ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 19 ) د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 19 )
د.مصطفى كبها

من مواليد قرية زيتا ( قضاء طولكرم) عام 1910. بعد أن أنهى تعليمه الإبتدائي عمل في الزراعة والنجارة ( مازالت منجرته التي أقامها في نهاية العشرينيات من القرن الماضي تعمل حتى هذا اليوم ).

اكتسب ثقافته القضائية جراء التعلّم الذاتي، حيث قرأ أصول القضاء الإسلامي وحفظ عن ظهر قلب مجموعة قوانين "المجلة" العثمانية.

في سلسلة مقابلات أجريتها معه في صيف عام 1999، حدثني الحاج أبو راشد عن بداياته في صفوف الثورة حيث قال:" بدأت محققاً لدى محكمة الثورة، وبعد ذلك عينني القائد عبد الرحيم الحاج محمد قاضياً للصلح في المنطقة الممتدة من قيسارية في الشمال وحتى طولكرم في الجنوب، ومن الخضيرة وعرب النفيعات في الغرب وحتى كفر راعي في الشرق.

وقد دخلت في حدود صلاحياتي قضايا جنائية خفيفة ونزاعات حمائلية وعشائرية. وفي نطاق عملي هذا كان عليّ أن أرتب شكل العلاقة بين فصائل الثورة والأهالي. وقد ألقى عليّ القائد العام بعض المهام المتعلقة بالإعلام وكتابة المناشير ومحاضر المحاكم المختلفة.

كانت حركة بشير الإبراهيم عادة ما تتم بالليل حيث كان يستدعى للبت في الخلافات بين الأهالي، وعلى الأغلب كان يرافقه بعض الحراّس والمسلحين في حين حمل معه تفويضاً مكتوباً وموقعاً عليه من القيادة العامة للثورة تجيز له عملية القضاء بين الناس.

حكم القاضي بشير في 13 قضية جنائية وست قضايا تتعلق يتجاوزات الثوار وقضيتي استئناف كنا قد سجلنا وقائعها (مع زميلي الدكتور نمر سرحان في كتاب حمل اسم "بشير الإبراهيم ، القاضي والثائر في ثورة 1936 -1939 ، رام الله، 2000 ).

وفي إحدى سفراته إلى برة قيسارية حيث كان من المفروض أن يبت في نزاع أراض هناك، قبض عليه الإنجليز وأودعوه سجن المزرعة قرب عكا لمدة سنة ونصف. ولم يضيّع القاضي بشير وقته سدى حيث عمل قاضياً يحكم في الخلافات التي كانت تدب بين آلاف السجناء الذين أودعهم البريطانيون هناك بسبب نشاطهم بالثورة أو التعاون والتعاطف معها.
ولد في أم الفحم في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. أثناء الثورة كان له بيتان: واحد في أم الفحم وآخر في اللجون.

في البداية، كان ديوانه في قرية اللجون أحد المقرات التي كان يأوي إليها القائدان القسّاميان، الشيخ عطية عوض من بلد الشيخ والشيخ فرحان السعدي من المزار. وبعد استشهادهما الواحد تلو الآخر (الأول في تشرين الثاني عام 1937 والثاني في كانون الثاني 1938) تولى القيادة في المنطقة قسّامي آخر هو الشيخ يوسف سعيد جرادات (أبو درة ) من قرية السيلة الحارثية.

وقد كان أبو درة هو الذي عيّن فياض الحسن قاضياً في منطقتي الروحة ووادي عارة.

روى لنا المرحوم هاني الفياض طميش عن نشاط أبيه في القضاء في مقابلة أجريناها معه في 2000 .7 .24 حيث قال : " عندما دبّ الخلاف بين آل الفاهوم من الناصرة والشيخ أبي درة، طلب منه الطرفان التوسط في الخلاف. بداية ذهب أبي إلى أبي درة فوجده في خربة قمبازة ( قرب قرية إجزم في الكرمل الجنوبي) واتفق معه أن يقوم بجمع الطرفين في بيته في اللجون. جاء أبو درة مع رجاله وجاء آل الفاهوم ومعهم 14 خيّالاً. جلس الطرفان لدى أبي ساعة كاملة وخرجوا بعد أن أبرم الاتفاق بين الطرفين".

وصل نشاط القاضي إلى مدينة حيفا أيضاً، حيث جرت لديه محاكمة متهم من المدينة وعن تفاصيل هذه المحاكمة يقول الراوي:" قام الوالد باستجواب المتهم الذي كان يعمل دهاناً لدى نائب مدير سكة الحديد في حيفا، حيث أتهم بأنه كان يقيم علاقات غرامية مع زوجته. وبعد المداولة حكم الوالد ببراءة المتهم (الدهان ) وبتكليف المشتكي بدفع مصاريف ورسوم المحاكمة".

ولعل هذه القصة الأخيرة تثبت لنا مدى المكانة التي وصلت لها محاكم الثورة بحكم توجه موظفين كبار في المنظومة الإدارية لحكومة الانتداب إلى هذه المحاكم وتركهم المنظومة القضائية البريطانية الرسمية.
ولد في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، في قرية نحف في الجليل الأعلى ومنها انتقل إلى قرية كوكب أبو الهيجاء وبعد ذلك استقرت عائلته في قرية كفر مندا.

كان للشيخ ثقافة دينية واسعة وكان على اطلاع في القانون العثماني. عمل فترة طويلة معلماً في كتاتيب عدة. رغم كونه مكفوفاً انضم لصفوف الثورة في المنطقة التي كانت تحت قيادة الشيخ خليل العيسى ( أبو إبراهيم الكبير)، في حين كان جل نشاطه في مقر الثورة في قرية كوكب أبو الهيجاء كما وانضم في بعض الأحيان لجولات ميدانية لقائد الفصيل يحيى هوّاش من قرية البروة.

بعد المداولات التي تجري أمامه، كان القاضي حامد يصدر أحكامه من خلال علامة متفق عليها: إذا كانت راحة كفه مبسوطة، كان ذلك يعني الإفراج عن المتهم وتبرئته وإذا كانت الراحة مقلوبة، كان ذلك نذيراً بالتجريم.

عرفت عن الشيخ صفات خفة الروح والفكاهة، وتروى عنه قصة يتداولها أبناء المنطقة في روايتهم الشفوية كانت تفاصيلها أن قوة بريطانية قامت بمحاصرة بيت تواجد فيه الشيخ حامد وبعض الثوار وقد عرف الضابط الإنجليزي أن الشيخ مختبئ على السدة في ذلك البيت فطالبه بالنزول، ونظراً لعجزه وتقدمه بالسن طالبه الضابط بالنزول على كتفه، وعندما أعتلى الشيخ كتف الضابط ممسكاً بعنقه قال منتشياً : "دعسنا على رقابهم ورب الكعبة ".

هذا نزر قليل من تراث كامل لمرحلة مشرقة من مراحل الثورة ضاع معظمه، إما إمعاناً بالتكتم والسرية ( إلى درجة جعلت بعض القضاة أو ذويهم ينكرون كونهم كذلك رغم ورود روايات شفوية ومعلومات ارشيفية تشير بشكل واضح لذلك) أو بسبب المرحلة الأخيرة من الثورة والتي استعمل فيها الجهاز القضائي للثورة مطيّة لتحقيق المآرب الشخصية، ووسيلة لضرب الخصوم والوشاية بهم. هذا فضلاً عن التنكيل الذي تعرض له العاملون بهذا الجهاز من البريطانيين أو من أعوانهم الذين عرفوا باسم "فصائل السلام " على حد سواء.


وللحديث بقية ......