مأساة أكتوبر 2000 والبحث عن مسارات عمل جديدة../ سونيا بولص*

مأساة أكتوبر 2000 والبحث عن مسارات عمل جديدة../ سونيا بولص*

في أكتوبرعام 2000، قتلت قوّات الشرطة الإسرائيليّة 13 متظاهرًا عربيًّا غير مسلّحين وجرحت المئات. وكانت لجنة التحقيق الرسميّة (لجنة أور) قد أقرّت على نحوٍ قاطع أنّ استعمال السلاح الفتّاك لتفريق المتظاهرين لم يكن قانونيًّا، وأوصت بفتح تحقيق جنائيّ. مرّت عشر سنوات وما زالت حكومات إسرائيل المتعاقبة تتجاهل مصيبة الضحايا وعائلاتهم، ولم يقدَّم حتى الآن أيّ شخص للمحاكمة جرّاء قتل الأبرياء.
 
كسر دائرة الإعفاء من العقاب والمطالَبة بمعاقبة المجرمين والمسؤولين عنهم ينبغي أن يبقيا على رأس سلّم أولويّاتنا. أحد مفاتيح النجاح في هذه المَهمّة يتعلّق بتدعيم الضحايا ومجتمعاتهم وتخليد ذكرى أحداث أكتوبر عام 2000. ويمكن تحقيق ذلك، في ما يُمْكن، بواسطة المطالَبة بالانتصاف المدنيّ المتوافر لضحايا الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، والذي أصبح متوافرًا بفضل التطوّرات الحاصلة في الفترة الأخيرة على القانون الدوليّ الذي وسّع حقوق التعويض للضحايا.
 
عندما ترفض الدولة محاكمة مرتكِبي جرائم خطيرة، فكلّ حديث عن التعويضات قد يفسَّر من قِبَل الضحايا كإهانة أو محاولة لشراء سكوتهم. وهذا بالضبط ما حاولت إسرائيل فعله عندما حاولت التوصّل إلى تسوية ودّيّة في الدعوة المدنيّة التي رفعتها بعض عائلات الضحايا، حيث عرضت عليهم تعويضًا مادّيًّا دون الاعتراف بأيّة مسؤوليّة عن مقتل أعزّائهم. لكن ثمّة أشكال أخرى للتعويض المادّيّ تتجاوز التعويض الماليّ التقليديّ. ففي عام 2005، تبنّت الهيئة العامّة للأمم المتّحدة قرارًا حول "المبادئ الأساسيّة والمبادئ التوجيهيّة بشأن الحقّ في الانتصاف والتعويض لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون المدنيّ لحقوق الإنسان الدوليّ والانتهاكاتالخطيرة للقانون الإنسانيّ الدوليّ". بناء على هذه المبادئ، وعلى وجه الخصوص البند 18، في الإمكان تطبيق حقّ التعويض بالوسائل التالية: الردّ، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.
 
وينبغي أن تتضمّن التعويضات، ولا سيّما في ما يتعلّق بأحداث أكتوبر عام 2000، الأسسَ التاليةَ: (أ) التحقُّقمنالوقائعوالكشفالكاملوالعلنيّعنالحقيقةحول الانتهاكات الجسيمة؛ (ب) إصدارإعلانرسميّأوقرارقضائيّيعيدالكرامةوالسمعةوحقوقالضحيّة وأقربائها ومَنتربطهمبها صلةوثيقة؛ (ت) تقديماعتذارعلنيّ،بمافيذلكالاعترافبالوقائعوقبول تحمّلالمسؤوليّة؛ (ث) إحياء ذكرى الضحايا وتكريمهم؛ (ج) تضمينموادّالتدريبوالتعليمفيمجالالقانونالدوليّلحقوقالإنسان والقانونالإنسانيّالدوليّ،علىجميعالمستويات،وصفًادقيقًالِماوقعمنانتهاكات.
 
لقد استغلّت مؤسّسات حقوق الإنسان الإقليميّة مبدأ التعويض من أجل تدعيم الضحايا ومجتمعاتهم. كذلك تقترح نظريّة القضاء الإبداعيّة للمحكمة البين-أمريكية لحقوق الإنسان (IACHR) أفكارًا مثيرة في هذا الصدد، كما يقترح دوغلاس كاسل في كتابه "الخروج من الدمار: التعويضات عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" (Out of the Ashes: Reparations for Gross Violations of Human Rights). على سبيل المثال، في العديد من الحالات، حين اكتشفت الـ IACHR أنّ دولةً ما قامت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أمرت بنشر قرار الإدانة في الصحف المحلّـيّة وفي اللغة المحلّـيّة. وأكّدت المحكمة أنّ نشر قراراتها يساعد على إعادة كرامة وسمعة الضحايا اللتين شوّههما نشرُ معلومات كاذبة عن الأحداث؛ كما يخدم النشر الكشف عن الحقيقة في كلّ ما يتعلّق بالضحايا ومجتمعاتهم. وينبغي رفع مطلب مماثل بخصوص استنتاجات لجنة أور، أي مطالبة الدولة بإدخال استنتاجات اللجنة في كتب التعليم في المدارس المختلفة.
 
وفي حالات أخرى، أمرت الـ IACHR الدولةَ على نحوٍ واضح بتقديم اعتذار علنيّ للضحايا وإقامة طقوس جماهيريّة، وذلك بعد أن جرى تعويض الضحايا بصورة رسميّة، واعترفت الدولة بمسؤوليّتها عن الظلم الواقع. علاوةً على ذلك، أمرت الـ IACHR الدولةَ بإطلاق اسم أحد الضحايا على شارع، أو مدرسة أو ساحة عامّة، وبناء نصب تذكاريّ له.
 
بل لقد ذهبت المحكمة (IACHR) إلى ما هو أبعد من ذلك، فأمرت الدولةَ بتوفير خدمات تربويّة وصحّيّة وغيرها للناجين من أقرباء الضحايا، أو توفير منح لهم. فعلى سبيل المثال، في حالة المجزرة التي ارتُكبت ضدّ هنود المايا، السكّان الأصلانيّين في غواتيمالا، أمرت المحكمةُ الدولةَ بما يلي: تزويد عائلات الضحايا بالخدمات الصحّيّة والأدوية المجّانيّة؛ تدريس حضارة المايا؛ تمويل مدرّسين ثنائيّي اللغة؛ توفير مساعدات في شؤون المسكن؛ تحسين البنية التحتيّة للطرق وشبكة المجاري وشبكة مياه الشرب. إلى هذا تضاف التعويضات الماليّة التي أقرّتها المحكمة.
 
يخدم الانتصاف القانونيّ الذي أقرّته المحكمة أعلاه هدفين: أوّلهما إعادة الكرامة للضحايا وعائلاتهم بواسطة مطالَبة الدولة بتقديم اعتذار علنيّ، وبالاعتراف بالضرر الحاصل وبمسؤوليّتها الأخلاقية عن وقوعه؛ ثانيهما توفير الأدوات للحفاظ على الذاكرة والهُويّة الجماعيّة للمجتمعات المتضرّرة. لقد جرى هنا استعراض الخطوات التي اتّخذتها محكمة (IACHR) كنموذج فقط. في إمكان ضحايا أكتوبر 2000 استغلال حقّ التعويض من أجل صياغة مطالب أخرى تلائم احتياجاتهم وتطلُّعاتهم.
 
إسرائيل ليست عضوًا في أيّة منظومة إقليميّة لحقوق الإنسان. هذه الحقيقة تحدّ من إمكانيّات الضحايا في تحصيل حقوقهم والحصول على تعويضات عن طريق القضاء. رغم ذلك، في الإمكان مطالبة الدولة بالاعتذار العلنيّ أو اتّخاذ أيّ خطوة عينيّة أخرى، بواسطة تحشيد الجماهير، وهو في حدّ ذاته ما يتضمّن الحفاظَ على الذاكرة الجمعيّة للفلسطينيّين في إسرائيل، دون علاقة بالنتائج. كذلك في الإمكان استغلال التشريع في سبيل دفع عمليّة التعويضات، إذ في الإمكان المبادرة إلى مشروع قانون خاصّ. عجلات العدالة تدور ببطء شديد، لكن يمكن استغلال مبدأ الانتصاف المدنيّ للتخفيف قليلاً من الانتظار.
 
عن مجلة "جدل" الصادرة عن مركز "مدى الكرمل".:

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018