حول تهويد المكان / نبيه بشير

حول تهويد المكان / نبيه بشير

الكتاب: حول تهويد المكان (دراسة أولية لحالة)


المؤلف: نبيه بشير


اصدار: مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية (حيفا)، 2004


عدد الصفحات: 178


السعر: لم يذكر






اعتبر أرسطو المكان مقولة منطقية ذهنية ومعنى كليا لا تستقيم المعرفة بدونه. أما فلاسفة الاسلام فيذهبون في تناول مفهوم المكان (المجال) نحو الأنطولوجيا، حيث يعتبر الرازي المكان قديما إلى جانب الزمان والنفس والهيولى والبارئ. والمكان عند ابن سينا ليس بجسم ولا مطابق لجسم، بل محيط به، بمعنى أنه منطبق على نهايته انطباقا أوليا. وعند ابن رشد هو النهاية المحيطة لكونها استكمالا للأجسام المتحركة وغاية تحريكها. في حين نجد ان الفيلسوف كانط يصور المكان كاطار ضروري للمعرفة وفق "حاسة الخارجية كخاصية ذهنية للإنسان بها نتصور الأشياء موضوعة خارجنا في المكان". أما علم النفس فيتحدث عن أكثر من مجال واحد، وهو يحيل المكان/المجال الى علاقته بالجسد والحس والمواقف، يربطه بالذاكرة والماضي، وبالمستقبل وفق مجال التخيّل.


 




أما الباحث نبيه بشير فيحاول فصل مفهوم المكان وتبيان أوجه الاختلاف بينه وبين المجال (أو الحيز)، حيث يقول: "المكان حتما يسكنه أناس، وتتكون فيه علاقات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، كما ان المكان يكتسب الصورة البشرية، وتتحول الاخيرة الى جزء عضوي منه، فانه أيضا يؤثر تأثيرا بالغا على تلك الحياة البشرية التي تنمو وتتطور من خلاله. وعليه فان المكان هو تركيبة اجتماعية لا يمكن تجريدها من البشر".


 




تأخذ هذه الاشكاليات، الدلالات والايحاءات المختلفة لمفهوم المكان، محورا مركزيا في كتاب نبيه بشير "حول تهويد المكان" الذي صدر حديثا عن مركز مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبقية. ويكرس بشير دراسته هذه (وهي دراسة أولية لحالة) لمفهوم المكان ومركزيته في الايديولوجية الصهيونية الاستيطانية، ومحاولتها تجيير المكان والسيطرة عليه، ليس فقط بمفهوم التملك والحيازة، بل أيضا فرض السيطرة الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية عليه، اي بفمهوم فرض "اليهودية" و "الصهيونية" على المكان.


 




تتناول هذه الدراسة المجلس الإقليمي مسغاف في الجليل ومسألة "تهويد الجليل" وتهويد المكان كنموذج يستعرض من خلالها مفهوم المكان في البنية الأيديولوجية للصهيونية ولسبر غور المفاهيم التي يقوم عليها النشاط والفكر الصهيونيان في إسرائيل. ويشير بشير خلال دراسته الى ذلك المفهوم المسيطر على الفكر الصهيوني الذي يقوم على أساس ان "المكان الذي لا يسيطر عليه فرد يهودي أو أية هيئة أو مؤسسة يهودية، ولا يعيش عليه اليهود كأغلبية، وبالتالي كأصحاب السيادة عليه، لا يعتبر مكانا يهوديا".


 




وهذا ما يؤكده بشكل أكثر وضوحا د. عزمي بشارة في مقاله "مهرجان الاحتلال الصيفي" الذي أثار ضجة كبيرة في إسرائيل وردت عليه إسرائيل بالتحريض العنصري والدموي دون فهم المقال أو حتى قراءته. ويقتبس بشارة عبارات المغنية والملحنة الإسرائيلية نوعمي شومر، التي كانت تحاور نفسها على شاشة العرض الكبيرة خلال الاحتفال المركزي الذي أقيم في ذكرى هذه المغنية، حيث قالت: "بعد اغنية اورشليم من ذهب انتقدني كثيرون لأنني انكر وجود العرب، وأنني انفي وجود اولئك الذين يعيشون على الجانب الاخر من المتراس في عبارات في القصيدة مثل «اسواق القدس القديمة مهجورة» او «لم تعد نرى نسوة في طريقهن الى البحر الميت"، ثم تجيب قائلة: "بالنسبة لي كل مكان لا يهود فيه هو مكان مهجور ومتروك. كل مكان لا وجود لليهود فيه هو مكان فارغ". ويقول بشارة في هذا السياق: " عبارات نوعمي شيمر التي احتفي بها تؤكد أن الجدار كان قد بني. الجدار كان قائماً في الحقيقة في القلوب والعقول وفي الثقافة قبل ان يبنى على الأرض".


 



يقول الباحث نبيه بشير في كتابه، انه بدأ الاهتمام بموضوع المجلس الإقليمي "مسغاف" بعد ان تنبه الى الاشارات في الطرقات التي ترشد المسافرين الى اتجاه "مسغاف"، وبعد ان لاحظ مدى اتساع رقعة الأرض التي تقع في حدود سلطة "مسغاف". وبشير من سكان مدينة سخنين ويعيش حاليا في حيفا، ولا بد له لدى كل خروج أو دخول الى مدينة سخنين من ملاحظة تلك الاشارات التي تؤشر المجال/ المكان أو منطقة النفوذ والسيادة التي تسيطر عليها "مسغاف"، فبناية المجلس الإقليمي مسغاف تقع على مسافة لا تتجاوز الكيلومتر الواحد عن سخنين. وحين حاول البحث عى "مكان" اسمه مسغاف اكتشف ان مسغاف "مجرد بناية تضم بداخلها جهازا بيروقراطيا، يسيطر على نحو 200 الف دونم من الأراضي في الجليل". ثم يقول بشير عن مسغاف المجلس والفكرة: "انها، بعبارة أخرى، مبنى ينطوي على فكرة، يسعى متبنوها الى تحقيقها، وتتلخص بعبارة تهويد الجليل. ولبلوغ ذلك فانها تستعين بجهاز بيروقراطي".


 




وحول مجمل الدراسة يكتب بشير في مقدمة الكتاب "تأتي هذه الدراسة الأولية لتسلط الضوء أيضا على رسم بعض ملامح الخطاب والنشاط الاستيطانيين الصهيونيين في العصر الحديث، الى جانب الكشف عن العديد من ترسبات العهد القديم والاساطير الدينية والتاريخية اليهودية. ذلك ان توظيف مفاهيم ومنطلقات وتصورات ذات طابع أسطوري في مشروع أيديلوجي حديث، لا بد أن يترك أثره البالغ على سلوك وتصرف وتوجه القائمين على هذا المشروع. خاصة أننا نشهد تعزز أنماط من التدين في المجتمع الإسرائيلي في العقدين الاخيرين".


 




وحول أهمية توظيف الديني في الخطاب الايديولوجي يقول بشير ان هذه الأهمية تكمن "في تكوين هوية محلية للمستوطنين تتضمن البعد المكاني، مما يدفع نحو تحويل المكان – على صعيد الوعي وعلى الصعيد الموضوعي – الى مكان يهودي".


 




وفي هذا السياق، يشير بشير الى ان المجتمع الإسرائيلي يمر في العقدين الاخيرين في "عملية تحول على الصعيد الثقافي، تسودها بلورة أنماط مختلفة من التدين، ابتداء من العودة الى أنماط تقليدية أو أرثوذكسية، حتى تبني عقائد روحانية دينية جديدة يعود مصدرها الى حضارات شرق أسيوية ودمجها بتراث يهودي معاصر".


 




حول هذه الأنماط من التدين ومكانتها في الأيديولوجية الصهيونية، يكتب الباحث والمؤرخ أمنون راز كراكوتسكين، الذي تتناول دراساته موضوع الخطاب اليهودي المسيحاني والوعي التاريخي للصهيونية، في دراسة له بعنوان "العودة الجدلية الى المنفى" ان تركيز الصهيونية على مصطلح "نفي المنفى" وعلاقة ذلك بالوعي الصهيوني "مجرد استعمال مصطلح النفي من أجل تعريف الوعي الجديد، يجسد الصعوبة الخاصة الكامنة في مجرد المحاولة لتعريف الوجود اليهودي تعريفا قوميا مجاليا، وكذلك مدى الانكار المطلوب من أجل ذلك". كما يقول ان هذا المصطلح يعكس "البعد المسيحاني-الثيولوجي للوعي القومي الذي يجسد على أنه علماني. فما يتم تعريفه على أنه عمليه علمنة، ليس الا وصفا للتصور المسيحاني بمصطلحات قومية". ويقول أيضا ان غياب التاريخ المشترك للطوائف اليهودية، حيث ان تاريخ الطوائف اليهودية المختلفة في كل مكان ومكان هو جزء من تاريخ ذلك المكان. وبسبب عدم وجود تاريخ يهودي مشترك، قامت الصهيونية في محاولة ابتكار اساطير مشتركة وتاريخ مشترك لليهود بهدف تعريفهم كقومية، وعلى هذا الأساس تقوم محاولات تهويد المكان.


 




وتنبع أهمية المجلس الإقليمي مسغاف، الذي يكرس له الباحث هذه الدراسة، كموضوع بحث من كونه يجسد أهداف الاستيطان الصهيوني وفكرة المكان الصهيوني كفكرة "مثالية" وكفكرة مطبقة على أرض الواقع. فحدود سيادة مسغاف تمتد من الطرف الشرقي لمدينة عكا غربا، حتى قريتي المغار والرامة شرقا، ومن القرى القريبة من الحدود اللبنانية شمالا، حتى سهل البطوف جنوبا. ويقدم هذا الجهاز خدمات لسكان 28 مستوطنة بالاضافة الى خمسة قرى بدوية "اعترفت" بها دولة إسرائيل قبل بضع سنين فقط. أما المساحة التي يسيطر عليها هذا الجهاز فتبلغ 200 الف دونم، اي بمعدل 7.16 من الدونمات للفرد، وهي أراض عربية مصادرة، بينما تبلغ مساحة منطقة نفوذ 22 بلدة عربية في الجليل بتعداد سكاني يبلغ 225 الفا، نحو 215 الف دونم، اي بمعدل أقل من دونم واحد للفرد.


 




من خلال ادراك الباحث لاشكالية المكان ودلالاته المختلفه، ومن خلال درايته بانماط التدين لدى اليهود وخاصة الحريديم، يقدم لنا نبيه بشير هذه الدراسة الهامة، وهي الأولى من نوعها في هذا المجال على ما اعتقد. وحين يبحث بشير في أعماق الفكر الصهيوني الاستيطاني وممارسته على الأرض والسكان، فهو يقوم بذلك بلغة شبيهة بلغة الأدب، معتمدا على أدوات بحثية متنوعة، من مجال العلوم الاجتماعية والعلوم الانسانية وعلى مشاهدات ومقابلات شخصية. كما يعتمد كثيرا على تحليل النصوص وتفكيكها مما يتيح له الكشف عن مضامين مختلفة اخرى.


 




ان مفهوم المكان في الايديولوجيا الصهيونية هو مفهوم متغير بشكل دائم، كما يكتب الباحث في ملخص دراسته، وهو يتحول ويتبدل وفق التيار الصهيوني المهيمن، ووفق الأهداف الاستراتيجية والأمنية والايديولوجية، لكنه – على الرغم من هذا التنوع – يصبو ان يكون "يهوديا" عند وجود وحضور "غير اليهودي" عليه، بمعنى ان يقيم عليه أفراد أو مجموعات يهودية للحد من الحضور "غير اليهودي" عليه أو تقويضه. لذلك، وكما يكتب بشير في الخلاصة "ليس بالأمر المفاجئ ان نكتشف ان المكان العربي في البلاد يحمل تاريخ التواجد اليهودي فقط".