ما وراء شكل تصويت العرب الدروز للكنيست ال-17/ المحامي سعيد نفاع

ما وراء شكل تصويت العرب الدروز للكنيست ال-17/ المحامي سعيد نفاع

ما من شك أن شكل التصويت في القرى العربية الدرزية للكنيست ال-17 مثير للاهتمام وقد أثار فعلا الاهتمام في كل وسائل الإعلام وتعليق المعلقين، فالعرب الدروز تعرضوا على مدى السنين لعملية سلخ سلطوية عن انتمائهم، مثلما تعرضت بقية أبناء الأقلية الفلسطينية، وان اختلفت السبل، نجحت هذه العملية جزئيا عند كل قطاعات أبناء الشعب الفلسطيني ولكن بشكل متفاوت، وإذا أخذنا شكل التصويت للكنيست معيارا فالتصويت للأحزاب الصهيونية ما زال مستشر في صفوف كل شرائح أبناء شعبنا وان اختلفت النسب بين شريحة وشريحة.

من الضرورة الإشارة إلى أن كل المعطيات التي تنشر والتي تعتمدها وسائل الإعلام لا تعكس الصورة الحقيقية لشكل تصويت العرب الدروز الحقيقي، فهي تأخذ النسب من القرى المصنفة "درزية" على حسب تصنيف مجالسها المحلية لدى وزارة الداخلية، وهي 10 من أصل 18 بلدة يعيش فيها العرب الدروز. مثلا أبو سنان مصنفة كقرية " درزية" رغم أن العرب الدروز فيها أقلية، فتحسب النتائج فيها على العرب الدروز وليس الأمر كذلك في حقيقة الأمر.

أما المعطيات الحقيقية فهي المستقاة من دراسة صناديق الاقتراع في كل بلدة وبلدة من أصل ال-18 بلدة، والمؤشر الأولي هي النتائج في القرى العربية الدرزية التي يقطنها فقط العرب الدروز.

بيت جن: نسبة التصويت 73% منها للتجمع الوطني الديمقراطي 21% .
البقيعة: نسبة التصويت 76% (!) منها للتجمع 21% ، منها 91% من العرب الدروز.
ساجور: نسبة التصويت 63% منها للتجمع 25% .
جولس: نسبة التصويت 65% منها للتجمع 12%.
بلغ ما حصل عليه التجمع الوطني الديمقراطي، ورغم قلة نسبة التصويت في البلدات الكبيرة إذ وصلت في الدالية إلى 47% وفي المغار 46% ، على حوالي ال-5000 صوتا.

هذه المعطيات جديرة بدراسة موضوعية لدى القوى الوطنية بعيدة عن " العوم على شبر ماء" ومن منطلق أسبابها ومنطلقاتها وضرورة وإمكانية الحفاظ عليها لتحويلها من مؤشر إلى بداية تحول إلى تحول.
نسبة التصويت في الوسط العربي الدرزي عادة هي من الأعلى في البلاد وأكثر من الوسط اليهودي، وذلك ناتج عن التصويت الشخصي، فالعرب الدروز الذين صوتوا للأحزاب الصهيونية لم يصوتوا مباشرة لها وإنما انطلت عليهم مؤامرة التصويت لمرشحين دروز في هذه الأحزاب، الأمر الأساس الذي رفع نسبة التصويت بينهم. وظل مدى تأثير القوى العروبية بينهم محدودا لأسباب موضوعية احدها أنها لم تلق الدعم الكافي المنهجي من الأحزاب العربية التي نشطوا فيها.

فما معنى أن يمتنع عن التصويت حوالي نصفهم رغم أن الأحزاب الصهيونية شملت كذلك هذه المرة مرشحين دروزا في قوائمها، هكذا فعل حزب كديما وهكذا حزب العمل؟

العرب الدروز ملوا من تلك الأحزاب وملوا من مسوقيها مرشحيها بينهم والامتناع فعلا احتجاج، وهذا ليس مجرد اجتهاد إنما ما سمعه وما زال يسمعه المتابع في كل فرصة متاحة. ملوها بسبب كذبها المنعكس في الوضع المزري الذي آلت إليه أوضاعهم في شتى المجالات الحياتية، حتى صاروا يصنفون في أسفل درجات السلم السوتسيو- اكونومي لشرائح المجتمع الإسرائيلي ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.

أما نسبة الارتفاع في تصويتهم للتجمع الوطني الديمقراطي يمكن أن تعزى لأسباب عدة غير مرتبة بالضرورة حسب أهميتها:

أولا: من بين الأحزاب العربية التي كثفت نشاطها بينهم على مدى السنوات الأخيرة كان التجمع، انطلاقا من رؤية استراتيجية أن هذا الجزء العضوي من الأقلية العربية في الداخل يجب أن يكون كذلك، والقطيعة معه تصب عمليا في سياسة العزلة التي تفرضها السلطة وتعمل على تنميتها. والتصدي لها هو في صلب الحفاظ على البيت الوطني والهوية القومية لفلسطينيي ال-48 ولن يكتمل البيت إلا بكل جدرانه.

ثانيا: نشاط "ميثاق المعروفيين الأحرار" والهيئات والحركات الداعم لها، المكثف في السنوات الأخيرة لترسيخ وتثبيت الجذور العروبية للعرب الدروز، عبر النضال ضد معوقات هذا التثبيت التجند ألقسري ومناهج التدريس التجهيلية، وإطلاقه مسيرة التواصل مع عمقهم الإنتمائي وطنيا وقوميا وأهليا بتحطيمه جدار العزلة الذي أحاطتهم به السلطات وأعوانها من بين ظهرانيهم على مدى سنوات طويلة.

ثالثا: وجود مرشح من الشخصيات العربية الوطنية من بين أبنائهم في موقع متقدم في التجمع.
رابعا: وربما هذا الأهم، وقفة مع النفس على ضوء خيبة الأمل الكبيرة من الأحزاب الصهيونية التي عولوا على مرشحيها الدروز على مدى السنوات في قضاياهم الحياتية والتي وجدوا فيها أنفسهم في المؤخرة في كل شيء، ضف إلى ذلك أن المرشحين الدروز في هذه الأحزاب والذين طرحوا أنفسهم ممثلين لهم كانوا في حقيقة الأمر ممثلين أوفياء لسياسات أحزابهم لا لمصالح منتخبيهم ،وغطاء لسياسة السلطة العنصرية ، برز الأمر أكثر في الدورات الأخيرة على ضوء تدني مستوى هؤلاء سياسيا وبرلمانيا بل وأخلاقيا كأبناء للمؤسسة ليس لأهلهم .
ما من شك أن شكل التصويت هذا ليس انقلابا وإنما بداية تحول هام يلقي على عاتق القوى الوطنية العربية مسؤولية تاريخية في أن تستوعب هذه البداية. إن استوعبتها بعيدا عن الحسابات الضيقة فقد لملمت بيتنا الوطني الذي نحن بأمس الحاجة للملمته، وان أدارت لها الظهر متعللة باستنتاجات منقوصة لواقع الحاصل فهذا أقصى ما تتمناه السلطة وأزلامها بين ظهرانينا . أما كيف يكون شكل هذا الاستيعاب فمن مهمة قيادات هذه القوى في أبحاثها التلخيصية الداخلية.


المحامي سعيد نفاع
رئيس ميثاق المعروفيين الأحرار

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"