100 يوم على مخيم العودة في كفر برعم

100 يوم على مخيم العودة في كفر برعم

منذ بداية شهر آب من كل عام يقيم أهالي كفر برعم المهجرة مخيمًا صيفيا لأطفالهم يأتون إليه من القرى والمدن التي يعيشون فيها في كل أنحاء البلاد،مثل حيفا المكر الجش الرامة الناصرة عكا كفر ياسيف وغيرها، المخيم كان يستمر عادة لمدة أسبوعين أو أكثر قليلا، هذه المرة ومنذ بداية شهر آب مر أكثر من مائة يوم على العائدين إلى قريتهم، فقد أقاموا مخيم اعتصام بجوار الكنيسة ووضعوا أسرّة في غرف كانت في يوم ما مدرسة القرية حتى عام 1948، هذه المرة أتوا مصرّين على حقهم في العودة إلى قريتهم والإقامة فيها، خصوصًا وكما هو معروف أنه يوجد قرار من محكمة العدل العليا منذ تاريخ الثامن من أكتوبر 1951 يكفل لهم هذا الحق، إذ أصدرت محكمة العدل العليا قرارا تطلب فيه تفسيرًا من حكومة بن غوريون في حينه عن سبب منع أهالي كفر برعم من العودة إلى قريتهم، تلاه قرار في شهر كانون الثاني 1952 يتيح لأهالي القرية العودة الى قريتهم شرط الحصول على تصاريح من الحاكم العسكري، إلا أن الحاكم العسكري رفض إعطاءهم تصاريح دخول، ومن المثير للسخرية أن وزير المالية أن صادر أراضي كفر برعم عام 1953 بحجة عدم استعمالها من قبل أصحابها.

في مخيم العودة التقينا ثلاثة رجال تحت الخيمة  يلعبون الورق، رائد غنطوس، زطام زهرة،والياس ضو. رائد غنطوس في الخمسينات من عمره يعمل ممرضًا مؤهلا في حيفا،بعد الترحيب وفنجان القهوة، تحدث عن مخيم العودة والاعتصام.     
       
«منذ بداية شهر آب من كل سنة نقيم مخيمًا للأطفال يأتون إليه من كل البلاد، أنا هنا منذ شهر آب أشتغل بورديات في حيفا وبعد العمل أعود إلى كفر برعم. إشتراك المعتصمين متفاوت حسب ،خلال الأسبوع يبات هنا من عشرة إلى خمسة عشر معتصمًا وفي نهاية الأسبوع يرتفع العدد ليصل إلى  مائة وأكثر بسبب العطلة، ويأتي الخوري إلى القرية في أيام السبت لإقامة قداس مع أكبر عدد ممكن من الموجودين».

أما الياس ضو ذو الشاربين الكثين الأبيضين فيقول» كان عمري خمس سنوات عندما احتلوا كفر برعم، وعندما أمرونا بالخروج حملني جدي على ظهره حنة وصلنا رميش، ثم عدنا وانتقلنا للعيش تحت الأشجار،الآن أنا هنا منذ 100 يوم، أحقق حلم عودتي الى بلدي.ويضيف» أنا الوحيد من القرية المكتوب في هويتي»مولود كفر برعم».الجميع يكتبون لهم مكان إقامتهم...أنا مكتوب عندي كفر برعم» .

أما زطام زهرة فيقول» كان عمري ثلاث سنوات عام النكبة ولا أذكر بالضبط،أعيش منذ النزوح في الجش، نأتي هنا لنطالب السلطة بحل القضية وليس لقتال الحكومة، نريد حل القضية المستمرة منذ 65 سنة».

بلاغ بالإخلاء
يقول رياض غنطوس» بعد مرور أسبوعين من الاعتصام أرسلوا لنا بلاغ إخلاء علقوه على الشجرة، بدعوى أن ترخيص إقامتنا انتهى، أرسلوه لنا من دائرة أراضي إسرائيل ولكننا دعونا لجنة من المحامين من أبناء القرية ليعملوا على هذا الموضوع، مع الأسف الشديد، المحكمة أصرت على الإخلاء بالضبط في 13-11 وهو نفس تاريخ أمر إخلاء القرية عام 1948 .

بالقرب من  الخيمة أقيم مطبخ وحمام وحنفيات للشرب، وتم  استصلاح غرفة، أما الغرف التي كانت يومًا مدرسة فقد تم ترميمها وهي بحالة ممتازة ووضعت فيها أسرة ينام فيها بعض المعتصمين.

ويقول رياض غنطوس» عدد سكان برعم في البلاد الآن حوالي 3000 نسمة، وجميعهم مترابطون ويشتركون في أحزان وأفراح بعضهم». وعن أمسيات المخيم يقول» كي لا يحدث ملل فنحن نستغل وجودنا هنا لنحول مخيم الاعتصام إلى مكان تثقيفي حيث نقيم ندوات ثقافية ونفجّر الهوايات من رسم وتصوير وشعر، فالمخيم ليس فقط مكانا للنوم والطعام والشراب، وقد استضفنا هنا فنانين وشعراء وأدباء.»

المكان يؤمه السياح يوميا
يؤم السياح المكان المصنف في الخارطة السياحية كحديقة وطنية  بشكل يومي، وخصوصًا أن هناك مزارا رومانيًا يأتي كثيرون لمشاهدته، ويعتبر اليهود أنه كان كنيسًا ولكن أهالي برعم يرفضون هذا الإدعاء ويقولون إنه بناء روماني،لأسباب متعلقة بطريقة بنائه ومدخله باب كبير من ناحية القدس، وهو أمر غريب حيث المفروض أن يكون التوجه في الصلاة نحو القدس ولو كان كنيسا لا يمكن أن يكون التوجه إلى جهة المدخل، كذلك هناك رموز رومانية في البناء نفسه.    

ويقول رياض غنطوس» اليوم( الثلاثاء) تصبحنا ب 50 زائرًا أمريكيا جاؤوا من بيت لحم كان مرشدهم من أبناء كفر برعم ونحن شرحنا لهم وشرح لهم كيف هدمت القرية بالطائرات عام 1953 وذلك بعد صدور قرار المحكمة الذي يقضي بحق عودة أهالي كفر برعم ورأينا الدموع في عيونهم»  .

في حكومة رابين تم تأليف لجنة برئاسة وزير القضاء دافيد ليبائي وكان هناك اقتراح على أهالي كفر برعم بإقامة ما يشبه الموشاب على مساحة 600 دونم، يرجع إليها أرباب الأسر المولودون في كفر برعم مع اثنين فقط من أبنائهم، ولكن الأهالي رفضوا الإقتراح لأن فيه فتنة وفرّق تسد بين أبناء الأسرة الواحدة، فمن يعود ومن لا يعود من الأسرة؟ بعد مداولات عرض الأهالي اقتراحًا على الحكومة بأن يعودوا جميعًا على ال  600 دونم، ودار جدل بين كل أهل البلد بعضهم وافق والبعض رفض ولكن مقتل رابين وضع حدًا للفكرة.»  الأراضي المستغلة من قبل الكيبوتسات المجاورة هي حوالي 1500 دونم والبقية حوالي 11 ألف دونم هي أحراش ومراع.

طلبوا منا إزالة مسكب النعناع...
وبماذا يتوجهون للمواطنين العرب يقول رياض «أول شيء نطلبه هو تكثيف زيارات التأييد والتضامن، أن يأتي الناس ويقدموا الدعم المعنوي فهذا مهم جدًا لنا كي نوصل رسالة لأبناء شعبنا.

ثانيا إذا وصلت الأمور لدرجة إخلائنا بالقوة نريد أن يكون لنا قاعدة واسعة لمقاومة الإخلاء. لقد اقترحوا علينا أن نزيل المباني التي بنيناها، ولكن نحن لم نبن شيئا، ولم نقم سوى الخيام، ولكنهم يريدون أن يبقوا على الوضع القائم كما كان، حتى مسكب النعناع أزعجهم، وطلبوا أن نزيله بحجة أن مسكب النعناع يعني تملك الأرض واستغلالها.

عيادة الدكتور دياب..
رافقني رياض في جولة في أزقة القرية وبين البيوت المهدمة، وهي بيوت جميلة ذات فن معماري رائع، ممرنا بجانب عيادة الدكتور دياب سوسان الذي درس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت قبل عام النكبة ثم رحل بعد النكبة إلى حيفا ومنها الى أمريكا حيث توفي هناك وكانت وصيته أن يدفن في كفر برعم وهذا ما حصل، كذلك مررنا إلى جانب ما كان يومًا (بقالة أبو إيليا).كل واحد من أهل البلد يعرف بيته المهدوم. 
في هذه الأثناء حضر رجل وامرأة وهما سائحان، طافا في القرية ثم عادا إلى الخيمة ليستمعا إلى قصة القرية، وهما مهندسان معماريان مقيمان في ألمانيا، قال المهندس المعماري أن دموعه سالت وهو ينظر الى ما حل بالقرية ويقول « كنت قد قرأت قصتها من قبل ولهذا أتيت الى هنا لرؤيتها عن قرب». يتطور النقاش مع السائحين ليشمل القضية الفلسطينية كلها.

وعن الترميمات القليلة التي يقومون بها يقول غنطوس» نقوم بها في أعياد اليهود كي لا يوقفوا العمل، في احدى المرات واثناء ترميم سطح المدرسة حضروا ومنعونا حتى من أزالة بقايا الباطون عن الأرض». 

بين أهل القرية يوجد تواصل مستمر في الأفراح والأتراح
من المهم أن نعرف بأن أحدا من أهل برعم لم يبع أرضه رغم محاولات عدة ومنها محاولة مع رياض غنطوس نفسه رفضها بغضب.
يتدخل الياس ضو ليقول للسائحين» مؤسسو كيبوتس كفار برعم سكنوا في بيوتنا منذ عام 1948 حتى أتموا بناء الكيبوتس عام 1950 استعملوا البيوت التي كانت ما زالت قائمة.

وعن قصف القرية بالطيران وهدمها عام 1953 يقول الياس ضو» في الجش يوجد جبل الدموع، أطلقنا عليه هذا الاسم منذ وقف أهل برعم على الجبل يبكون وهم يرون الطائرات تهدم بلدتهم.