هزلية عدالة القضاء في ظل السياسات العنصرية / د. سهيل حسنين*

هزلية عدالة القضاء في ظل السياسات العنصرية / د. سهيل حسنين*

- د. سهيل حسنين -

 
يطرح في الآونة عدة قضايا المرتبطة بالأجهزة القضائية اليهودية، فقد تم تقديم مقترح مشروع يحدد أن تعيين قضاة عرب في المحكمة العليا منوطٌ بخدمتهم في الجيش أو "الخدمة الوطنية"، ومقترح آخر يتم التدخل وفقه في اختيار القضاة خلال لجنة للكنيست، وثم محاولات الائتلاف الحكومي والأحزاب اليمينية السيطرة على لجنة تعيين القضاة من خلال تعديل أو سن قوانين جديدة.
 
وتطبيقا لهذه التوجهات، اختارت لجنة انتخاب القضاة الإسرائيلية، وبشكل مفاجئ، يوم الجمعة الأخير، أربعة قضاة جدد ضمن تشكيلة المحكمة العليا الإسرائيلية الجديدة، بينهم أول مستوطن يشغل منصب قاضي في المحكمة الأعلى في سلسلة القضاء الإسرائيلي. بالمقابل تم الكشف في تموز الفائت عن دراسة شاملة تظهر أن القضاة يفرضون عقوبات مغايرة بحسب قومية المتهم.
 
تطرح المقالة الحالية سؤالين: هل لسيطرة اليمين على جهاز القضاء تأثير على قرارات القضاة حين فرضهم الحكم؟ وهل من شأن تعيين قضاة عرب في هذا الجهاز التقليل من شراسة القرارات القضائية المفروضة على المتهمين العرب؟
 
تفترض الدراسة الحالية أن الجهاز القضائي بشكل عام جزء لا يتجزأ من "المؤسسة اليهودية" ومن جهاز أوسع يسمى "السيطرة الاجتماعية".
إن المراحل التي تسبق المحاكمة هي هامة وذات تأثير على نوع القرارات التي يتخذها القضاة بحق هؤلاء المتهمين. المرحلة الأولى مرتبطة بقرارات القضاة بشأن تمديد فترة الاعتقال. كما هو معروف، يحق للشرطة اعتقال شخص لمد 24 ساعة وبعدها عليها إصدار قرار قضائي حول إمكانيات تمديد فترة الاعتقال. فحصت إحدى الدراسات هذه الإمكانيات اتجاه 1535 متهم الذين وجهوا لمحاكم الصلح في الناصرة وحيفا في العام 2004 بشأن تمديد فترة الاعتقال، أمام 65 قاضيًا منهم 13 عربيًا. واضح من نتائج هذه الدراسة أن احتمال رفض القاضي طلب الشرطة بتمديد الاعتقال مرتبط بدرجة كبيرة بعاملين: هوية القاضي وهوية المتهم القومية. فإمكانية إطلاق سراح متهم عربي هي الأقل في حالة أن القاضي هو عربي. فالقضاة اليهود يميلون إلى إطلاق سراح بدرجة أكبر في حالة أن المعتقل هو يهودي. إن للمعتقلين العرب الإمكانية المضاعفة بتمديد اعتقالهم في حالة أن القاضي هو عربي وفي حالة أن الشرطة والنيابة العامة طالبتا باستمرارية فترة الاعتقال.
 
ترتبط المرحلة الثانية بالقرارات القضائية حول إغلاق الملفات الجنائية. أجريت دراسة شاملة التي فحصت 60،018 ملف جنائي في الأعوام 1980-1992 التي قدمت للمحاكم. وجد هذا الفحص أن إمكانية إغلاق ملف جنائي لمتهم عربي هي 39% في حين أن الإمكانية نفسها واردة لدى 42% من المتهمين اليهود. إضافة إلى ذلك، يتضح أنه يتم إغلاق ملفات لــ  37% من المتهمين اليهود و 35% من العرب الذين هم بدون ماض جنائي.  
 
أما المرحلة الثالثة فتتطرق لإدانة المتهمين. في حالة تقديم متهمين للإدانة بنفس نوع التهمة، عمر المتهم، جنسه، وماضيه الجنائي يبدو أن احتمالات الإدانة هي الأقوى اتجاه العرب. هناك عوامل هامة التي تلعب الدور الجوهري في ازدياد احتمال الإدانة مثل رأي النيابة العامة والشرطة اتجاه المتهم واتجاه نوع التهمة وخاصة في فترات التي فيها يتم إثارة الرأي العام (بواسطة الساسة والإعلام اليهودي) اتجاه الارتباط القائم بين العربي وبين الجريمة والعنف. النتيجة التي يتوصل إليها مجموعة من الباحثين هي أن نسبة المدانين من مجموع المتهمين العرب هو 86% في حين أن نسبة المدانين من مجموع المتهمين اليهود هو 80% فقط.
 
ولكن في نفس الوقت يبرئ القضاة 6% من العرب مقابل 3% من اليهود، وهذا الإجراء من شأنه تقليص الفارق بين نسب المدانين العرب واليهود. فالقرارات القضائية، في هذه المرحلة، تعتبر إجراء هام من شأنه التقليل من الظلم الموجه للعرب في حالة أن القضاة يجدون أن لا مبرر من إدانتهم لعدم توفر الأدلة الكافية لذلك. تغيرت هذه السياسة حيث نلمح في السنوات الأخيرة ومنذ عام 2000 ارتفاع في نسب الإدانة التي تصل إلى 99.5% للمتهمين العرب و- 98% للمتهمين اليهود.  
 
مجرد تقديم لوائح اتهام بواسطة النيابة معناه إصرارها على إدانة المتهمين في جميع الأحوال والحالات. أي أن القوة في أخذ القرار ينتقل من القضاء للنيابة العامة وهذا التوجه لا يتلاءم مع الطريقة القضائية التي توفر لجميع الأطراف مناقشة الأدلة. سيطرة النيابة العامة في مرحلة الإدانة تعني استغلالها للقوة والنتيجة كما يبدو اتهام وإدانة أشخاص أبرياء.     
 
يعمل أغلبية القضاة العرب في محاكم المنطقة الشمالية (حيفا والناصرة)، مما كان دافعا لفحص دورهم في التمييز الموجه للمتهمين العرب.  تم تحليل 3229 ملفا جنائيا التي سجلت في المحكمة المركزية في حيفا والناصرة للسنوات 1985-2000، وبالتالي يتوصل البحث لنتائج مذهلة غير متوقعة. وجدت ثلاث نتائج أساسية وهي: (1) في حالة أن القضاة هم يهود: يقرر القضاة فرض السجن الفعلي على 39% من المتهمين اليهود وعلى 51% من العرب (في حالة متهمين بدون ماضي جنائي) وفرض السجن الفعلي على 33% من المتهمين اليهود وعلى 74% من المتهمين العرب (في حالة أن للمتهمين ماضي جنائي). (2) في حالة أن القضاة هم عرب: يقرر القضاة فرض السجن الفعلي على 22% من المتهمين اليهود وعلى 59% من العرب (في حالة متهمين بدون ماض جنائي) وفرض السجن الفعلي على 44% من المتهمين اليهود وعلى 80% من المتهمين العرب (في حالة أن للمتهمين ماض جنائي). (3) يميل القضاة العرب إلى التشديد في نوعية العقاب في حالة أن المتهم هو عربي والضحية هو يهودي (نسبة فرض سجن فعلي في حالة أن المتهم- عربي والضحية يهودي هي  40%؛ في حالة أن المتهم- يهودي والضحية عربي هي  14%).
ماذا نستنتج من هذه المعطيات؟ يفضل القضاة العرب وقبل القضاة اليهود فرض السجن الفعلي على المتهم العربي، من هنا نستنتج أن تعيين عدد اكبر من القضاة العرب يساهم في تجسيد وتوسيع شدة التمييز القضائي. 
 
هذه النتائج لم تكن دافعا لجهاز القضائي بتغيير سياسة التمييز. مع مرور الوقت زادت شكاوى المحامين موكلي المتهمين العرب، الموجهة لرئاسة نقابة المحامين، بصدد التوجه القاسي الذي ينتهجه القضاة ضد موكليهم خلال المحاكمة. حينها، قرر تنفيذ دراسة أخرى ما يميزها أنها أجريت بتمويل إدارة المحاكم ونفذها ثلاثة من الأساتذة اليهود المتخصصين في مجال علم الإجرام. تم فحص 1500 ملف جنائي لمختلف أنواع التهم، في محاكم الصلح والمركزية للسنوات 1996-2005.
 
الاستنتاج العام هو أن الجهاز القضائي يميل إلى فرض توجه أكثر شدة وشراسة اتجاه المتهمين العرب: فالاحتمال هو أكبر أن يكون المتهم العربي مدان والاحتمال أكبر أن يفرض عليه سجن فعلي (48%) والاحتمال أن تكون فترة سجنه أطول (معدل 14 شهر) مقارنة بالمتهم اليهودي (33.6%- سجن فعلي ومعدل مدة السجن هو 9.5 شهر) في حالة أن كليهما يملكان نفس المتغيرات.
 
عصا القضاة هي لينة أيضا اتجاه المتهمين اليهود من خلال توفير لهم فرص خدمة مراقبة السلوك. ففي العام 1980 فرض قضاة (عرب ويهود) في محاكم الناصرة وحيفا هذا القرار على 27.5 من المدانين اليهود وعلى 9.4% من المدانين العرب. تتضاعف هذه النسب في العام 1985، وفق دراسة أخرى حيث تم فرض مراقبة السلوك على 44.8% من المدانين اليهود وعلى 17.5% على المدانين العرب.
 
ما هو الوضع الأسوأ في ظل هذه السياسات القضائية؟؟ من الواضح أن وضع المتهم الأسوأ مرتبط بحالة العربي، المتهم بجريمة العنف، الضحية هي يهودي والقاضي هو عربي.  
 
بطبيعة الحال، تعكس نتائج دراسة إدارة المحاكم التي كشف النقاب عنها مؤخرًا سخرية وهزلية جهاز العدالة: في حين أن دور القضاء هو حماية حقوق الإنسان وتوفير القضاء العادل للضعفاء وللأقليات القومية ولضحايا أجهزة القانون، نرى انه يصبح جزءًا من هذه الأجهزة والتي دورها حماية القوي وصيانة الظالم في إطار سياسة السيطرة والعنصرية. 
 
إن سياسة التمييز في العملية القضائية تظهر بشكل لا يقبل التأويل وجود مجموعات ومجتمعات التي يتم تصنيفها كمهددة أو خطرة أو ذات ميول إيديولوجي. تستند "نظرية الأقلية كمهددة" على الافتراض أن ازدياد عدد السكان الأصليين تصعد من شعور الأغلبية الحاكمة بالتهديد. بالتالي، تبني السلطات أجهزة للتعامل مع هذه المخاوف. إن مخاوف الأغلبية بشأن ازدياد قوة الأقلية لا يعتمد على العامل الديموغرافي فحسب وإنما أيضا الديني والاقتصادي والسياسي والثقافي التعليمي. وفق هذه الحالة، تزداد سيطرة الأغلبية على الأقلية وذلك كوسيلة، وفق تصور الأغلبية، للتخفيف من هذا التهديد. وفق هذه النظرية، احد الأساليب هو تشديد العقوبات القضائية، إضافة إلى أساليب السيطرة الأخرى. في حين أن التحليل الأعمق يظهر أن مخاوف الأغلبية هي وهمية وغير منطقية، حيث تنتج الأغلبية هذه المخاوف كاستراتيجيه هادفة تثبيت السيطرة على الأقلية، وقاصدة المحافظة على ذاتها السياسية والأخلاقية.
 
في جميع الأحوال، تدعم البيانات الإحصائية ونتائج أبحاث وتقارير محلية تفشي العنصرية في أروقة المحاكم الإسرائيلية، ولكن يطرح السؤال حول مصلحة القضاة العرب (الذين يشكلون حوالي 6% من مجموع القضاة في المحاكم المدنية) من تشديد العقوبات التي يفرضونها على المتهم العربي. لذلك عدة تفسيرات افتراضية، منها: (1) انكشاف قرارات القضاة لوسائل الإعلام العبرية وخوفهم من ردود فعل ونقد الأغلبية في حالة فرضهم عقوبات اقل تشديدا، و (2) تبني القضاة مواقف وآراء التي تحملها الأغلبية اتجاه العرب، و (3) نظرا لخوفهم من فقدان مكانتهم الوظيفية في إدارة المحاكم، أو (4) أنهم بالفعل حريصون للتخفيف من حدة وضع الجريمة والعنف، بالتالي يرون أن فرض العقوبة الأشد على المتهمين العرب لمصلحة العرب أنفسهم!!
 
 تمنت إدارة المحاكم أن تكون نتائج البحث الذي دعمته ومولته مغايرا لانطباعات محامين عرب، الذين احتجوا مرارا وتكرارا حول توجه القضاة في فرض عقوبات أكثر شدة اتجاه موكليهم العرب. يستطيع جهاز القضاء توفير مبررات أو تفسيرات ويستطيع القول أن التمييز قائم، لا يعكس سياسة وإنما آراء مسبقة لدى قضاة، لكنه لا يستطيع تجاهل نتائج واستنتاجات لدراسات (لباحثين يهود من "الدرجة الأولى" الذين هم من داخل دائرة شرعية الأغلبية)، مفادها أن العدالة أصبحت أسيرة ليس فقط لعوامل فوق إدراكية تسيطر على القضاة وإنما لسياسة منهجية وامتدادا لسياسات عنصرية في مجالات خارج القضاء.
 
إن اتجاهات اليمين السيطرة على نقابة المحامين وعلى لجنة تعيين القضاة وتعيين قضاة مستوطنين هي محاولات تزيد من مظاهر التمييز والعنصرية اتجاه الفلسطيني بين جدران المحاكم وخارجها، في حين علينا الوعي للحقيقة أن تعيين قضاة عرب يجسد ويوسع من تفشي هذه المظاهر.
بالتالي، مهام القيادات، الحقوقيين، جمعيات ونقابات حقوق الإنسان والإعلاميين المحليين هي الكشف عن حقائق السياسات وفضحها.
أتوقع، على وجه الخصوص، من المترافعين العرب لعب دور جوهري داخل غرفة المحكمة من خلال شد انتباه القضاة لدوافع قراراتهم العنصرية، وأيضا من خلال فضحها في وسط أطراف حقوقية وإعلامية. لكن من الأهمية الأخذ بالحسبان أن ضبط القضاة لتفكيرهم فوق الإدراكي هي مستحيلة بل هي عملية غير محتملة في ظل تيارات العنصرية الجارفة وفي ظل سياسات السيطرة الشاملة اتجاه الفلسطينيين، سكان البلاد الأصليين.