ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 8)/ د. مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939  والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 8)/ د. مصطفى كبها

كانت هذه الفترة الواقعة في مرحلة الاضراب والعصيان المدني والممتدة من نيسان -آب 1936، فترة جمعت بين نمطين من أنماط النضال الوطني : التهيئة والتحضير للثورة المسلحة من جهة، وممارسة شكل من أشكال النضال الشعبي والعصيان المدني من جهة اخرى.


من الوقائع المتفق عليها أن بدايات التحضير كانت في منطقة المثلث الكبير ( جنين - نابلس - طولكرم ) حيث ألهبت حادثة نور شمس مشاعر الشباب المتحمس الذين كان بعضهم يقدم المساعدات اللوجستية لفصيل إخوان القسّام بقيادة فرحان السعدي الذي كان مرابطاً في المنطقة الجبلية المتاخمة لقرية بلعا شرقي طولكرم.

ولكن الموثقين لهذه المرحلة والرواة الشفويين القلائل، المتبقين على قيد الحياة، يختلفون على هويّة قائد الفصيل الأول من أبناء المنطقة الذي عمل على تهيئة الشباب فيها لمرحلة الثورة المسلحة. فبعضهم يقول بأنه كان فخري عبد الهادي من قرية عرابة -جنين، ومنهم من يقول أنه كان عبد الرحيم الحاج محمد من قرية ذنابة -طولكرم، وآخرون يقولون إنه عارف عبد الرازق من قرية الطيبة - طولكرم.

وبما أنه من الصعوبة بمكان البت القاطع في هذا الموضوع سيّما وأنه كانت للقادة الثلاثة، في هذه المرحلة المبكرة من الثورة، مساهمات مهمة في مجال التنظيم وتأليب الشباب على الثورة ومقاومة الانتداب، الا انني أميل إلى ترجيح كفة عبد الرحيم الحاج محمد مع التأكيد على عدم الإنتقاص من دور عارف عبد الرازق ( أحد أهم قادة المناطق في مرحلة الثورة المسلحة ) وفخري عبد الهادي ( حتى انحرافه عن الخط العام للثورة ومساهمته في تأسيس فصائل السلام المضادة لها ).

ويعتمد هذا الترجيح على سعة منطقة نفوذ كل منهما ومدى جدية القاعدة الشعبية التي انطلق منها ومدى اتساع شبكة المؤيدين والانصار والمساعدين اللوجستيين، هذا فضلاً عن الخبرة في أعمال التنظيم العسكري وحرب العصابات والتي كان لعبد الرحيم الحاج محمد تفوق واضح فيها.

ولد عبد الرحيم الحاج محمد (أبو كمال ) عام 1898 في قرية ذنابة التي كانت، آنذاك، قرية صغيرة تقع شرقي طولكرم وهي الآن ضاحية من ضواحي المدينة. ينتمي عبد الرحيم إلى عائلة سيف، من فرع داود الذي يتالف من فرعين : فرع الحاج محمد وفرع الحاج سمارة. ويعود أصل عائلة سيف إلى بلدة "برقة " من قضاء نابلس وتقع إلى الشمال من دير شرف على الطريق الرئيسي جنين -نابلس.

وقد جاءت العائلة، في القرن السادس عشر، من طرابلس -الشام حيث كانوا حكاماً للمدينة. وبعد أن جاؤوا لبرقة تورطوا في حادثة قتل مع "الحفاة" وهكذا اضطروا للهجرة إلى ذنابة وشوفة وكفراللبد ( في منطقة طولكرم ) وعرعرة ( في وادي عارة ) والبروة ( في منطقة عكا -حيث سكن منهم آل درويش الذين ينتمي لهم الشاعر الفلسطيني المعروف محمود درويش ).

وحسب روايات أفراد العائلة ( كمال عبد الرحيم الحاج محمد في 1999. 3.11 والمرحوم عدنان ياسين في 1999. 3. 28 ) فإن جد عبد الرحيم هو ياسين سيف الذي شارك في مقاومة حملة نابليون بونابرت، الإمبراطور الفرنسي، الذي بدأ بغزو مصر وفلسطين في عام 1798. أما جدّه عبد الوهاب فقد كان قد شارك في مقاومة حملة إبراهيم باشا، نجل محمد علي باشا، على فلسطين عام 1831. وبحسب هذه الروايات فإن القائد عبد الرحيم الحاج محمد هو سليل عائلة تمرست في مقاومة الغزو الأجنبي لفلسطين وقد توّج عبد الرحيم ذلك بقيادته لثورة 1936 -1939.

تعلم عبد الرحيم الحاج محمد في كتّاب القرية ثم أنهى صفوف المدرسة الحكومية في طولكرم حيث سمحت الحالة المادية الجيدة لوالده (الذي كان تاجراً للمحاصيل الزراعية ) في وصوله إلى مراحل التعليم الثانوي اتي قلّما وصل إليها أبناء الفلاحين في ذلك العصر.

في عام 1916 جنّده العثمانيون في حملة السفر برلك ( النفير العام ) وخدم في بيروت وطرابلس ومرّ بنجاح دورة ضباط في الكلية الحربية العثمانية في بيروت. وبذلك يكون أبو كمال من العناصر القليلة من قادة الفصائل في ثورة 1936 -1939 الذين تلقوا تدريباً عسكريّاً عالياً.

من المرجح أن عودته لبلده كانت في نهاية عام 1918 بعد أن كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها. وقد سمحت له الأملاك التي ورثها عن والده بتطوير تجارة والده في الحبوب والمحاصيل الزراعية وافتتاح محل تجاري في مدينة طولكرم. وقد ساعده وجوده في طولكرم على الانكشاف على بوادر النهضة الثقافية في فلسطين سيما وأن تجارته اقتضت أن يزور مدينة يافا، مركز النهضة الثقافية الفلسطينية آنذاك، مرة في الاسبوع، على الأقل، وقد جعلته هذه الزيارات المتكررة، إلى يافا، يبدي ميولاً للعمل في الحقل السياسي والوطني.

حدثني كمال،الابن الأكبر لعبد الرحيم الحاج محمد، في سلسلة من المقابلات التي أجريتها معه في العام 1999 عن بداية أبيه في العمل الثوري فقال : " عندما خرج أبي للعمل السري كنت ابن 11 عاماً، وقد توفيت أمي قبل ذلك بسنتين، ولم يتزوج بعدها. كنت أنا وأخي جواد ندرس في كلية الروضة، وأما أخواي عبد الكريم وجودت، فكانا يدرسان في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس. لم يكن بوسعنا أن نرى والدي إلا في العطل، فعندما يكون مثلاً في سفاّرين نذهب إليه هناك، يأخذنا مساعدوه من الثوار إليه ونقضي معه يوماً أو يومين، وفي الأغلب يكون هو مشغولاًمع رجاله.

بدأ الوالد التصادم الأول مع الإنجليز عندما أطلق الرصاصة الأولى من جبل السيّد المشرف على طريق نابلس -طولكرم حيث كانت تمر القوافل اليهودية بحراسة القوات البريطانية إلى حيفا، عن هذا الطريق إلى دير شرف، جنين ومن ثم حيفا. بعد هذه الحادثة لاحقته سلطات الاحتلال البريطاني، فاضطر إلى ترك بيته وأبنائه الأربعة والذي كان أكبرهم ابن أحد عشر عاماً، وانتقل للعمل الثوري السري، ثم ظهر في معركة نور شمس الثانية في 1936. 6.22 التي استشهد فيها عبد اللطيف أبو جاموس ابن عمه ".

كانت معركة نور شمس الثانية هي البداية الفعلية لعبد الرحيم الحاج محمد كقائد فصيل ثوري وعن هذه المعركة سنفصّل في الحلقة التالية......

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة