ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية..(الحلقة 3)/ د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية..(الحلقة 3)/ د.مصطفى كبها

كان خروج الشيخ عز الدين القسّام وصحبه من حيفا، على الأغلب، في الثاني أو الثالث من تشرين الثاني 1935.

وقد خرج ومعه 15 عضواً من أعضاء تنظيم جماعة الكف الأسود كانوا ينتمون إلى النواة الضيقة للمجموعة المقربة جداً من قائدها وهم:

1. داود أحمد (قرية بيتا، قضاء نابلس )
2. محمود سالم المخزومي (قباطية، قضاء جنين )
3. يوسف سعيد أبو درة ( السلة الحارثية، قضاء جنين )
4. صالح طه الصفوري ( صفورية، قضاء الناصرة )
5. حسن الباير (برقين، قضاء جنين )
6. أسعد المفلح ( أم الفحم، قضاء جنين )
7. داد حطّاب ( الكبابير، قضاء حيفا )
8. يوسف الزيباوي (الزيب، قضاء عكا )
9. معروف الجابر ( يعبد، قضاء جنين )
10. نمر السعدي ( طبعون، قضاء الناصرة )
11. محمد يحيى يوسف ( سبسطية، قضاء نابلس )
12. عربي بدوي ( قبلان، قضاء نابلس )
13. محمد أبو قاسم ( حلحول، قضاء الخليل )
14. حنفي عطية المصري ( عامل مصري كان يعمل في حيفا، مصر )
15. أحمد عبد الرحمن ( إقتابا، قضاء طولكرم ) .


من المرجح أن القسّام كان قد قرر توقيت الخروج بعد الهبة الشعبية التي أثارتها عملية اكتشاف السلاح المهرب للجماعات اليهودية المسلحة في أيلول من نفس السنة. ولكن هناك الكثير من الأسئلة المحيّرة التي لم يصل الباحثون فيها إلى أجوبة شافية رغم كثرة الخائضين فيها.

تتمحور الأسئلة حول ماذا كان القسّام ينوي أن يعمل بالفعل من هذا الخروج المبكر ( قبل أن يتكامل تنظيمه الثوري شعبية) ومع هذا العدد القليل من رجاله؟ وهل كان بالفعل ينوي إعلان الثورة المسلحة على الملأ، الشيء الذي يعني التنازل عن آليات العمل السري الذي سار عليها سنوات عدة؟ وهل استشار القسّام أحداً من زعماء الحركة الوطنية قبل خروجه واقباله على هذه الخطوة المصيرية كالحاج أمين الحسيني مثلاً الذي كانت تربطه به، بحكم عمله وبحكم ماضيهما الإستقلالي المشترك، علاقات وطيدة وخاصة؟

للإجابة على هذه الأسئلة كلها، علينا أن نؤكد من البداية أن القسّام كان ينوي، بالفعل، القيام بثورة مسلحة أو على الأقل عمل عسكري له دوي يكون من شأنه اقناع بريطانيا بالعدول عن تأييد مشروع الوطن القومي اليهودي ومنح الفلسطينيين بعض مظاهر الإستقلال والسيادة.

تشير إلى ذلك بعض الدلائل منها استقدام ضابط تركي كبير، سبق وخدم في الجيش العثماني، وذلك لإعطاء أعضاء المجموعة تدريبات حسب الأصول العسكرية الصحيحة، وكذلك محاولته إقامة نقاط ارتكاز في القرى والأرياف يكون من شأنها معاضدة حيفا ( التي قرر أن تكون مركزأً لنشاطه الثوري ) وقت اندلاع الثورة.

فقد أفادت التقارير أنه بعث، أثناء سنة 1935، إلى بعض القرى التي كان لمجموعته فيها أعضاء ( صفورية وطيرة الكرمل ونورس ) بعض العتاد الحربي وأوامر تتضمن الاستعداد والتدرّب. وقد كان يبغي من وراء ذلك، كما يبدو، الخروج إلى هذه القرى في الوقت المناسب لتكون مراكز تجميع وتجنيد وتدريب للمناطق المحيطة بها ومن ثم الانقضاض على حيفا، بعد استكمال الاستعدادات، لتكون مركزاً للثورة وواجهة لها، وذلك كما أفاد صبحي ياسين أحد أعضاء جماعة الكف الأسود والذي لم يرافق الشيخ القسّام في رحلته الأخيرة.

واعتماداً على ما كان للقسّام من تجربة طويلة في المجال الثوري ومقارعة الاستعمار الأوروبي فإنه من المنطقي الافتراض بأنه كان واعياً حتماً لمحدودية خطة من هذا القبيل وعدم جاهزيتها، وعليه فإنه من الصعب القبول بما يقوله صبحي ياسين ( والذي سار على أثره باحثون كثيرون ) تكتيتكياً على الأقل، بل يمكن الافتراض أن الخروج كان بقصد استمرار الحض على الثورة وتجنيد أعضاء جدد للمجموعة بحيث يتم جعلها أكثر شعبية واتساعاً بعد ما كانت محصورة قبل ذلك في صفوة من اتباعه وتلاميذه.

وبطبيعة الحال، كان القسّام مدركاً لمخاطر هذه الخطوة والتي كان أهمها خطر انكشاف المجموعة قبل النضج التام بعد وضعها تحت مساحات أوسع من دائرة الضوء . وقد يكون قول ياسين صحيحاً على المستوى الحسابات الاستراتيجية للقسّام الذي نوى، كما يبدو بعد استكمال الاستعدادات، مهاجمة مدينة حيفا من الخارج ( بواسطة الشبان الذي نوى تجنيدهم في القرى) على أن يقوم سكانها العرب وبإرشاد من أتباعه الذين بقوا فيها (وكانوا يعدون بالعشرات من خيرة الشبان المقاتلين والمدربين) بتسهيل أمر دخولها. وما يؤكد أن الخروج كان بقصد الوعظ والحض على الثورة والتجنيد وليس المباشرة بالثورة هو نوعية الخارجين معه الذين كانوا، بمعظمهم، من الدعاة والمدرسين في المجموعة وليسوا من المقاتلين وهذا يدل بشكل واضح على المهام التي رسمها القسّام لهم والتي كانت تصب باتجاه استغلال قدراتهم بالاقناع والحض والدعوة وإثارة الحماس لدى جمهور سامعيهم من الشباب.

وعليه، يمكن القول بأن ما حصل مع المجموعة كان انحرافاً عن الخطة الأصلية أدى إلى وأدها وهي ما زالت في مراحل التنفيذ الجنينية فعملية قتل الشاويش اليهودي روزنفيلد بالقرب من سيرين ( والتي سنأتي على تفصيلها لاحقاً) في الأيام الأولى للمسيرة أدت إلى الكشف المبكر عنها وتعقب القوات البريطانية لها الشيء الذي قاد القسّام إلى محاولة تغيير الخطة واللجوء إلى المناطق الحرجية الوعرة في منطقة يعبد للتستر فيها ريثما تهدأ الأحوال ومن ثم مواصلة السير أو تجميد الخطة لفترة زمنية ما. ولكن ذلك لم يحصل لأن المجموعة لم تستطع الزوغان فكان الاصطدام الذي سندلي بتفاصيله لاحقاً.

وإذا افترضنا أن ما حصل كان خروجاً عن المخطط فقد بقي أن نذكر بأن الخطة الأصلية، كما يبدو، كانت تتكون من ثلاث مراحل أساسية: الأولى كانت تقضي بخروج القسّام، مع دعاته ووعاظه، إلى القرى العربية الواقعة بين حيفا والناصرة وجنين والتجول فيها بغرض شحذ همم الناس وتهيئتهم لدعم الثورة العتيدة.

أما المرحلة الثانية فكانت تجنيد الشباب القادرين على حمل السلاح لصفوف الثورة وتدريبهم، في حين كانت المرحلة الثالثة تقتضي القيام بعمل يكون من شأنه تسبيب دويّ وضجة لاستقطاب من تبقى من الشبان الذين لم يستجيبوا للدعوة الأولى.

وكما يبدو فإن هذا العمل كان محاولة احتلال مدينة حيفا التي كانت إلى جانب كونها إحدى ثلاث كبريات المدن الفلسطينية آنذاك، أكبر ميناء في البلد ومجمعاً صناعيّاً كبيراً. ومن المرجح أن تأثير احتلالها، أو إثارة القلاقل فيها على الأقل، لن يقتصر على الشبان العرب ( جمهور الهدف الأساسي للقسّام وجماعته) وإنما سيتعداهم إلى سائر سكان فلسطين وسيغضب حتماً سلطات الانتداب البريطانية التي رأت في حيفا ومينائها مكانا ً استراتيجياً بالغ الأهمية وسيضرب عملية تهويد حيفا التي عملت المؤسسات الصهيونية آنذاك عل تنفيذها بخطىً سريعة وبإصرار واضح.

أما فيما يتعلق بعلاقة القسّام مع قيادات الحركة الوطنية وخاصة المفتي، فإننا نخرج بافتراض مفاده أنه لو أراد القسّام أن يستشير أحداً من زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية لكان ذلك المفتي، الحاج أمين الحسيني، وذلك لكونه الزعيم الأبرز من جهة، ولكونه رئيساً للمجلس الاسلامي الأعلى الذي كان القسّام موظفاً فيه ويتبع المفتي من الناحية الإدارية.

هنلك مصدران حاولا إلقاء الضوء على علاقات المفتي والقسّام ومنهما استقى معظم الباحثين معلوماتهم عن هذا الموضوع: الأول كتاب صبحي ياسين عن الثورة والذي جاء فيه (ص 17 ) أن القسّام قبل خروجه أوفد مبعوثاً إلى المفتي يستشيره بإضرام نار الثورة المسلحة، وقد كان رد المفتي على ذلك بأن الوقت لم يحن بعدلإعلان الثورة وقد دعا القسّام للتريّث.

أما المصدر الثاني فكان إميل الغوري، أحد المقربين من المفتي وعضو الحزب العربي ( الحسيني ) فقد جاء في كتابه ( فلسطين عبر ستين عاماً، ج1، ص 248 ) بأن المفتي هو الذي عمل على تنظيم وتسليح المجموعات المسلحة التي عملت في الشمال في الفترة الواقعة بين السنوات 1931 -1935.

كما ويضيف الغوري بأن علاقات خاصة ربطت القسّام بالمفتي منذ مجيئه إلى حيفا وعمله إماماً لمسجد الاستقلال.

ولكي نستطيع البت، بشكل أوضح، في طبيعة العلاقات التي ربطت الشيخ القسّام بالمفتي نرى ما قاله معاصرون للحدث، فقد جاء في مقابلة أجرتها المؤرخة بيان نويهض - الحوت مع محمد عزت دروزة ( مدير الأوقاف الإسلامية، عضو حزب الاستقلال، عضو اللجنة العربية العليا وأحد البارزين في ديوان الثورة الذي كان مقره في دمشق ) ما نصه : " أنا لا أعرف يقيناً عن العلاقة بينهما، إنما القسّام كان واعظاً في حيفا والوعاظ كانوا مرتبطين بالمجلس الاسلامي الأعلى الذي يرئسه الحاج أمين فيجوز أن تكون له صلة من هذه الناحية، وقد أرسل القسّام لي ذات في موضوع الخلية الجهادية التي يرعاها وقال إنه يريد أن يواجه الحاج أمين أيضاً ولا أدري هل واجهه أم لا ".

ويبدو أن قول دروزة هذا جاء ليدعم ما قاله في أحد كتبه ( حول الحركة العربية الحديثة، ج3، ص 116 ) بأن القسّام انتمى إلى حزب الاستقلال الذي كان عزت دروزة أحد زعمائه البارزين. وقد يكون دروزة في قوله هذا معتمداً على العلاقة المميزة التي ربطت القسّام بالزعيم الاستقلالي الحيفاوي رشيد الحاج إبراهيم الذي كان آخر من رآه القسّام في حيفا واستمع إلى وصيته التي جاء فيها : " إني واثق من نفسي وأن صوتي سيجد صداه في كل مكان عند أول صيحة ونستودعك الله راجين من المولى تعالى أن يوفقنا بأعمالنا في سبيل الوطن".

أما اتباع القسّام الذين كتبوا فيما بعد، فقد نفوا أية علاقة لزعيمهم بأي حزب من الأحزاب وأكدوا أنه عمل بمعزل عن الخلافات الحزبية وحسب ما أملته علية نفسه الثائرة التواقة للتغيير.

فمن الطبيعي أن نرى هذا النفي من قبل أتباع القسّام وذلك من منطلق عدم رغبتهم في أن تشاركهم في أمجاد القسّام جهة أخرى. علماً بأن معظم هذه الأقوال التي ظهرت والتي تنفي أية علاقة للقسّام بالقيادات الأخرى جاءت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وهذه الفترة تعتبر، بلا شك، فترة قمة المد الثوري الفلسطيني الذي كان أهم سماته التنديد بالقيادات التقليدية ومحاولة تصويرها بأنها سبب ما آلت إلأيه الحركة الفلسطينية من نكبات.


وللحديث بقية .....

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة