في إيرلندا لا يمكن الصمت على عنصرية إسرائيل

في إيرلندا لا يمكن الصمت على عنصرية إسرائيل

* السفارات الإسرائيلية ترسل أعوانها للتنصت على محاضرات ونشاطات التضامن مع الشعب الفلسطيني
* السفارة الإسرائيلية :"خطوة غير عادية أن ننشر مقالا ضد نائب في الكنيست، لكنها تستحق ذلك"  
* النائبة زعبي: "نضال الشعب الإيرلندي ضد الاحتلال البريطاني وضد عنصرية الموالين له يوضح التشابهات مع نضالنا، لكنه أيضا يبرز عنف وعمق العنصرية الإسرائيلية عن مثيلاتها في العالم"  


 

السفارة الإسرائيلية في إيرلندا -  مواقف زعبي هدف شرعي للنقد!

قامت السفارة الإسرائيلية في إيرلندا بنشر رد تحريضي ضد النائبة زعبي في الصحيفة الرئيسية IRISH TIMES، وذلك في أعقاب نشر الصحيفة لمقابلة مع زعبي تحدثت فيها عن السياسات الإسرائيلية وعن نضال الفلسطينيين داخل إسرائيل من أجل الديمقراطية والعدالة. واعترفت السفارة الإسرائيلية في بداية ردها أن "الرد على عضو برلمان من قبل سفارة يعد استثناء وخطوة غير عادية، لكن زعبي خرقت "الإجماع الديمقراطي"! وذلك عندما انسجمت مع الأعداء العنيفين لإسرائيل (أعضاء منظمة ال IHH  الذين كانوا على متن سفينة "مرمرة")، مما يحول مواقفها لهدف شرعي للنقد! وأغفلت السفارة تماما التناقض الصارخ بين الديمقراطية وبين الإجماع، تماما كما أغفلت قصدا التناقض الصارخ بين يهودية الدولة وديمقراطيتها. 

وتقارن السفارة الإسرائيلية شرعية يهودية الدولة بشرعية فرنسية الدولة الفرنسية، معتبرة أن اليهودية تصلح لكي تكون مطابقة للجنسية الإسرائيلية وللقومية الإسرائيلية، وهذا ما أكدت زعبي على أنه دليل ليس فقط على العنصرية بل أيضا على عمى العنصرية، التي لا ترى أن "اليهودية" هي صفة ومكانة لقسم من المواطنين باستثناء كامل للفلسطينيين ولغير المتدينين من اليهود، بينما الفرنسية هي صفة ومكانة تصلح لكل المواطنين الفرنسيين، مما يؤكد التعريف العنصري للدولة، وقد جاء ذلك في رد زعبي على السفارة نشرته الصحيفة أيضا. وتجاهلت السفارة جملة من الحقائق كانت زعبي قد ذكرتها في المقابلة المذكورة، ومنها أكثر من 32 قانونا يستهدف حقوق ومكانة الفلسطينيين مثل قوانين الجنسية ولمّ الشمل، وقوانين تتعلق بمصادرة الأراضي واستعمالها، وقانون "لجان القبول" الأبارتهايدي، وقوانين وسياسات التخطيط والبناء، وتهويد الحيز، وسياسات الهوية والتعليم، وقوانين الولاء، وقوانين المقاطعة، وتمويل الجمعيات وغيرها، وتأكيدها على الطبيعة العنصرية الواضحة لإسرائيل معللة كل عنصريتها بـ"مصلحة وحق اليهود في إسرائيل" مما يعني، أن المبرر "الأخلاقي" – من وجهة النظر الإسرائيلية- الوحيد للعنصرية هو تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية. 

وتحدثت زعبي في مقابلتها عن التهميش والقمع في كافة مناحي الحياة وليس فقط فيما يتعلق بالحقوق الجماعية مثل الأرض والهوية والجنسية، بل أيضا فيما يتعلق بسياسات الإفقار والتمييز والتهميش في مجالات الصحة والتعليم والعمل. وبدل أن تواجه السفارة الإسرائيلية هذه الادعاءات قامت باللعب على الوتر "الديني" لإيرلندا، موردة معطيات كاذبة حول نسبة تعليم "الطلاب المسيحيين"، تزعم أنهم لا يعانون من تمييز، وأن كلا المجموعتين المسيحيين والمسلمين تتمتعان في الجامعات بحقوق أكثر من الطلاب اليهود! كاشفة بذلك عن ضحالة وغباء عنصريين واضحين، وكأن الإيرلنديين الذين حاربوا الاحتلال البريطاني مؤكدين على هويتهم الإيرلندية، سينسون أهمية ودور الهوية القومية في النضال ضد العنصرية والقمع، وسيبدأون في تصنيف الفلسطينيين حسب هويتهم الطائفية كما تريد لهم إسرائيل.

ووردت في نهاية رد السفارة سفاهة أخرى، أشارت إلى أن نسبة عمل النساء "العربيات المسلمات" -على حد تعبيرها- هي نسبة مشابهة لتلك الموجودة في الدول العربية المجاورة، متناسية تلك السفارة أن إسرائيل تتبجح دائما بتفوق ديمقراطيتها وحريتها على تلك الموجودة في الدول المجاورة التي تعتبرها "دكتاتورية ومتخلفة"، ولا توافق على مقارنة نفسها بتلك الدول.

غباء السفارة الإسرائيلية أدى بها إلى تبرير العنصرية في بلد النضال القومي ضد العنصرية!  

(إيرلنديون..  كأنهم فلسطينيون)

وفي بداية ردها، الذي نشر هو أيضا بالكامل في الصحيفة، أكدت زعبي على أنه "لا غرابة في تصرف السفارة الإسرائيلية في دبلن، فما هو غريب وشاذ عن القاعدة في الدول الطبيعية، هو القاعدة في إسرائيل، وليس فقط رد السفارة، بل ما هو أخطر من رد السفارة، هو القاعدة غير الطبيعية، من قوانين وسياسات وملاحقات سياسية، يمثل تصرف السفارة أهونها وأبسطها".  

وأكدت زعبي في ردها، أنها مسرورة لرد السفارة المليء بالغباء والاستهتار بعقل الأوروبي، فلم تتعود إسرائيل احترام العقول، بل تعودت ممارسة الإرهاب السياسي على الجميع، فمن لا تستطيع نعته باللاسامي، كالعربي، تنعته بالإرهابي أو بالمتضامن مع الإرهابيين، موضحة أن تعريف السفارة "ليهودية الدولة" ومقارنتها بـ"فرنسية الدولة" مع وضوح إقصائية المصطلح الأول على خلاف المصطلح الثاني، هو أفضل دعم لما نقوله حول طبيعة النظام الإسرائيلي. وأضافت أن تحريض السفارة، إلى جانب كونه مليء بالغباء والهراء لشعب مناضل ضد العنصرية مثل الإيرلنيديين، أعطاها فرصة لعرض ادعاءاتها مرة أخرى، وبلسانها، وقد نشرته الصحيفة كاملا.

هذا وشملت محاضرات زعبي المدن الإيرلندية الرئيسية الأربع: بلفاست وديري في شمال ايرلندا، ودبلن وكورك في جنوبها، بالإضافة إلى سلسلة من اللقاءات الصحفية في الصحف والإذاعات، ولقاءات مع بعض نقابات العمال المركزية. ولم تنس السفارة الإسرائيلية أن ترسل أعوانها لكي "يستمعوا" لمحاضرات زعبي، التي أكدت لهم، أن "لا داعي لذلك، فما تقوله للشعب الإيرلندي سبق وقالته للمجتمع الإسرائيلي آلاف المرات ومن على منبر الكنيست وفي وسائل الإعلام الإسرائيلية، لكن يبدو أن ما يقال بالانجليزية حول إسرائيل أهم مما يقال لها بالعبرية".   

هجوم السفارة على النائبة زعبي يربك الخارجية الإسرائيلية ويدعوها إلى تشديد تعليماتها للدبلوماسيين

أكدت صحيفة "هآرتس"(15/08/2012) أن هجوم السفارة الايرلندية على النائبة حنين زعبي سبب إرباكا لوزارة الخارجية، ودعاها إلى تشديد توجيهاتها لسفاراتها في الخارج.

وكتبت الصحيفة أن عدة "تغريدات" غير عادية على "التويتر" ونشرات محرجة على الفيسبوك، من قبل دبلوماسيين إسرائيليين في كافة أنحاء العالم، دعت وزارة الخارجية إلى تشديد التعليمات للمثليات الإسرائيلية في الخارج بكل ما يتصل باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، باعتبار أن كل بلاغ على الشبكة ينظر إليه على أنه يمثل موقف الحكومة الإسرائيلية.

وعلم أن مدير دائرة "الدبلوماسية الرقمية" في وزارة الخارجية الإسرائيلية بعث ببرقية إلى كل الدبلوماسيين الإسرائيليين أكد فيها على أنه "لا فرق بين البيان الصحفي وبين التغريدة على التويتر".

كما أدى الهجوم على النائبة زعبي إلى أن تنكب الخارجية الإسرائيلية على بلورة "مرشد إعلامي جديد" يتضمن "نظرية القتال" لوزارة الخارجية على الشبكات الاجتماعية، كما يتضمن تعليمات مفصلة للدبلوماسيين تحت عناوين "إفعل.. لا تفعل".

وكتبت "هآرتس" أنه في الأسابيع الأخيرة تسبب "تغريدات" نشرت على "التويتر" من قبل دبلوماسيين إسرائيليين بالحرج بسبب المضامين. وأشارت الصحيفة إلى أنه سفارة إسرائيل في دبلن استخدمت التويتر لشن هجوم على النائبة حنين زعبي خلال زيارتها لإيرلندا.

ولفتت الصحيفة إلى أن النائبة زعبي قدمت عدة محاضرات وأجرت عدة مقابلات مع وسائل الإعلام المركزية في إيرلندا، "أشارت فيها إلى أن إسرائيل دولة عنصرية وليست ديمقراطية". وفي أعقاب نشر ذلك قامت السفارة الإسرائيلية بنشر ثلاث "تغريدات" على التويتر تضمنت هجوما حادا على النائبة زعبي رغم كونها منتخبة جمهور.

وأضافت "هآرتس" أن السفارة الإسرائيلية نشرت على التويتر أن "عضو الكنيست هذه كانت على سفينة مرمرة مع ناشطي جهاد من منظمة IHH والذين أنشدوا أناشيد حول قتل اليهود ويرفعون شعار القضاء على إسرائيل". بحسب السفارة.

كما نشرت السفارة أيضا رابطا لشريط "يوتيوب" تظهر فيه النائبة زعبي كما يظهر فيه ناشطون أتراك تدعي إسرائيل أنهم مسلحون، وكتب تحت الشريط "ولا تزال في البرلمان". وفي "التغريدة" الثالثة كتبت السفارة "إسألوا النائبة زعبي عن عمّيها؛ الأول قاض في المحكمة العليا، والثاني نائب وزير الصحة ورئيس بلدية الناصرة".

شوارع وجدران إيرلندا تحكي قصة نضال مشابه: نضال الفلسطينيين ضد الصهيونية

nothing about us    without us     is for us     

ربما  تصلح لوحة الشارع هذه لرفعها ضد الخدمة المدنية وضد مخطط برافر، كما ضد جميع المخططات الإسرائيلية المتعلقة بحياة الفلسطينيين في إسرائيل، والتي جميعها من بنات تخطيط المؤسسة الإسرائيلية، والتي هي مؤسسة يهودية "نظيفة من العرب" كما ينص على ذلك تعريف الدولة اليهودية.

"لا شيء يتعلق بنا، دوننا، هو من أجلنا". أي لا شيء تعرضه علينا الدولة دون أن تشركنا في تخطيه والموافقة عليه، سيكون لمصلحتنا. وهو شعار لاتيني الأصل استعمل بداية في مركز أوروبا. 

وبلفاست أكبر مدن شمال ايرلندا ( ثاني أكبر مدينة ايرلندية بعد دبلن عاصمة الجنوب – الجمهورية) تحكي قصتها عبر لوحات الشوارع  تلك، والحقيقة أن لوحات الشوارع تحكي قصتين: قصة غرب وقصة شرق بلفاست، ذاك (من أصل كاثوليكي) اعتبر أقلية مع أن نسبته تجاوزت 40% في الستينيات، وازدادت منذ ذلك الحين، والداعم لانفصال شمال ايرلندا وانضمامه للجمهورية الإيرلندية، وذاك (من أصل بروتستانتي) الموالي لاستمرار السيطرة البريطانية. والتقسيم لكاثوليكي – بروتستانتي لا يعكس خلافات "طائفية"، بل يعكس تناقضات في الأهداف السياسية أو بالأحرى الهوياتية، فالإيرلنديون من أصل بروتستانتي، والذين استوطن أجدادهم البريطانيون إيرلندا في القرن السابع عشر يفضلون الوحدة مع إنجلترا، أما الإيرلنديون من أصل كاثوليكي فيفضلون الوحدة مع الجمهورية الإيرلندية جنوب البلاد.     

والفلسطينيون قد يجدون جزءا من نضالهم ضد العنصرية في نضال الأقلية الكاثوليكية الكبيرة ضد عنصرية وتهميش فرضتهما السياسات البريطانية عبر الحكومات البروتستانتية، نضال عرفوه كنضال من أجل الحريات المدنية، واتخذ شكل المقاومة المدنية.

وقد قاد النضال المدني "المجلس القومي للحريات المدنية"، وهو مجلس قاطع للأحزاب والحركات السياسية، نجح في تعبئة الإيرلنديين عبر المظاهرات والمسيرات الشعبية، وعبر المناشير وحملات رفع "همة النضال السياسي"، كما عبر نضالات عينية تمحورت حول هموم الناس اليومية المتعلقة بالسكن والعمل. وقد اتهمت حكومة إيرلندا الشمالية المجلس بأنه "الواجهة الأمامية" للجمهوريين ( المطالبين بالوحدة مع إيرلندا الجنوبية). بالإضافة إلى نضال الحقوق المدنية الذي شحنه الشعور القومي بالهوية الإيرلندية، والذي حضرت الوحدة الإيرلندية في خلفيته دائما، وحضرت قضية السجناء السياسيين إحدى القضايا السياسية الرئيسية التي ألهبت النضال والمظاهرات في شمال إيرلندا.  

يعتبر "أكتوبر 2000" الإيرلندي عام 1972، ما يسمى بـ"الأحد الدامي"،  نقطة تحول في النضال من أجل الحريات المدنية في شمال إيرلندا، حيث قتل 14 مدنيا غير مسلح من قبل القوات البريطانية في مدينة ديري، خلال مسيرة سياسية شعبية، خلفت بالإضافة للقتلى عشرات الجرحى في الشوارع. معظمهم قتل من الخلف، مما يشير أنهم قتلوا خلال هربهم من القوات البريطانية. فقط قبل سنتين نشرت الحكومة البريطانية تقريرا يعتبر الشهداء "ضحايا أبرياء"، لكنها في نفس الوقت نسبت الأمر إلى خلل في "سلسلة الأوامر". 

وكانت المظاهرات (حتى توقيع معاهدة بلفاست 1998) تحدث في كثير من الأحيان رغم قيام الحكومة بمنعها، ورغم الاعتقالات ورغم قتل عدد من المتظاهرين على يد القوات البريطانية أو البروتستانتية، بل هذا ما ساهم في غليان الشارع، وكانت تحدث أحيانا بوتيرة يومية أو أسبوعية على الأقل، الأمر الذي زاد من تعبئة الشارع أيضا، مع ما رافق ذلك من مقاومة مسلحة. وقد استمرت المظاهرات والمقاومة المسلحة حتى خلال المحادثات مع الحكومة البريطانية من جهة، وحتى خلال المحادثات بين أحزاب كلا الطرفين المتصارعين ( الكاثوليكي البروتستانتي) من جهة أخرى، والتي شهدتها سنوات التسعينيات بل، وحتى 2006. ولم يمس تأييد الشارع المتزايد للمقاومة المسلحة من قوة النضال من أجل الحريات المدنية، بل دعم كل منهما الآخر. وكان حق التصويت وحق السكن وحق العمل وإنهاء عمل وحدات الشرطة المسلحة التي قتلت عشرات الإيرلنديين خلال سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، على رأس أجندة المقاومة المدنية. أما حق التصويت فقد تلاعبت به بريطانيا عبر تقسيم شمال إيرلندا إلى مقاطعات تضمن أغلبية بروتستانتية بهدف الحد من تأثير صوت الأقلية من أصل كاثوليكي.

ولم ينس الإيرلنديون تدويل قضيتهم السياسية عبر توجهات متتالية إلى هيئة حقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة لتوجهاتهم المتتالية للمحكمة الأوروبية التي حكمت عام 1971 بـ"المعاملة اللاإنسانية والمهينة" للجيش البريطاني. وبناء على تحليل بعض النشطاء السياسيين فقد حظيت المقاومة المدنية بدعم إيرلندي وعالمي أكثر مما حظيت به المعارضة القومية الإيرلندية التقليدية.

كان إنهاء العنصرية الهدف الأعلى لنضال الإيرلنديين، أما أحد تعبيراته السياسية حتى يومنا هذا فهو إنهاء انقسام إيرلندا (اتفاق 1922 مع بريطانيا، والذي به تم تقسيم إيرلندا وبقاء شمالها تحت السيطرة البريطانية بحجة الأغلبية البروتستانتية) وتوحيدها عبر الجمهورية الإيرلندية جنوب البلاد.

"اتفاقية بلفاست" 1998 أو  Good Friday Agreement 

بدأت "محادثات السلام" بين الحكومتين البريطانية والإيرلندية عام 94، وبمشاركة جميع الأحزاب الكاثوليكية تقريبا، التي لم تعتبر أن الحكومة الإيرلندية تمثلها، وتخللت تلك المحادثات عمليات مسلحة ومظاهرات لم تنقطع حتى ما بعد توقيع ما عرف بـ"اتفاقية بلفاست" أو Good Friday”" بعد 4 سنوات. وقد تضمنت الاتفاقية ما يتعلق بالحقوق المدنية دون إغفال قضية وحدة إيرلندا وحق تقرير المصير، الاعتراف بوجود هويتين قوميتين والمساواة بينهما، ووضع آليات لتقسيم النفوذ السياسي بينهما، و"التعاون" بين حكومتي بريطانيا وإيرلندا.

ومن ضمن ما جاء في الاتفاقية: ضمان تمثيل الأحزاب الكاثوليكية في حكومة شمال إيرلندا، إطلاق سراح السجناء السياسيين، انسحاب القوات البريطانية من شوارع إيرلندا، تفكيك القوات الإيرلندية شبه العسكرية، المساواة في مكانة المجموعتين الكاثوليكية والبروتستانتية في شمال إيرلندا. أما فيما يتعلق بمسألة وحدة الأراضي الإيرلندية تحت السيادة الإيرلندية فقد تم الاتفاق على عرض مسألة الوحدة للاستفتاء الشعبي في كل من شمال وجنوب إيرلندا، الأمر الذي جعل الوحدة الإيرلندية غير ممكنة دون موافقة البروتستانت طالما هم أغلبية في إيرلندا الشمالية، مما يعني شرعنة قضية احتلال بريطانيا لشمال إيرلندا باعتبارها انعكاسا لرغبة جزء كبير من مواطني شمال إيرلندا، واعتبار التوجهين: الوحدة مع بريطانيا والوحدة مع الجمهورية الإيرلندية توجهين شرعيين. وتم بناء على الاتفاقية تأسيس "مجلس شمال إيرلندا".

وقد عرضت الاتفاقية للتصويت ليس فقط في شمال إيرلندا بل أيضا في الجمهورية الإيرلندية المستقلة، حيث صوت لصالحها 94% من المصوتين (فقط 50% من السكان شاركوا في الاستفتاء)، أما في شمال إيرلندا فتشير التقديرات إلى أن 97% من الكاثوليك وافق على الاتفاقية، مقابل 53% وافق عليها من البروتستانت. ويذكر أن الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA لم يوافق على نزعه من السلاح حتى ما بعد التوقيع على الاتفاقية، واستمر في عملياته المسلحة أكبرها، والتي أدت إلى 29 قتيل ومئات الجرحى، وقعت شهورا معدودة قبل التوقيع على اتفاقية بلفاست 1998، واستمرت آخر عملياته حتى عام 2005. أما التصريح الرسمي والعملي للجيش الجمهوري الإيرلندي بعزوفه عن استعمال السلاح فكانت 8 سنوات بعد توقيع اتفاقية بلفاست، أي عام 2006.   

لم تنته ما عرف بمحادثات السلام باتفاقية بلفاست، بل استمرت المحادثات حتى عام 2007، أعقبها انتخابات عامة فاز فيها أكثر الأحزاب القومية راديكالية ألا وهو حزب  Sinn Fein والذي تقاسم السلطة مع الحزب الديمقراطي الوحدوي البروتستانتي، وفقط عندها أنهى الجيش البريطاني تواجده الرسمي في شمال إيرلندا. ويذكر النشطاء السياسيون أنه رغم الاتفاقيات إلا أنه لا علاقات طبيعية بين الحزبين، وأن قيادات الحزبين لا تتبادل الحديث حتى عن حالة الطقس.  

الجدران بتتكلم إيرلندي

رغم أن المحادثات أعقبتها اتفاق أعقبه استفتاء أعقبه اتفاق، إلا أن جدران بلفاست ما زالت تصر أن تحكي قصة مئات القتلى الذين قتلوا على يد القوات البريطانية، هو الوفاء لقضية لم تنته بعد، أو بالأحرى الوفاء للإنسان، فلا قضية مقدسة فوق الإنسان، ذاك الذي استشهد، وذاك الذي لم يحقق مطالبه بعد. الجدران تخلد من قتل بالصورة والاسم، وتخلد صور أبطالهم في المقاومة الشعبية والمسلحة. المقابر تحوي أقساما خاصة للذين قتلوا على يد القوات البريطانية والبروتسناتية، كما وتحوي أقساما خاصة للذين تطوعوا في صفوف المقاومة الإيرلندية IRA. ورغم كل ما أنجز من حقوق مدنية، ورغم إنهاء عنف القوات البريطانية، وعدم تعرض الشرطة للناس بالقتل أو بالأذى، إلا أن التوتر ما زال حاضرا في الجو. التقسيم في الأحياء والمدارس والحياة الثقافية والسياسية واضح. أنت لا تدخل إلى بلفاست أو ديري، لكنك تدخل بشكل واضح إلى القسم البريطاني من بلفاست، أو إلى القسم الإيرلندي من بلفاست، انت تدخل إلى مدينتين مختلفتين، لكل منهما، جدرانه وشوارعه التي تحكي قصته، وأعلامه. الجزء الإيرلندي مليء بأعلام إيرلندا، كما يمتلئ الجزء البريطاني بأعلام بريطانيا وبصور الملكة، بالإضافة إلى علم إسرائيلي في أحد الشوارع نكاية بالجانب "الإيرلندي"!  لا مدارس مختلطة، لا أحياء مختلطة، لا اختلاط في الحياة الثقافية، ولا في الحياة والنشاط السياسي. الاختلاط فقط في العمل، بالذات بعد محاولات جدية لاستيعاب الكاثوليك في سوق العمل والوظائف الحكومية والعامة. 

اللغة – تفتقد كالهوية وكالسيادة

ما نجح الاستعمار البريطاني فيه، ابتداء من القرن السابع عشر هو محو اللغة الإيرلندية تماما كلغة محكية ومستعملة. رغم أنها تتمتع بمكانة قانونية كاللغة القومية الولى في الجمهورية الإيرلندية، إلا أنها غير مستعملة لا في شمال ولا في جنوب ايرلندا.  وقد ساعد موت وهجرة 20- 25% من الشعب الإيرلندي في منتصف القرن التاسع عشر على اندثار اللغة، ولم يتكلم اللغة الإيرلندية كلغة أولى عند انتهاء الاحتلال البريطاني في جنوب إيرلندا سنة 1922 سوى 15% من السكان، صحيح أن هذه النسبة لم تنقص بعد انتهاء الاحتلال لكنها أيضا لم تزد، رغم محاولات إيرلندية عديدة لتطوير مدارس تعلم بالللغة الإيرلندية.

الأجواء تفصح أنه حيث لا شعور قومي متماسك، فالعنصرية لوحدها لا تصلح لأن تكون اسما كاملا للنضال،  هنالك حاجة لوضوح في مسألة الهوية أو السيادة القومية. توجهات لإحياء اللغة الإيرلندية ما زالت تتعثر، لكنها حاضرة، حيث اللغة غير مستعملة، حاضرة في أسماء المدن والشوارع والمؤسسات والمنتزهات ومحطات النقل العام. 

الفلسطينيون في الوجدان وعلى الجدران أيضا

جدران غرب بلفاست كما جدران المناضلين، تحكي قصة نضالات الشعوب، بالذات تلك النضالات التي تحولت في وجدان العالم الحر إلى رمز للنضال من أجل العدل، وفي قلب هذه النضالات نضال الشعب الفلسطيني.    

ويعرف المتضامنون مع الشعب الفلسطيني أن التضامن الحقيقي يكمن في رفع وعي الإيرلنديين فيما يتعلق بسياسات الاحتلال وواقع اللاجئين وسياسات التمييز العنصري داخل إسرائيل، كما في التأثير على السياسات الدولة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي للضغط على إسرائيل، كما في التأثير على سياسات حكومتهم الإيرلندية بوقف أي دعم أو تعاون مع إسرائيل مدركين أن هذه العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية معناها دعم سياسات الاحتلال وقمع الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018