمثاله كل صباح ومساء. كان بن غوريون قد قدم جوابًا عندما سُئل بعدعام 1948 وماذا سنقول للعرب الباقين؟ قال يأتي الجيل القادم وينسى).
 
 وتعود بنا الذكرى إلى ما هو واقع علينا من هجمات مكثفة للتضييق علينا وتنغيص حياتنا، وقلب موازيننا الاجتماعية والثقافية، وإلهائنا بمشاكل دخيلة علينا كالقتل والسرقة وإطلاق النار في قرانا يوميا بصورة عشوائية ومقصودة في أحيان معينة، وفرض قوانين عنصرية تأبى أكثر الدول تخلفًا في العالم التعاطي معها، أو حتى طرحها على جدول أعمالها الحياتي.
 
لذا، علينا في مثل هذا اليوم أن نُكرم شهداءنا الأبرار، وأن نؤكد لهم ولشعبنا الطيب أننا باقون هنا، نتمسك بوطننا ولن نفرط فيه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018