حبٌ في زمن الأبارتهايد

حبٌ في زمن الأبارتهايد
عروس حملة "حب في زمن الابارتهايد" تتظاهر امام مكاتب حكومة الاحتلال الاسبوع الماضي

فلسطينيةُ القومية، بملامحٍ شرقيةٍ عربية، وصلت العروس إلى القدس بثوبها المزركش الناصع البياض،  وإلى جانبها كرسيٌ للعريس الذي انتظرَها طويلاً، آمِلاً أن ينجح بتجاوز الجدار العازل والحاجز الفاصل بينه وبين محبوبته، لكنّ العريس لم يَصِل، فظلّ المكانُ فارغًا، وصارَ على عروسه أن تتحدّى القانون الجائر الذي فرّقها عن لقاءِ مَن تُحِب، فارضًا عليها قانونًا عنصريًا هو " قانون المواطنة" الذي يمنع لم الشمل، كون الزوجة تحمل هوية بلونٍ يختلف عن لون هوية الزوج.

وحكايةُ العروس التي جسدتها صبية من شمال فلسطين وصلت إلى القدس، ضمن حملة "الحب في زمن الأبرتهايد"، حيثُ قامت مجموعة من الشبان وبينهم العروس بالتظاهر أمام مكتب رئيس الحكومة، وتركت العروس بجانبها مكانًا وعنونته باسم "شريكي مكانه بجانبي".  وهو مشهدٌ تمثيليٌ مؤثّر استحدثته مجموعةٌ ناشطة من الفلسطينيين من الداخل ومن الضفة والقطاع، لتؤكد صعوبة الحياة التي يعيشُها الفلسطينيون بصورةٍ يومية، لدى عائلاتٍ ارتبطَ فيها الزوجان ببعضهما البعض، لكنّ قانون منع لم الشمل أضفى قتامةً على هذا الارتباط الأسري، منهكًا إياهم بأوجاعٍ يومية، حارمًا الزوجان من المشاركة الحياتية اليومية، ومِن جوٍ أسري يحيا فيه الأبناء حياة طبيعية، لا ينغصها الحرمان مِن الإقامة، أو العيش المؤقَت في الوطن، وكيفَ تكون الحياة المشتركة في ظروفٍ غير آمنة؟!

وخلال التظاهرة الاحتجاجية التي جرت أمام مكتب رئيس الحكومة، رُفعت شعارات باللغتين الانجليزية والعربية كُتب عليها "حبك ثورة"، "الحب مقاومة"، "حتى في الساحة والسوق إسرائيل تفرق بيننا"، "إسرائيل تدخل غرف نومنا". كما أنطلقت الحناجر بأغاني الأعراس الفلسطينية، وأخرى وطنية ملتزمة.

والتظاهرة الاحتجاجية هي الثانية في سلسلة نشاطاتها ينظمها مجموعة من الشبان الفلسطينيين الذين يحاولون إيصال رسالة محلية ودولية ضد قانون "لم الشمل"، إذ سبق التظاهرة الاحتجاجية التي جرت في الأسبوع الأخير، نشاطٌ على شكلِ "زفة احتجاجية عند الجدار"، جرت قبل نحو شهر، وقد وصلت وصلت عروسٍ من الداخل برفقة مجموعة من الشبان المشاركين إلى حاجز حزما العسكري، بانتظار فتح الأبواب ولقاء العروسين لاستكمال مراسم الزواج الفلسطيني لكنّ الاحتلال لم ينتظر استكمال المشهد، فقمع الزفة وأخرسَ الزغاريد، وأطلق وابلاً من القنابل دفعت بالمشاركين والعروس إلى التراجع، وعاد العريسُ الضفاوي إلى بيته، بقلبٍ محطم وروحٍ ثائرة على القانونٍ العنصري الذي فرّقه عن حبيبته، في زمن الأبارتهايد.

ويقول "العريس" الذي انتظرَ محبوبته أمام حاجز حزما العسكري، الناشط حازم أبو هلال من الضفة الغربية: نحنُ مجموعة من الناشطين بين شقي الخط الأخضر نلتقي مرة في الأسبوع، ونحاول مناقشة وعرض أفكارنا على الأحداث والمواضيع المختلفة التي تجري مِن حولنا، وتؤثر علينا نحنُ الفلسطينيين، ومِن أبرز القضايا التي نلمسها قانون "لم الشمل" العنصري، وبعد أفكارٍ متاولية بيننا رأينا أن ننطلق بحملة "الحب في زمن الأبارتهايد"، في الأولى جسدتُ شخصية العريس في "زفة عند الجدار"، حيثُ ينتظرُ الشاب لقاء عروسه، لكنّ الحواجز البشرية والعسكرية تقطّع الأوصال وتحول دون اللقاء.

ويضيف أبو هلال: " أعتقد أننا نجحنا في اختراق حاجز الصمت أولاً، وساهمنا في إعلاء الصوت ورفع الوعي ضد هذا القانون وغيره من القوانين التي تسعى للتأثير على التواصل والامتداد الفلسطيني، وهي رسالة قوية نرفعها بطريقة مُبتكرة، وقد تفاعل معها المجتمع المحلي لأنها تمسنا جميعًا سواء كُنا في داخل الخط الأخضر أو القدس أو في الضفة والقطاع، وهي رسالة واحدة نوصلها للعالم، وبذلك نفرض ضغوطاتٍ دولية للتدخل في قرارات هي أبسطُ حقوقٍ للإنسان، ونأمل أن تنجح الهيئات الدولية بتغيير القانون الإسرائيلي المجحف بحق البشر".

وأضاف أبو هلال: "أعتقد أنّ خيرُ دليل على نجاحنا هو وصول مجموعات مختلفة من نشطاء دوليين سواء من أوروبا أو امريكا أو استراليا، وبينهم أعضاء برلمانات اوروبية، عبروا عن اهتمامهم وإيمانهم بمطالبنا، ناهيك عن التواصل الفلسطيني سواء من غزة او القدس او لبنان وسوريا والشتات وبينهم مجموعات كبيرة متضامنة، حيثُ اجرينا استطلاعات ومقابلات مع كثيرين منهم وأعربوا عن رغبتهم العميقة في التواصل معنا والارتباط فيما بينهم، وقوفًا في وجه السياسة الإسرائيلية ولتحديها، معتبرين أنّ الحب والارتباط هو شكلٌ من أشكال المقاومة واختيارُ شريك الحياة حقٌ شرعي لا يمكن التنازل عنه".

وفي سؤالٍ لحازم أبو هلال إن كان مستعد للارتباط بفتاة من الداخل قال: "لم أفكّر، لكنني بالتأكيد لو أحببت، كنتُ سأختار صبية من حيفا، لأنني أحب حيفا بجمالها وبحرها، وقد أهرب إلى هناك وأعيشُ بضعة أيام ثم أعود لأقيم الزفة عند الجدار".

إسرائيل تمدّد قانون "لم الشمل المؤقت" للمرة الـ 13!

تقول نجوان بيرقدار، واحدة من أبرز الناشطات في الحملة: "هي فكرة خرجت صدفةً، نتيجة لقاء بين أطر مختلفة فلسطينية، ووجدت أنّ من الضروري العمل لمحاربة قانون "منع لم الشمل"، وتحديه كجزء من السياسات العنصرية التي يجب إزالتها لأنها تمنع الامتداد الفلسطيني وتقسّم الشعب الواحد إلى أجزاء مقطّعة، وتفكك الترابط الأسري والحضاري، لذا رأينا ضرورة النضال المشترك وإبراق رسالة لافتة تزحزح الصمت الكئيب، وتقاوم الاحتلال وقوانينه الجائرة وتُسقط والجدار والخط الوهميُ المسمى بالأخضر".

وتشير بيرقدار إلى تداعيات القانون المجحف بحق الفلسطينيين فتقول: "كما كل عامٍ، فإنّ قانون الجنسية، لم يقر كقانون، انما كأمر ساعة، وتمّ تجديده الأسبوع الماضي، كأمر تعليق مؤقت، أصدرته الحكومة عام 2002، ومن ثم سُنّ في الكنيست الإسرائيلي، وتم تعديله عدة مرات، ليتم اقراره الاسبوع الماضي للمرة الثالثة عشرة".

وربطت بيرقدار بين القانون وبين النشاطات التوعوية التي تُساهم المجموعة الفلسطينية الناشطة بنشرها، وبين أهداف الحملة التنبيه بأخطار القانون العنصري، ولفت الانتباه له، اضافة الى حشد حملة دولية، للتصدي للقوانين الاسرائيلية العنصرية، وأيضًا لإعادة الفلسطينيين المُشتتين في أنحاءٍ متفرقة من الوطن الفلسطيني والعربي إلى ديارهم، ولتعميق الترابط الاجتماعي والوطني والأسري والثقافي بين جميع أبناء الشعب، دون الاكتراث لنوع وثيقة الثبوت التي يضطر لحملها كل منا.

وأشارت بيرقدار أنّ التظاهرة أمام مكتب رئيس الحكومة لم تقم من أجلِ مخاطبة الحكومة الإسرائيلية بل لمخاطبة العالم الدولي وتحريك إنسانيته وصمته، وأيضًا لتتحرك مؤسسات حقوق الانسان في العالم والمجتمع الدولي وذوي الضمائر الية بالعمل على مساءلة إسرائيل والضغط عليها ومحاصرتها في كافة المحافل والمنظمات الاقليمية والدولية حتى إلغاء هذا القانون العنصري، وإنصياع إسرائيل للقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة.

ويتوقع منظمو الحملة تزايد التضامن مع الحملة، وأن ينجحوا في إشغال الرأي العام العالمي والصحف والقنوات الإعلامية الأجنبية والعربية المختلفة، لتحريك إنسانيته من خلال كلمة بسيطة هي "حب" وهي رسالة إنسانية قبل أن سياسية، وموجهة للسياسيين والبشر على اختلافهم.
قانون منع "لم الشمل" يقّطع أوصال الفلسطينيين!

عائلاتٌ فلسطينية التقى فيها زوجان أحدهما من الضفة والقطاع والآخر من داخل الخط الأخضر، تحابا وقررا الزواج على سنة الله، وكان لهما ما أرادا، وجاءت ثمرة الزواج أطفالاً صغارا، وبين ليلةٍ وضحاها، تحولت العلاقة الزوجية إلى عيشةٍ شبه مستحيلة... البداية كانت بالحب والشوق واللوعة أما النهاية، فكما بدت هي حسرة وتشريد وضياع وحلمٌ يكبر على أمل "لم الشمل".

ويدور الحديث عن 130 ألف عائلة يشملهم قانون منع لم الشمل، لأسبابٍ تصنفها إسرائيل بأنها "أمنية"، ليعيش الأطفال مقطعي الأوصال مشتتين في الوطن، يعيشون في فقرٍ وحرمان، حيثُ لا تعترف بهم المؤسسات الرسمية في اسرائيل، وتحول بينهم وبين آبائهم وأقاربهم الفلسطينيين من الضفة والقطاع وتحرمهم من الحق في العيش الإسري الكريم، وبذلك تعاقب اسرائيل 99% من العائلات على جرمٍ لم ترتكبه.  وفي معرض تبريره للقرار الصادر في العام 2007 - والذي يشمل "سوريا ولبنان وايران والعراق" كدول عدو يحظُر على الفلسطيني التواصل معهم - اعتبر القاضي آشير غرونس "أنّ حقوق الإنسان لا تعدّ وصفة للانتحار قوميًا"، ما يعني أنّ القانون الإسرائيلي يُحارب أمران: الوجود الفلسطيني حيثُ يعتبره الاسرائيليون خطرًا ديموغرافيًا يجب مواجهته، والأمر الثاني الحرب على الأرض والمسكن، حيثُ تقتطع اسرائيل يوميًا كل ما يملكه الفلسطيني مِن أرضٍ وبيتٍ يستقرُ بِه، وبذلك تحريم الفلسطينيين من حقِ العيش واختيار الشريك والحفاظ على الوجود.

شتاتٌ في الوطن

نسرين الأحمد واحدة من عشرات النساء النصراويات المتزوجات من فلسطيني من الضفة الغربية، ولديهما طفلان أحدهما في الصف السابع الابتدائي (15 عامًا)، والثاني في الصف الخامس (11 أعوام).

تؤكد نسرين أنها استقرت في بيتها الحالي منذ اربع سنوات تقريبًا، بعد مشوارٍ طويل من التنقل من بيتٍ مستآجر إلى آخر، فقد تزوجت في العام 1996، بعد قصة حب بينها وبين فلسطيني من مدينة جنين، فعاشا أقل من شهرٍ في منطقة الجلمة قرب جنين، ليسهل على الزوجة زيارة أهلها في الناصرة (كونها تحمل الهوية الاسرائيلية)، ولأنّ زوجها هو المعيل الوحيد، كان عليه أن يبحث عن عملٍ لكنه في أول يومٍ وجد فيه عملاً قاده رجال الأمن الاسرائيليين الى السجن، وحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، مما اضطر الزوجة العودة الى مدينة الناصرة، واللجوء الى بيت الأهل.

تتحدث نسرين عن تجربة السكن، فتقول: "كانت لنا الكثير من التجارب في البيوت المستأجرة، ولكم طالتنا الإهانة، لأنّ زوجي "من الضفة"، والقانون الاسرائيلي لا يحمي فلسطينيي الضفة الغربية والقطاع، خاصةً الذين لا يملكون تصاريح إقامة، فكانت معاناتنا طويلة وتنقلاتنا في المكاتب الحكومية ووزارة الداخلية، سعيًا للحصول على تصريح إقامة، إلا أنّ الرفض كان دائمًا رفيقنا، ولأنّ الدخول الى منطقة الخط الأخضر، هو خطٌ أحمر بالنسبة لأبناء الضفة غير المصرّح بدخولهم، فكان مصير زوجي التأرجُح بين الدخول في الخفاء، والمكوث في البيت لأيامٍ طوال، واستغلال أصحاب العمل لظروفه واقتطاع مبالغ من ايجاره، ليُسمح له بالعيش مع أسرته (الاسرائيلية).

وتضيف: "سكنت في يافة الناصرة لبعض الوقت فكنا نسمع الإهانة لمجرد أنّ زوجي فلسطيني من الضفة، ويقيم بصورة غير قانونية، فكأنّ هويته المختلفة، ونظرته المنكسرة، تمنح الآخرين فرصة لإذلاله. فكانت لي تجربة في مدينة جنين، سكنتُ بالايجار، ولمّا لم يجد زوجي مكان عملٍ يعيلنا، قررنا العودة الى مدينة الناصرة. وفي حي المطران ، سكنتُ في بيتٍ هو في الأساس حاصل، فكانت تحرقنا درجة الحرارة صيفًا وتأكلنا الرطوبة شتاءً، حتى مرض ابني الصغير، فنصحتني الطبيبة بأن أترك البيت ليُشفى من "الأزمة" التي ألمّت به. وانتقلنا الى قرية اكسال، في بيتٍ جنّ جنون صاحبه لاعتقاده أننا لا نملك مالاً لنسدد ايجار البيت، ولأنه احتقرنا، قررنا ترك المكان، وعدنا مرة اخرى الى الناصرة... ونحنُ في هذا البيت نعيش وضعًا أفضل بكثير، فمن جِهة، استطعنا انتزاع ترخيص اقامة لزوجي بعد مشوارٍ مرير في مكاتب المحامين".

فكــــــرة "إبداعــية" بامتياز!

ومثلما أثارت الفكرة التي بلورتها المجموعة الناشطة، من خلال إقامة عرسٍ سلمي الجمهور الفلسطيني في الداخل وفي الضفة والقطاع، واعتبرته عملاً انسانيًا بامتياز، كما تناقلت وسائل الاعلام المختلفة هذا العمل باهتمام، فإنّ وسائل إعلام عبرية وأجنبية لم تركّز على النشاط، مثلما ركز على القانون الذي يجري الحديث عنه "منع لم الشمل". فتطرقت اليه عدة صحف ومواقع بينها "هآرتس". وأكثر ما أثارَ الفضول في الفكرة أنها مُبتكَرة وإبداعية، تنُم عن روحٍ شبابيٍ يحمل تحديًا وتميّزًا وإبداعًا خلاقًا، ساهَم في إضافة لمسةٍ إنسانية وجمالية على الحدث المُثير. وأسكتَ السلطات الإسرائيلية، التي فشلت في محاربة الفرح المتمثل بالعروس التي تنتظرُ حبيبها، للقائه.

وتقول بيرقدار أنّ عددًا من النساء تواصلن مع المجموعة وطلبن إشراكهن في فعالياتٍ كهذه، وبعضهم اقترح أن تُجرى حملة "تزويج"، أي أن تلتقي مجموعات فلسطينية يختارُ الشخص شريك حياته بنفسه، عند الحاجز، الأمر الذي اعتبرهُ المنظمون عملاً رائعًا يُعيد لُحمة الشعب الفلسطيني ويكسِرُ جدارين وهمييان هما "جدار الفصل العنصري"، وجدار "الخوف" الساكن في النفوس.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018