الباحث نمر سلطاني: هبة القدس والأقصى جزء من عملية التشكيل المستمر للهوية الوطنية والقومية

الباحث نمر سلطاني: هبة القدس والأقصى جزء من عملية التشكيل المستمر للهوية الوطنية والقومية
الباحث والمحاضر د.نمر سلطاني

تعتبر هبّة القدس والأقصى محطة مفصلية في تاريخ فلسطينيي الداخل ونقطة تحوّل في مسار التاريخ،  وكان لها تأثير واسع على علاقة ألأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها بالمؤسسة الصهيونية، وأزالت مساحيق التجميل عن سياسة إسرائيل العنصرية، وبالمقابل دفعت المؤسسة إلى إعادة صياغة علاقتها مع فلسطينيي الداخل.   

وبحسب المحا ضر في كلية الدرا سات الشرقية-الأفريقية في جامعة لندن، نمر سلطاني فإن اهمية ذكرى هبة اكتوبر تكمن في اربعة محاور:

أولا، هي جزء من عملية التشكيل المستمر للهوية الوطنية والقومية واعادة انتاج هذه الهوية كهوية احتجاجية. ويجب القول هنا إن الهيئات التمثيلية والاحزاب لم تقم بما فيه الكفاية لإحياء الذكرى.

ثانيًا، تبعات الهبة أسست لإمكانية النضال المدني غير العنيف او العصيان المدني. نتائج الهبة فرضت على الشرطة اسلوب تعامل مختلف مع المظاهرات. وقد رأينا ذلك في المظاهرات ضد برافر على ضوء النفسية الجديدة التي فرضتها الثورات العربية. ولكن يجب الانتباه لصدّ محاولات التقليل من أهمية الذكرى عن طريق معارضة الاعلان عن اضراب عام في يوم الذكرى مثلما حدث ويحدث مع يوم الارض. بدون الاعلان عن اضراب عام يتضائل الطابع الاحتجاجي والسياسي للهبة.

ثالثًا، التأسيس للاحتجاج السياسي وليس فقط الاجتماعي اي تحدي المواطنة وقواعد اللعبة التي تفرضها بدلا من تدجين واحتواء عملية الاحتجاج داخل المواطنة نفسها. يبرز هذا في الفرق بين هبة اكتوبر كحدث سياسي بامتياز وبين الاحتجاجات الاجتماعية في اسرائيل ضد سياسات نتنياهو الاقتصادية، أو الاحتجاجات ضد سياسات سلام فياض الاقتصادية. الاحتجاجات الاجتماعية عزلت نفسها عن السياسة عن سابق الاصرار والترصد. لذا يجب الانتباه هنا الى عدم التعامل مع ذكرى الهبة من منطلق المواطنة. يجب أن يستمر احياء الذكرى ضمن عملية تحدي قواعد المواطنة وخطاب المواطنة ومحدودياته. مقاطعة الانتخابات لرئاسة الحكومة في ٢٠٠١ التي تبعت الهبة، بسبب قمع الهبة، أشارت الى إمكانية التجديد في عملنا السياسي بدل الجمود والمراوحة في ثنائيات قطبية تبسيطية على غرار إما/أو.

وحـــــدة قضــــية الشـــــــعب الفلســــــطيني

رابعا، هبة اكتوبر كحدث سياسي أكدت على وحدة قضية الشعب الفلسطيني رغم واقع التجزئة. علينا أن نذكر أن الهبة تزامنت مع انتفاضة الأقصى واحتجاجا على القمع العسكري. وهي بذلك تؤكد وحدة المصير وأن الاختلاف بين الفلسطينيين في الداخل والفلسطينيين تحت الاحتلال وفي الشتات هو فارق في درجة القمع وليس في نوعها. لذلك احياء الذكرى هو سياسي ويتحدى حدود المواطنة بهذا المعنى أيضا. بالمقابل احياء ذكرى يوم الأرض من قبل الفلسطينيين خارج ال٤٨ هو تعبير سياسي مشابه لوحدة المصير. وبالتالي كلاهما جزء مهم من إنتاج هوية قومية ترفض واقع التجزئة وتصر على التواصل السياسي وليس فقط الثقافي أو الاجتماعي.

ويتساءل سلطاني: "هل نحن وبعد مرور ما يزيد عن العقد على الهبة على مستوى أعلى من الجاهزية الكفاحية؟ من الواضح أن عملية تدجين الهبة من قبل السلطة لم تنجح تماما. فمن ناحية فشلت محاولات فرض "التعايش" الزائفة.

من ناحية أخرى، لجنة أور، وإن لم تحدث تغييرا سياسيا وقانونيا ملحوظا، إلا أنها أعطت منصة للضحايا لرواية قصتهم ووثقتها وألقت ببعض المسؤولية على السلك السياسي والشرطة. لكن من جهة أخرى، لم يتطور عملنا السياسي بشكل يرقى لما مثلته الهبة من إمكانات كامنة فيها. إذ يبدو جليا أن بعض القيادات السياسية خافت من إمكانيات الهبة ولم تستثمرها. يجب أن نضع الهبة في سياق سيرورات تاريخية متصاعدة لا في سياق "الشرخ" الذي يمكن رأبه ببعض الميزانيات وبعض الافطارات الرمضانية مع رئيس الدولة او أحد الوزراء. لا يجب أن نرى الحدث كحدث شاذ خارج عن سياق "الحياة العادية". إن ازدياد قوة اليمين وازدياد منسوب العنصرية والاضطهاد يحتم علينا تجديد أدواتنا النضالية. وإلا بقينا نواجه وضعا جديدا بأدوات قديمة وبالتالي تصبح الهبة مجرد حدث خارج عن السياق ولم يتم البناء عليه. احياء ذكرى أكتوبر بشكل جدي ومتواصل يجب أن يكون جزءًا من عملية تسييس لجماهيرنا في الوقت الذي تزيد فيه نسبة العنف والإجرام المنظم وتقل فيه نسبة المتعلمين. ولكن يبدو أن الأجهزة الحزبية الحالية غير قادرة على تجاوز نفسها والتطور. وعلينا أن نذكر بأن الأحزاب القائمة في الدول العربية لم تكن عموما الآلية الرئيسية للزخم الثوري ولإطلاق شرارته. لذا من المهم الاستفادة من النفسية والجو اللذين خلقتهما الثورات العربية وهذا لم يحدث حتى الآن. الاحتجاجات الشبابية ضد برافر هي بشارة خير ولكن أعداد المتظاهرين حتى الآن غير كافية لدحر المخطط".