مخطط ويسكونسين: وداد عودة تروي مسلسل عذابها، من مقاول نصاب الى العمل التطوعي الاجباري وحتى اهمال والدتها التي كادت تحترق مع البيت..

مخطط ويسكونسين: وداد عودة تروي مسلسل عذابها، من مقاول نصاب الى العمل التطوعي الاجباري وحتى اهمال والدتها التي كادت تحترق مع البيت..

وداد عودة واحدة من مئات الامهات والنساء اللواتي اجبرن على التوجه الى شركة " اغام مهليف" التي تطبق مخطط " ويسكونسين" في الناصرة. هذا هو حال فقراء الناصرة الذين يطلبون مخصصات ضمان الدخل.

قصتها المحزنة لا تختلف بتاتا عن عشرات بل مئات القصص لعائلات عربية في الناصرة، والتي تحطمت حياتها الاجتماعية بسبب هذا المخطط، وهي قصص جمعتها جمعية صوت العامل النقابية منذ بداية هذا المخطط في شهر أب/ 2005.

تبلغ وداد من العمر 43 عاما، وهي أم لولدين، أرملة تعتاش على مخصصات ضمان الدخل الزهيدة التي لا تتجاوز ال 2200 شيكل في الشهر.

وداد ليست طالبة عمل، انها تحصل على مخصصات ضمان الدخل لان هذا حق طبيعي لها. و تعمل بوظيفة كاملة في رعاية بيتها واولادها، وهي المعيلة الوحيدة التي ترعى أمها التي تسكن معها في نفس البيت وتبلغ من العمر 86 عاما.
تقول وداد:" طلب مني التوجه الى شركة " اغام مهليف" على الرغم من انني اقوم برعاية البيت وأمي المريضة التي بامس الحاجة الي، لانني الوحيدة التي اعتني بها وأراقبها طوال ساعات اليوم.

عندما توجهت الى مراكز الشركات أرسلوني للعمل في النظافة بوظيفة جزئية لدى مقاول من احدى القرى العربية (إسم المشغل محفوظ لدى صوت العامل)، عملت لدى هذا المقاول لمدة ثلاثة شهور، طوال هذه الفترة لم اتقاض شيكلا واحدا من المشغل!

وتتابع وداد: الشغل كان مهيناً وفي غاية القرف، فقد كنت اتعرض للإهانات والصياح من قبل المسؤول في العمل كلما طالبته بالراتب أو بقسائم الراتب ( التلوشات)، تعرضت للمضايقة وكنت مجبرة على السكوت على كل هذا خوفا من ان اسجل رافضة عمل من قبل الشركات. تعرضت للبهدلة والشحشطة بين الشركات والمقاول، اشتكيت للشركات على هذا المقاول وقلت لهم انه لا يريد ان يدفع راتبي فقالوا لي :" هذا ليس شغلنا.......".

ثلاثة اشهر من العمل المضني، ثلاثة اشهر من الإهانات والمعاناة بدون راتب أو حقوق. ثلاثة أشهر كانت وداد عودة تحت رحمة المقاول النصاب من عيلوط وشركة " اغام مهليف" التي تهددها " بالرفض"، أي قطع المخصصات لمدة شهرين بحجة رفض عمل.

توجهت وداد عودة الى جمعية صوت العامل النقابية في الناصرة، وقام محامي الجمعية شفيق مسلم بتقديم شكوى قضائية الى محكمة العمل اللوائية في الناصرة ضد المشغل النصاب.
بعد مسلسل المعاناة الذي شهدته وداد عودة من قبل هذا المشغل، لم تقم شركة " أغام مهليف" التي ترفع شعار " من ضمان الدخل الى الدخل الامن" بأي جهد او اتصال مع المشغل لدفع راتبها وحقوقها الاخرى، فبالنسبة للشركة فإن وداد وجدت عملا وهذا نجاح عظيم للشركة!!.

عندما عادت وداد عودة الى الشركة، طلب منها التوجه للعمل في مسرح " اللجون" في حي السوق، انه عمل في التطريز اليدوي واعمال يدوية اخرى، مثل صناعة السلاسل الخرزية، حيث تلزم الشركات النساء والفتيات على التواجد في " اللجون" لدورة تأهيل مهني، كما تدعي الشركات، او الى العمل التطوعي الاجباري، وذلك لمدة ثمانية ساعات في اليوم لفترة اربعة شهور وهي المدة القانونية لتنفيذ العمل التطوعي الاجباري كشرط للحصول على المخصصات.

ويبدو ان الزام النساء للتواجد في " اللجون" لهذه الفترة يقع ضمن مبدأ العمل التطوعي وليس ضمن التأهيل المهني كما تدعي الشركات.

تقول وداد:" ارسلونا للعمل في " اللجون" قالوا لنا نريد فتيات مع خبرة وتجربة في التطريز والعمل اليدوي، وقالوا ان هذا عمل تطوعي، لكنه كان عملاً حقيقياً وشاقاً، فنحن نصنع احسن التحف والقلائد الخرزية، ونكاد ان نفقد البصيرة بسبب التدقيق في هذا العمل. انا لا افهم كيف لنا ان ننفذ عمل لمدة ثمانية ساعات مقابل 2000 شيكل، هذه عبودية بكل معنى الكلمة ، هذه ارباح للشركات على حسابنا. يقولون ان هذه التحف التي نصنعها سياخذها المدير الهولندي للشركة لبيعها في هولندا، وآخرون يقولون انها ستباع في شبكة "المشبير"، انني اترك اولادي وبيتي وامي المريضة طوال اليوم حتى تكون الشركات مبسوطة."

حتى كتابة هذه السطور لا تزال وداد عودة ضمن " العمل التطوعي" في اللجون"، لكنها لا تصل الى هناك لانها مضطرة الى المكوث إلى جانب امها المريضة في مستشفى العفولة.
لا تنتهي معاناة وداد عودة عند هذا الحد...

في يوم 23/1/06، وعندما كانت وداد تتواجد في العمل التطوعي الاجباري في مسرح اللجون، كانت أمها وحيدة في البيت بدون رعاية، اعتادت الام البالغة من العمر 86 عاما ان تبقى ابنتها وداد إلى جانبها. في هذا اليوم سارت الام ببطء شديد من فراشها الى المطبخ لتسخين الطعام الذي حضرته الابنة وداد في الصباح الباكر، اشعلت الام الغاز ووضعت الطنجرة على الغاز، ثم عادت الى الفراش. الام اخذتها الغفوة وخلدت الى النوم بينما طنجرة الطعام تسخن وتحترق على الغاز.

ولم تصح الأم العجوز على رائحة الدخان الكثيف الذي انبعث من احتراق الغاز وجدران المطبخ الملاصقة له، لكن اخوة وداد الذين يسكنون في المبنى المجاور، وهم ايضا يتواجدون في شركة " اغام مهليف" ، شاهدوا الدخان يتصاعد من منزل اختهم فسارعوا الى كسر ابواب البيت ومن ثم اخماد النيران وانقاذ والدتهم التي ارتبط لسانها ولم تكن قادرة على الكلام.

هذه قصة وداد عودة من الناصرة. قصة الحزن والعذاب والمعاناة للعائلات العربية في الناصرة التي اجبرت ضمن القانون التعسفي الجائر للمثول في مخطط " ويسكونسين" المشؤوم.

بقي ان نشير انه وخلال كتابة هذه السطور لا تزال والدة وداد عودة ترقد في المستشفى بسبب حالتها الصحية المتدهورة.