الإسكافي الأخير

الإسكافي الأخير

بقي الإسكافي داود الجمّال وحيدًا في سوق شفاعمرو العتيق، يخيّط بابتسامته الذكريات بجلد الحاضر „أنظرُ إلى الماضي وذكرياته بفرحِ الذين عاشوا حياةً صعبةً لكنها جميلة بأناسها، ثم أعودُ إلى حاضري، أقاوم الملل بالعمل”

 

 

هوَ الوحيدُ الذي لم يُفارق سوق شفاعمرو العتيق، وفي كُلِ صباحٍ قبل أن يدخلُ صومعته ينظرُ إلى جدران السوقِ ويستذكِرْ رفاقه التجار الذين رحلوا، بعضهم لن يَعود، وآخرون قد يعودون إنْ شاءَ المسؤولين في المدينة أن ينفذوا فعلاً مشروعَ ترميمٍ كبيرٍ للسوق القديم قد يعود إلى عهده الجميل.

يجلس الإسكافي داوود أمين الجمّال، المولود عام 1932، في ركنه المعهود، وعلى كرسيه الذي لم يغيّره كثيرًا، وأمام ماكنة الخياطة الخاصة بعمله وحوله عُلبٌ وأكياسٌ وعدةٌ تسهّل عمله، بضحكةٍ واثقة، وفي عينيه ذكرياتٍ تطالُ السنين الماضية وتعبُرُ إلى الحاضر، تحمِلُ الكثير مِن القصص والحكايا، فعلى عتبة دكانه وقف كثيرون، بسحناتٍ مختلفة، مبتسمون ومكفهرون وصبايا وشبابٍ وعجائز وأطفال كلهم ينتظرون أن يُنهي أبو غسان صُنع أحذيتهم، أو تصليحها كي تكون جاهزة للسيرِ بهم حيثُ يشاؤون – هكذا لخّص عمله في الماضي. أما اليوم، فصارَ ينتظر القادمين عندَ العَتبة، يأمْل أن يأتي الزبائن دون وجوهٍ مكفهرة، „لا لشيء، لكن لأنني أحبُ الحياة وأتمنى لهؤلاء أن يحبوها أيضًا”.

يقول „أنظرُ إلى الماضي وذكرياته بفرحِ الذين عاشوا حياةً صعبةً لكنها جميلة بأناسها، ثم أعودُ إلى حاضري، أتلمسُ الحيطان في سوقٍ هجره أهله، تركوه للصمتِ في غالبِ الأحيانْ، أما في الشتاء فإنّني أُصادق تكتكات الماء وهِي تهطُلُ أمام محلي، فأشعُرُ أنّ شيئًا مِن الماضي ما زالَ يؤانسني منذ أولِ يومٍ دخلتُ فيه الحانوت”.

لبنانيُ الأصْلِ... فلسطينيُ الهوية!
جذورُ عائلة داوود أمين الجمّال تمتدُ إلى العام 1860، حينَ انتقلت عائلة جده، من جنوب لبنان، التي حملت كنية „عائلة كنعان”، إلى فلسطين هربًا من حكم الأتراك والإقطاعيين، الذين قسوا على أصحاب الأراضي، ونهبوا خيراتهم وضايقوهم في رزقهم، فانتقل الجد والأشقاء إلى هذه البلاد، وغيروا أسماءهم وأطلقَ عليهم لقب جمّال، وسلاّل، نسبة إلى الأعمال التي مارسوها هُنا في فلسطين التاريخية، ولاحقًا استقرت العائلة على كُنية „جمّال”، فكانَ والد ابو غسان، أمين الجمّال يكتب اسمه كاملاً „أمين داوود بطرس جمّال”، وكذلك أعمامه يوسف وعيسى، الذين رحلوا، وبقيّت سليلتهم، في شفاعمرو والناصرة وحيفا.

الهروب من المجزرة
عن سِرّ تعلقه بمهنته، يشرحُ „الإسكافي العريق في سوق شفاعمرو العتيق”، فيقول: „دكانُنا في السوق، مِلكٌ لعائلتي، اشتراهُ والدي قبل ميلادي، وصارَ يعملُ فيه، حتى ازدهرت هذه التجارة، وبينما هُوَ يَكِدُ يوميًا كُنتُ أنا أنهي الصف السابع الابتدائي (وهي سنواتٌ توازي نهاية المرحلة الثانوية في هذه الأيام). كانت مدرستي قريبة مِن هُنا، „المكتب” لا زالت تُسمى، رغمَ أنّها هُدمَت، ولم يسأل هادموها، عن أهمية بقائِها وتُراثها، ثم عُمّرت من جديد على طرازٍ أحدث، لتستمر بتعليم الأجيال في المرحلة الابتدائية”.

„أما أنا فكنتُ أودُ أن أتابع تعليمي الثانوي، حتى أنّ أبي حاول أن ينقلني إلى بلدة „حانيتا” في منطقة البصة، القريبة من الحدود اللبنانية، لكنّ قلة الحال، لم تُسعف والدي على دفعِ 6 ليراتٍ شهرية مقابل تعليمي، خاصةً أنّ شقيقًا لي كان وضعه الصحي صعبًا، وكان يتلقى العلاج في لبنان في تلك الفترة”.

يُتابِع الحديث عن مشواره المهني: „في العام 1948، كان الحكم البريطاني في نهايته، عملتُ بضعة أشهر ميكانيكيًا في كراجٍ في شارع يافا بمدينة حيفا، لكن ما أن وقعت أحداث النكبة، حتى كادت تطالنا المجازر، فقد قام اليهود بإطلاق النار في الشوارع، فقتلوا عشرة أشخاص من الحوارنة، وكنتُ ابنُ (16 عامًا)، قفزتُ مِن مكاني ورحتُ أعدو والآخرين في الشارع، ورجلاي تكاد تصلُ رأسي واضطررتُ وآخرين من بلدتي الهروب كما قال المثل „ثلثين المراجل هزيمة”، يومها وصلتُ إلى محطة الباص إلى شفاعمرو، حيثُ ركبنا تاكسي للمرحوم الياس صبّاح هاربين من حيفا”.

وإلى بيته عاد ليعمل مع والده وشقيقيه في مهنة الوالد „إسكافيًا”،  ثم انتقلت الأحداث الدرامية إلى شفاعمرو في العام 1948، وذاكرة أبو غسان تبوح بما رأته عينيه: „اشتدت ضربات المدافع، أيقظنا والدي فجرًا، أعطاني وشقيقايْ (4 ليرات لكلٍ منا)، جهزنا أنفسنا للخروج، عندما قال اهربوا مثل الآخرين، وإن عدتم ستجدونني هُنا، حتى لو هُدم البيتُ فوق رأسي فأنا لن أخرج من بيتي، لكنه خرج قليلاً بعد ذلك ليطمئن على أصدقائه، وليتابع ما يجري، لكنه ظلّ ينامُ في بيته دون خوف”.

„أما أنا فكُنتُ أنوي الرحيل مع مَن رحلوا، لكن الصدفة هي التي أبقتني هُنا، عندما جاءت سيدة شفاعمرية، ووضعت طفلة لا يزيدُ عمرها عن 40 يومًا، وقد أدمجت باللون الأبيض – كما كل الأطفال في تلك الأيام- وطلبت مني إعطاءها لوالدتها في دير الراهبات في مركز البلد، فدخلتُ إلى هُناك، وحين قدم جيش الهاغاناة، خشيتُ أن يروْنني فيفعلون بي ما يحلوا لهم، وهكذا أنقذت الطفلةٌ حياتي”.

يضيف: „لا أنسى المشاهِد التي رأيتُها ما حييت، الناس تخرجُ هربًا، بعضهم بفردةِ حذاءٍ واحدة، بعضهم بـ”البيجامات”، وملابس النوم الخفيفة، من عائلتي خرج عمي ثم عاد بعدها، وشقيقاي خرجا إلى الناصرة ثم عادا بعد أيامٍ معدودة، كما خرجَ ابنُ عم والدي، من حيفا، وكان مريضًا، نقلته زوجته بـحرًا إلى صور، ومات هناك”. ويتابع ما حفظته الذاكرة: „جمّعنا اليهود في سجن „سرايا القلعة”، ثم صنّفوا الصغار والكبار، كلٌ في زاوية، أخافونا كي لا نشعُر بالأمان، وتركوا الكبار يذهبون إلى بيوتهم وبينهم أبي، أما أنا فزجوني في فطلبوا مني شراء حليبٍ لأحد المرضى، رآني أبي، طلب مني العودة إلى البيت، فنجوتُ مِن عقابهم”.

„جيش الإنقاذ والحكام العرب هم مَن باعَنا”
قالَ لي أبو غسان: „لا أُلامُ إن كرهتُ العرب الخونة، ولا زال بينهم خونة، أليسوا هم „العرب الجيدون”، يحزُ في نفسي أن يكون جيشًا للإنقاذ، ويطلبُ مِنا „ليرتين ورغيفيْن وبيضتين؟!، بدلاً مِن أن يحمينا، فهل يمكن لهذا الجيش أن يُحرر الفلسطينيين؟!. „مع ذلك، كُنت بينَ مَن ساعده، فقد جهزتُ له بيوتًا للقنابل، وأفخرُ أيضًا أنّ شهادة ميلادي عام 1932، خُتمت من حكومة فلسطين”.

„بعدها جاءت نكستنا، كُنا نسمعُ الراديو الوحيد في العام 1949-1950 في قهوة ناصر أبو الزلف، نسمعُ الأخبار فنبكي نكبتنا، وعرفتُ لاحقًا أنّ عمي كان يحتفظ براديو خبأه في بيرٍ كي لا يطاله أحد، فعثر عليه اليهود وأخذوه”.

„ليس لي إلا مهنتي”
استهجنتُ وأنا أراهُ يعمل وكأنّه ملزمٌ بتسليم الأحذية للزبائن حالاً، فسألته ما الفرقُ بين الماضي والحاضر فقال: „كُنا ثلاثة نعمل في الدكان، وكان هُناك عشرات الحوانيت الأخرى تعمل في مهنتنا، وكان العمل يكفي الجميع، بل ويزيد، كنتُ أخذُ بعض الأحذية أو الحقائب المدرسية إلى البيت، كي استطيع الالتزام بالموعد المُحدد للزبون، كانت الرفوف الفارغة اليوم، تمتلئ بالحقائب وكنتُ أعِدُ الزبائن بتسليم احتياجاتهم بعد ثلاثة أيام، اليوم، ينتظرني الزبائن كي أصلّح النعال ويستلمونها في الحال”.

يتابع: „اليوم أعمل في محلي، كي لا أشعُر بالملل، وقد لا أناقش زوجتي في شيء، لأمضي الوقت الضائع مِن حياتي. كان أحد الإسكافيين النصراويين يقول لي: „صنعتنا أحسن من شوفير التاكسي”. نعم أتحسر، أتحسر على دولاب العمر وهو يبرم، فلا يترك شيئًا كما كان، وعلينا تقبل الحاضر بِما فيه من سيئات وحسنات”.

وعن سر صموده هذا يقول: „هناك مثلٌ يقول „الموت بين الناس نعاس”، اشعرُ أنّ الناس في السوق نيام، بعد أن هجروا المكان باحثين عن رزقهم في أماكن أكثر „تمدنًا”، من العتاقة في السوق القديم. كنتُ في الماضي أحصل على أجرٍ مضاعَف، اليوم، بالكاد أجِدُ بين المارين مَن يصرِفُ 100 شيكل، لكنني سعيدٌ أنّ الوقت يمضي بين حديثٍ سريعٍ من الزبون أو خلفَ عجلة الماكينة التي لا تتوقف”. وعن احتفاظه بخارطة فلسطين يقول: „جاءَ من يبيعني إياها فقلتُ له ما حفظته من أبي: „حزين اللي كان بيدو طير وارخاه، ودار يجوح لرب السما”، بعد أن ضاعَت فلسطين، شو ضل إلنا؟!”.

بين الماضي والحاضر حلوٌ ومر!
أبو غسان يُحبُ مهنته لدرجة كبيرة، فيقارنها بالحاضر: „ليس هناك نسبة مقارنة بين القديم والجديد، كان الجلد أصلي، كُنّا نقولِب النعل على هيئة الحذاء، فنحيكه باليد، نهارًا كاملاً، اليوم صارَ سعرُ الحذاء أرخص مِن تعب نهارٍ كامل، لكنّ المواد التي تُصنع منها الأحذية ليست بالقيمة التي كانت مِن قبل، فالحذاء يعيشُ وقتًا قصيرًا ثم يتفتت بين أصابعنا”.

„كانت سعادتنا – يبتسم أبو غسان- ونحنُ نأتي بالدابة نربطها أمام الدكان ونراقِبُ العروس وهي تكسو مِن السوق، وتوصي بأكثر مِن حذاء، وتنتقي الأقمشة مِن الجيران، سهيل البشت وفؤاد القسيس وغيرهما، كانت العروس مُدللة، لكنّ البساطة تغلُبُ على مُحياها، أما اليوم فإنّ لم تدخل إلى عشرات الحوانيت، وتقلّب 20 حذاء، و20 فستانًا، فلن تشعر بالسعادة”.

يضيف أبو غسان: „آهٍ ما أجمل الأيام الماضية، ونحنُ على ظهور خيلنا، كُنا نقطع العنب والتين والزيتون والزعرور والأجاص، ونتذوق طعم التفاح والأكادينية، وكُنا نحرث الأرض بحصانين قويين، في الماضي كُنا نتعبُ جسديًا، فنحصُد الشعير والكرسنة، ونصطلي بالحر ونهرُب من البرق والرعد لكننا لم نحمِل هموم هذه الأيام والتعب النفسي”.

ويختم حديثنا بوصف شفاعمري طيّب „أجملُ ما في شفاعمرو الماضي، هي العلاقات الإنسانية بين جميع الطوائف، وهي ما يميزها، رغم بعض الاختلافات، التي قد تظهر على السطح وسرعان ما تختفي، فالعلاقات الطيبة أقوى وتمحو البُغض والمرارة”.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018