ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية ( الحلقة 7 )/ د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية ( الحلقة 7 )/
د.مصطفى كبها

عندما نتحدث عن الثورة الفلسطينية بين الأعوام 1936 -1939، او في التعبير الشعبي العام " الثورة "، فاننا نتحدث عن مجموعة الأحداث التي جرت وقائعها بين15/04/1936 (حادثة نور الشمس ) ، وبين 17/12/1939(معركة أم الفحم الثانية ) حيث وقع آخر صدام عسكري منظم بين فصيل ثوري فلسطيني (فصيل أم الفحم واللجون بقيادة يوسف الحمدان) وبين قوات عسكريّة بريطانية.

هذه الفترة التي تربو على الثلاث سنوات، لا تتأتى لنا دراستها وتقييمها بشكل موضوعي إلا إذا قسمناها إلى مراحلها المختلفة التي تختلف بطبيعتها، بسياقها التاريخي وبالشخصيات الفاعلة فيها. وذلك كي لا نقع في الخطأ الذي وقع فيه العديد من المؤرخين والكتاب، وطبقات شعبية واسعة، حين حكموا على الثورة من خلال فترتها الأخيرة ( فترة الاقتتال والاحتراب الداخلي ) حيث خرج الحكم جائراً يمحو بعض المنجزات التي حققتها الثورة في مراحلها الأولى.

وعلى ما تقدم، يمكن تقسيم الثورة إلى المراحل التالية:

1. مرحلة الإضراب العام والعصيان المدني: نيسان –تشرين الأول 1936.

2. مرحلة الانتظار والترقب لنتائج تحقيقات لجنة بيل الملكية: تشرين أول 1936 –آب 1937.

3. مرحلة " المد " في الثورة المسلحة: آب 1937 – تشرين الثاني 1938.

4. مرحلة " الجزر " في الثورة، ظهور فصائل السلام والإحتراب الداخلي: تشرين الثاني 1938 – كانون الأول 1939.
كانت نقطة البداية لهذه المرحلة، كما أسلفنا أعلاه، حادثة نور شمس بالقرب من طولكرم.

والسؤال الذي لابد من طرحه هو هل كانت هذه البداية مبرمجة؟ وهل كان التخطيط بالفعل، من قبل قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، لاضراب عام وعصيان مدني؟ أم أن الأمور تطورت وتفاعلت بشكل عفوي حيث كانت نتيجة طبيعية لتفاعلات داخلية وخارجية قادت في النهاية إلى الانفجار ؟

إن الأمر المرجح هو أن حصة القيادات التقليدية المتمثلة بالمؤسسات التمثيلية وعلى رأسها مفتي فلسطين وزعيمها السياسي الحاج أمين الحسيني، في تخطيط وتنظيم ما حصل كانت ضئيلة جداً وشبه معدومة ( باستثناء صلات عامة وفضفاضة كانت تربط رجال الحاج أمين مع بعض الاستقلاليين الذين عملوا على تنظيم وتشكيل اللجان الشعبية، التي واكبت عملية تنظيم الاضراب والمحافظة عل استمراريته (مثل أكرم زعيتر في نابلس وابراهيم الشنطي في يافا ).

ولعل أكبر دليل على ذلك هو أن اعتقال السلطات البريطانية لمعظم الفعاليات المعروفة في الأحزاب، والمؤسسات الفلسطينية، لم يكن له التأثير الفعال عاى سير الاضراب. وذلك ما يثبت أن القائمين على الإضراب والمنظمين له لم يكونوا، على الأغلب من بين المعتقلين في معتقلي صرفند وعوجا الحفير. هذا إذا أضفنا إلى ذلك أن الانضمام الفعلي للقيادات العليا ( حسينية ونشاشيبية على حد سواء ) كان بعد عشرة أيام من تأزم الأوضاع وانفجارها.

ومن الجدير ذكره أن انضمام هذه القيادات واتحادها تحت سقف واحد، في إطار اللجنة العربية العليا، كان نتيجة ضغط كبير مارسته الهيئات الشعبية، واللجان القومية من خلال الصحف والجرائد، التي انتقدت بشدة موقف القيادات التقليدية في القدس ودعت إلى مشاركة أكثر فعالية في الأحداث، حتى لو كان الثمن التصادم العلني مع بريطانيا. أما بالنسبة للقيادات الشابة المثقفة ،المنتمية أساساً للطبقة الوسطى، والتي كان لها المساهمة الكبرى في تنظيم الإضراب واستمراريته فإنها سعت جاهدة لضم القيادات التقليدية لفعالياته وذلك لأنها، كما يبدو، لم تنجح في توفير البديل التام لهذه القيادات.

وقد ثبت، فيما بعد، أن هذه القيادات الشابة كانت تبحث عن مكان في القمة السياسية ولم تظهر رغبة في احتلال القمة بالكامل أو طرد القيادات التقليدية منها. وقد كان لهذا العامل، الأثر السيئ في اجهاض الاضراب وانهائه في 1936 .10. 13، وذلك عندما رضخ المضربون لإرادة اللجنة العربية العليا التي كانت قد رضخت بدورها لإملاءات الزعماء العرب الذين نادوا بانهاء الاضراب إعتماداً على "النوايا الحسنة" لبريطانيا، التي سرعان ما تنكرت لهذه النوايا وأنكرت أن تكون قد وعدت الزعماء العرب بشيئ ما كثمن لهذا الاضراب.

يبقى لنا أن نقول إن اندلاع الأحداث كان نتيجة طبيعية لتراكم مجموعة من المسببات أثرت على الرأي العام الفلسيطيني وحضرته للاشتعال.

كان أهم هذه العوامل عاملاً إقليمياً أثّر على البلاد العربية كافة، وهو خيبة أمل هذه الشعوب من طريقة حكم "الانتدابات " التي ابتدعتها عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وثبت أنها لم تكن سوى وجه آخر من وجوه الاستعمار الأوروبي، فبعد نهاية عقد "العشرينيات السعيدة "، الذي انتهى بالأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 ومظاهر المجاعة والفقر التي واكبتها، تراجعت مكانة دول الانتداب ( بريطانيا وفرنسا أساساً ) وعصبة الأمم، وارتفعت مكانة الدول الراديكالية القومية وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا.

أما عقد الثلاثينيات الذي يمكن أن نقسمه في بلاد الشرق الأوسط إلى فترتين واضحتين: فترة التأزم (1930 -1935 ) وفترة الانفجار ( 1935 -1939 ) ، فقد بدأت الشعوب العربية في بدايته بالتململ مطالبة بتنفيذ بنود النتداب القاضية بقيادتها، بشكل تدريجي، نحو الاستقلال. وعندما لم تستجب دول الانتداب لذلك بدأت الهيئات الشعبية تضغط على قيادة الحركات الوطنية لتبني سياسة العصيان المدني واللاتعاون، وكذلك تنظيم المظاهرات الشعبية تعبيراً عن الاستياء من سياسات الدول المنتدبة.

وعندما لم تبادر القيادات التقليدية، التي كانت بمعظمها من الطبقات البرجوازية العليا، وطبقة الأفندية والباشوات، بدأت القيادات المثقفة الجديدة والمنتمين أساساً للطبقة الوسطى ( مثقفون، معلمون، رجال دين، صحافيون وغيرهم ) بتنظيم الكم الهائل من أبناء الأرياف، الذين تدفقوا إلى المدن بحثاً عن عمل ( جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانوا من أوائل من دفع ثمنها ) في أطر سرية، تبنت العنف وسيلة للضغط على الدولة المنتدبة، وقيادات الحركة الوطنية المتفاوضين معها لنيل الأماني الوطنية .

وفي النصف الثاني من العقد، شاركت هذه الأطر السرية في السيل العارم من المناوشات الشعبية التي دارت في شوارع المدن الكبرى، وشاركت فيها الشرائح الشعبية المختلفة مجبرين بذلك القيادات التقليدية على الاصطدام مع دولة الانتداب.

بالنسبة للسياق الفلسطيني، فقد كان الأمر مركباً ومعقداً أكثر من أي شعب آخر، فقد ترتب عليهم الكفاح على جبهتين ضد دولة الانتداب، وضد الحركة الصهيونية العالمية التي سعت، هي الأخرى، لانشاء وطن قومي على نفس التراب.

ولهذا فإننا نجد تجاوب بريطانيا مع الحركات الوطنية في مصر والعراق، واعطاء هذين البلدين بعض مظاهر الاستقلال والسيادة، لم يكن موجوداً على الصعيد الفلسطيني، وذلك لارتباط بريطانيا بجملة من التعهدات للحركة الصهيونية اهمها تصريح بلفور، وما جاء في صك الانتداب حول التعهد بانشاء وطن قومي عل أجزاء من فلسطين.




وعن ذلك سنفصّل في المرة القادمة .....