العاطلون عن العمل: بأي حالٍ عدت يا عيد؟!

العاطلون عن العمل: بأي حالٍ عدت يا عيد؟!
طابور العاطلين عن العمل

قد تكون في الطوابير الصباحية التي يصطف فيها عشرات ومئات العاطلين عن العمل أمام مكاتب الاستخدام (مكاتب العمل) لتقاضي المخصصات الزهيدة عند نهاية الشهر هي العينة الأكثر إيلاما وإهانة لمن سعى ليعتاش بكرامة، والتعبير الأقسى للأزمة الاقتصادية المتجذّرة التي يعاني منها المجتمع العربي. وفي هذه الأيام، قبيل افتتاح السنة الدراسية والعيد السعيد، في فترة تشهد غلاء معيشة وارتفاعًا بالأسعار، تفتتح جراح العاطلين عن الأمل وتبدو السعادة بعيدة المنال.

 

 



"عــ48ـرب" التقى بآباء عاطلين عن العمل، واعين لعمق الأزمة الاقتصادية التي حاولنا أن نشير إلى جذورها ونحلّل انعكاسها على المجتمع وأزماته المختلفة وإمكانات تحرّكه وتغيير وضعه.

شعور مرير عند أبي إسماعيل
يقول "ابو اسماعيل"، وهو أب لعائلة من سخنين مكوّنة من 6 أنفار ويتقاضى مخصصات ضمان دخل لا تتعدى 3000 آلاف شيكل، "الموت كان أشرف لنا، لأنه ليس أقسى وأمرّ على الأب من أن يقف أمام ابنه أو بنته عاجزًا عن أن يلّبي لهم أبسط الاحتياجات، ناهيك عن الشعور المر كأنك تعيش على "الصدقة".

يتنهد أبو اسماعيل عميقًا والدمعة الغزيرة تكاد تنحي الكلمات جانبًا، ينظر لمن حوله نظرة خجل وأسى "لن انتحر كما فعل البعض لأن ابنائي يحتاجون إلي...السلطة اوصلتنا لهذا الوضع بعد ان صادرت ارضنا وقضت على الزراعة ومنعت المناطق الصناعية وسدت كل الطرق علينا".
ويضيف بحسرة "أنا لا أتحدث الآن عن إمكانية تعليم أبنائنا وبناء بيوت وتأمين المستقبل بل أتحدث عن اللقمة اليومية، بأي قوة استطيع أن أربي أولادي واحميهم من رفاق السوء والانحرافات ونحن بهذا الحال؟ تمنيت لو لم يكن هناك مدارس ولا أعراس ولا أعياد لأنّها مناسبات أصبحت بالنسبة لأمثالي هي اكثر حزنا..لكنني متكل على الله بعد ان انعدمت الرحمة في الواقع الشرس!".

أبو سامر يريدنا أن نتحرّك
يتمتّع "أبو سامر"، عاطل عن العمل من دير حنا في الأربعينات من العمر وأب لأربع ابناء، بوعي لما يدور من أحداث وسياسات وما ينفّذ من سياسات، يقول "سأعلّم أبنائي حتى لو بعت أشلاءً من جسدي، لكن أمرنا غريب ونحن مفصرون كعرب بحقّ أنفسنا وبحق أبنائنا، والفقر الذي يتحدثون عنه عند العرب ونعيشه على جلودنا هو ليس وليد الصدفة بل فعل مقصود، لأنّ الدولة أرادتنا على الهامش نلهث خلف لقمة العيش دون وصولها، فعندما صادروا الأرض ومنعوا إقامة مناطق صناعية تستوعب العمال واحتاجونا للعمل الأسود الذي ترفع عنه اليهود انهمكنا بهذا العمل دون أن نلتفت لمسائل أخرى وللمستقبل، وعندما وجدوا بدائل لنا بهذا العمل استخدموا القادمين الروس والعمال الأجانب ليبقى العرب بلا أرض وبلا عمل وبلا مستقبل".

ويستاءل أبو سامر: "إذا لم نتحرك اليوم من أجل أبنائنا ومستقبلهم ما الذي يجب ان يحركنا؟ الأمر يستحق أن ننتفض كعرب جميعًا قبل ان نخسر ابنائنا ونخسر أنفسنا كعرب لنا ابسط حق العيش بكرامة، وأقول للمسؤولين العرب لن نتحدث بالسياسة ونحن جياع رغم انني مدرك ان تجويعنا هو امر سياسي ويحتاج الأمر إلى معركة حقيقية!". 
 
العتايقة: جذور الفقر عند عرب الداخل تعود للنكبة..
الناشط عبد الكريم عتايقة، القيادي في التجمع الوطني، من النقب، اعتبر أنّ الفقر ليس قدرًا أو حالة طارئة، وأنّ جذور الضائقة الاقتصادية والفقر في 

أوساط العرب كحالة سياسية تعود إلى نشوء الدولة العبرية ومرتبطة بنكبة العام 48، فقد دأبت المؤسسة الإسرائيلية مدفوعة بالعقلية "الأمنية" احتجاز تطور العرب والتدمير المنهجي للبنية الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني بالداخل كضرورة للسيطرة عليه.

ويضيف "سعت المؤسسة بعد أن دمرت المدينة الفلسطينية، بكل ما تعني مكوناتها الثقافية والعلمية والاقتصادية، ومنع نشوء طبقة وسطى، الى مصادرة الارض وإحكام الخناق على البلدات العربية وتأمين العمل العبري وتدمير الزراعة وتحويله إلى مجتمع مشوّه يعيش على هامش الاقتصاد الإسرائيلي".

كما خصّ العتايقة عرب النقب الاكثر معاناة من السياسات العنصرية وقال: "إنّ البطالة والفقر في النقب ربما هو الاقسى لأن الدولة سيطرت بالكامل على مصادر رزقهم الأساسية من خلال مصادرة الارض والقضاء على المراعي والثروة الحيوانية وإبقائهم في تجمعات غير قابلة للحياة حيث  تحولت المرأة والرجل عاطلين عن العمل لان المرأة والرجل عملا في السابق سويًا بالحقلين المذكورين".

وتابع العتايقة: "بعد ان بدت النتائج اليوم جلية، وان الدولة ماضية في سياساتها العنصرية في تدمير بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وضرب نخبها السياسية، مع تفشي مظاهر العنف والجريمة، علينا إعادة صياغة رؤانا وإستراتيجيتنا بشكل مسؤول لمواجهة تحديات كبرى ومصيرية قبل فوات الأوان، ونحن ندعو كافة القوى السياسية والمجتمعية والسلطات المحلية للتحرك لإنقاذ أنفسنا..".

د. ابو عصبة: للضائقة الاقتصادية انعكاسات خطيرة على المستوى النفسي والسلوكيات
يتسائل د. خالد أبو عصبة، مدير معهد "مسار" للابحاث الاجتماعية، عن غياب دور الدولة ودور السلطات المحلية العربية وأقسام الشؤون الاجتماعية والمعارف في البحث عن حل للأزمة الاقتصادية: "كيف لا يبحثون عن حل لبعض الأسر التي لا تستطيع إعالة نفسها بنفسها، وعددهم يصل إلى نحو 30 بالمائة من الأسر العربية؟ هؤلاء يحتاجون الى دراسة مستفيضة، لمساعدتهم والأخذ بيدهم حتى يتمكنوا من تزويد ابنائهم بالمستلزمات الأساسية من جهة والتحضير لمناسبة شهر رمضان وقرب عيد الفطر وافتتاح السنة الدراسية".

ويعتقد أبو عصبة أن هناك علاقة قوية ومباشرة بين الوضع الاقتصادي المتردي لمعظم العائلات وبين تحصيل أبنائهم التعليمي، ويقول: "أشارت الأبحاث التربوية منذ مدة ٍطويلة إلى وجود العلاقة بين المسألة المادية والمركز الاجتماعي وبين علامات الطلاب، ما معناه أنه كلما تدنى وضع الأهل اقتصاديًا، كلما قلّ استثمار الأبناء في دراستهم بسبب الافتقار الى المحفزات العلمية والأدوات والمعدات ووسائل بسيطة أخرى يحتاجها الطالب، وهو يعرف تمام المعرفة أنه حتى لو كان في قمة احتياجه الى دروسٍ خاصة، فليس بإمكانه أن يتلقاها".

كما اعتبر ابو عصبة أن الامر مقلق للغاية وقال إن للضائقة الاقتصادية انعكاسات خطيرة على المستوى النفسي والسلوكيات الخطيرة  مثل العنف والجريمة والتسرب والانحرافات الأخرى، وأعاز ابو عصبة الى مسؤولية السلطة واعتبر ان الازمة ناتجة عن ازمة سياسية ثقافية وأخلاقية مع غياب منظومة قيمية تؤدي الى فقدان البوصلة المجتمعية التي تؤدي بدورها الى انعدام التطور وفقدان الانضباط والتفكك الاسري وفرط عقد النسيج الاجتماعي وانعدام القيم في الشارع والمدرسة والبيت أي حالة من الفوضى والإحباط والتفكك، وهذا الأمر خطير للغاية.

وحول المطلوب عمله قال ابو عصبة: "علينا المبادرة وعدم الانتظار والمطلوب اولا التشخيص والقراءة الصحيحة لواقعنا، وعلى القيادات العربية المتمثلة باللجان والحركات السياسية والسلطات المحلية اخذ دور المسؤولية والشروع ببلورة مشروع  إاستراتيجية فاعلة وعدم الاكتفاء بالإدانة لمواجهة السياسات بحيث  تشمل الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي ،وحول  دور السلطات المحلية قال صحيح إنها مفرغة من المضمون القيمي، إلا انه يجب الضغط عليها كمرحلة اولى على الاقل ان يكون لديها كوادر مهنية مؤهلة والعمل على تنمية الملكات والكوادر المهنية كجزء من الخطط الإستراتيجية".
 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018