صعوبات الإنجاب، تقنيات الولادة الحديثة ومكانة المرأة الفلسطينيّة في إسرائيل/ همت زعبي

صعوبات الإنجاب، تقنيات الولادة الحديثة ومكانة المرأة الفلسطينيّة في إسرائيل/ همت زعبي

- همت زعبي -

“اذا فش عندك ولاد فش الك ظهر…. الولد هو ظهرك… حتى لو انت بتفكري غير شكل هذا الحكي بعد بفترة ببدا يأثر عليكي”.

(غ. إحدى المشاركات في البحث)

 
 
 
تمثل تقنيات الولادة الحديثة إحدى الوسائل الأكثر اتباعًا وشيوعًا في إسرائيل لحل بعض مصاعب الانجاب لدى النساء والرجال[1]. وعلى الرغم من أهميّتها وضرورتها لكثيرين ممنّ يواجهون صعوبات كهذه، إلا أنَّ سهولة مناليتها وكونها مجانية وشائعة في دولة اسرائيل تستدعي التوقف عند بعض تأثيراتها على جودة حياة النساء وعلى مكانتهن الاجتماعية. لذا، نحاول من خلال هذه المقالة، التي تستند إلى جزءٍ من دراسة الماجستير لكاتبة هذه السطور، التوقف عند بعض هذه التأثيرات مع  الأخذ بعين الاعتبار السياقين الاجتماعيّ والسياسيّ للمجتمع الفلسطينيّ في الداخل.
 
تواجه النساء [2]الفلسطينيات اللواتي يعانين -هن أو شريك حياتهن أو كلاهما- صعوبات في الإنجاب، العديد من التحديّات الجسدية والنفسية، حيث تعاني النساء الكثير من الصعوبات في مسعىً لتحقيق “أمومة بيولوجية”[3]. وتعتبر تقنيات الولادة الحديثة إحدى الوسائل الأكثر انتشارًا التي تلجأ إليها النساء في محاولة لتحقيق حلم الأمومة البيولوجية هذا.
 
من الممكن تقسيم تجربة النساء اللاتي يتلقين علاجًا بواسطة تقنيات الولادة الحديثة[4] إلى مرحلتين مركزيتين: تتناول المرحلة الأولى، وهي محور هذه المقالة، الفترة التي تعيشها النساء في أعقاب عدم نجاحهنّ في الحمل بالطرق التقليدية/الطبيعية وقبل دخولهن الجيّز العلاجيّ. أمَّا المرحلة الثانية، والتي لن نتطرق اليها في هذه المقالة، فتتناول تجربتهنّ داخل الحيّز العلاجيّ.
 
صعوبات الانجاب، بحسب القاموس الطبي، تعرّف بأنها عدم حدوث حمل نتيجة إقامة علاقة جنسية من دون استعمال وسائل لمنع المحمل لمدة 12 شهرًا. على الرغم من هذا التعريف إلا أنَّ نتائج الدراسة تشير الى أنَّ المعاناة النفسية لجميع المشاركات في البحث (من دون علاقة بعدد سنوات الدراسة و/أو الحالة المهنية، عاملات بأجر أو عاملات بغير أجر) تبدأ مع مرور بضعة أشهر فقط على إقامة علاقة بهدف الحَمل، حيث نجد أنَّ في بعض الحالات توجَه بعض المشاركات بالبحث لمراجعة الطبيب قبل مرور عام مع إخفاء هذه الحقيقة عن الطبيب.
 
في هذه المرحلة، تتمحور معاناة النساء النفسية أساسًا في الشعور بالذنب والمسؤولية تجاه عدم الاخصاب. معظم المشاركات في البحث، وحتى قبل مراجعة الطبيب، كنَّ على يقين بأنَّ سبب المشكلة يكمن في أجسادهن هن وأنّهن المسؤولات الوحيدات عن الحالة. فمثلا تقول إحدى المشاركات: “بعد بفترة بديت اسأل حالي: يا الله ليه مش عم احبل؟! شوفينا كيف إحنا ] النساء[ بنفكرش انه احنا تنين وممكن تكون المشكلة من الزوج او يمكن منّا التنين. دايما بنفكر انه المشكلة عنّا احنا. هيك بربونا...»
 
يشكل الخطاب الطبي واحدًا من العوامل التي تعزّز مسؤولية الجسد الأنثوي في حالة صعوبات الإنجاب لدى النساء عامة، ولدى النساء الفلسطينيات في هذه الحالة، كون الفحوصات الأولية تجري على جسد المرأة خصوصًا وأنَّ العلاج يتم أساسًا من خلال جسدها. كل هذا يعزّز شعور المرأة بمسؤولية جسدها تجاه الوضع حتى قبيل مراجعة الطبيب ويزداد الشعور بالمسؤولية خلال الفحوصات. كما تشير الدراسة إلى أنَّ الشعور بمسؤولية الجسد الأنثوي تزداد في حال خضعت المرأة لفحوصات طبية نسائية قبل الزواج. تؤكد م. (إحدى المشاركات) هذا بقولها: «لما مصرش ]حمل[ على المحل رجعتلي ذكريات من ايام زمان، فهمت دغري. مهو العادة الشهرية بديت عندي بجيل صغير وبديت أزور طبيب نساء بجيل كثير صغير. فهمت على المحل انه اكيد في عندي اشي غلط.»
 
إلى جانب الخطاب الطبي، فإنَّ الخطاب الأبوي الذكوري في المجتمع الفلسطيني إضافة إلى الخطاب الصهيوني، المهووس بالقضية «الديموغرافية»، يشكلان دافعين إضافيين يسهمان في تعزيز شعور المرأة الفلسطينية بالمسؤولية والشعور بالذنب تجاه صعوبات الانجاب.
 
يحتكم المبنى الإجتماعي للمجتمعات العربية عمومًا، وبضمنه المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، إلى مبنى ذكوري أبوي مبني على هرمية في العلاقات الاجتماعية تتحدد من خلالها مكانة الفرد الاجتماعية بناءً على النوع الاجتماعي والحالة الاجتماعية والجيل. وعلى الرغم من أنَّ الزواج وإنجاب الأبناء والبنات في مثل هذه المجتمعات، يعتبران قيمتين مركزيتين للنساء والرجال على حدٍ سواء، إلا أنّ مركزيتهما تزداد لدى النساء إلى حدّ تشكل بمضمونها عواملَ هامة وأساسية في رفع مكانة المرأة، وفي كثير من الأحيان تحدّد قيمتها داخل العائلة والمجتمع.
 
بالتالي تؤثر صعوبات الإنجاب على مكانة النساء ويكون لها اسقاطات اجتماعية ونفسية كبيرة جداً. وهذا ما عززته نتائج الدراسة؛ إذ أكدَّت جميع النساء المشاركات في البحث على أنَّ الصعوبات الإنجابية أثرَّت سلبًا على مكانتهن داخل العائلة وأضعفتهن ذاتيًا إلى حدّ تجاهل انجازاتهن، التعليمية المهنية والشخصية في مقابل شعورهن بـ «الفشل» في هذا المجال. على الرغم من التحصيل الاكاديمي والمهني الذي حصّلت عليه «أ» (مشاركة في البحث تنهي دراسة استشارة ضريبية وتعمل في مكتب حسابات)؛ تقول: «مرة تقاتلت مع ابوه (الزوج) زعلت وتركت البيت، رحت عند اهلي، وهني (اهل الزوج) كانوا ينقّوا عليه اتركها وشو بدك فيها، هاي وقحة وأصلا فش عندها ولاد. طلقها... كانوا بدهن يستغلوا ضعفي لانه فش عندي ولاد.»
 
يشكل الخطاب الاسرائيلي والهوس الديموغرافي الصهيوني مصدرًا إضافيًا لتعزيز شعور النساء في اسرائيل  -وبالتالي النساء الفلسطينيات- بالمسؤولية والذنب تجاه صعوبات الانجاب. إذ تشير الدراسات والأبحاث الى أنَّ القوى الدينية اليهودية والقوى الصهيونية الى جانب طابع الدولة القومي المدفوع بالهوس الديموغرافي، جعل من دولة اسرائيل الدولة الأكثر تطورًا في مجال تقنيات الولادة الحديثة والتي تمتلك أكبر عدد من العيادات (نسبة الى عدد السكان)، وهي الأسباب نفسها التي دفعت دولة اسرائيل لتكون الدولة الوحيدة التي تغطي بواسطة التأمين الصحي تكلفة العلاجات الطبية[5]. إنَّ كل هذه الأسباب مجتمعة، وعلى الرغم من كونها موجهة لتعزيز وتشجيع الولادة عند النساء اليهوديات، تطال وعي النساء الفلسطينيات وتسهم في تعزيز أهميّة الولادة والأمومة، ما يزيد من شعورهن بالذنب في حال واجهن صعوبات الإنجاب.
 
تجتمع الاسباب أعلاه لتترك سؤالاً حول خيار النساء العلاج بواسطة تقنيات الولادة الحديثة: هل توجه النساء الفلسطينيات في اسرائيل لحلّ صعوبات الإنجاب بهذه التقنيات ناتج عن خيارهنّ الحرّ أم أنَّ الخطابات المختلفة، الطبية والصهيونية والدينية والقومية، والخطاب الاجتماعي الفلسطيني، كما مجانية العلاج وسهولة مناليته، هو ما يدفعهن إلى هذا “الخيار”؟
 
نتائج البحث تشير إلى أنّ الخطابات المذكورة لا تؤثر على النساء الفلسطينيات اللواتي يواجهن مصاعب أنجاب فحسب، بل أنها تصمم وعيهنّ عموماً وتؤثر سلباً على مكانتهنّ الاجتماعية. إذ تجمع هذه الخطابات -وهي مركزيّة جداً في حياة النساء- على أهميّة الولادة والأمومة وجميعها تختزل وتحدّد مكانة النساء بحسب وظائفهنّ البيولوجيّة الإنجابيّة، الأمر الذي يسهم في تكريس دونية المرأة.
 
(كاتبة المقال باحثة ومركّزة مشروع الدراسات النسوية في مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية. كتب المقال بروح أطروحة اللقب الثاني بموضوع الجندر بجامعة بار ايلان باشراف برفسور لاريسا ريمنك. عن مجلة السّوار)
 
...........................................................................................................
 
 
[1] تتحايد هذه المقالة عمدا استعمال كلمة “عقم” لما تحمله من دلالات سلبية وتستبدله بمصطلح صعوبات انجابية.
[2] تشير الابحاث الى ان الرجال يواجهون أيضًا صعوبات جمة، نفسية بالأساس، إلا أنّ هذه المقالة تتمحور في تجربة النساء وعليه لن تتطرق إلى الصعوبات والتحديات التي يواجهها الرجال.
[3] هناك طرق اضافية لتحقيق امومة او ابوة غير بيولوجية مثل التبني.
[4] علاج بالاخصاب الخارجي بشكل عيني.
[5] يغطي التأمين الطبي تكلفة علاجات لانجاب وليدين أحياء.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018