"عرب ٤٨" يعود إلى أكتوبر ٢٠٠٠: غضب فصدمة فنقمة

"عرب ٤٨" يعود إلى أكتوبر ٢٠٠٠: غضب فصدمة فنقمة

في الذكرى الـ١٤ لهبة القدس والأقصى، وعلى بعد عقد ونصف تقريبًا، حاول “عرب ٤٨” العودة إلى أجواء تلك الأيام المجيدة ونقلها إلى الأجيال الشابة من خلال العودة إلى أرشيف صحيفة تمثل تيارًا وطنيًا كان تشكله قبل الهبة الأعوام مبشراً بتغيير حاصل تحت الأرض في علاقة المواطنين العرب بإسرائيل. هذه الصحيفة هي “فصل المقال”، ومنبر الحركة الوطنية والتي أصدرها التجمع الوطني الديمقراطي بأعوام معدودة قبل الهبة، والعودة اليوم إلى المقالات التي نشرت فيها حينها، يبيّن أن أن المواجهة مع المؤسسة كان قادماً لا محالة وأكبر دليل على ذلك الهبات المحلية التي حصلت قبل هبة القدس والأقصى.

“فصل المقال” وملحقها “المقال في أسبوع” غنية بالمواد التي وثقت تلك المرحلة، ونقلت أجواء الهبة وأحداثها وشهاداتها الحية، وما سبقها وما أتى بعدها. 

ويمكن إيجاز الأجواء تلك الأيام بثلاث كلمات: غضب وصدمة ونقمة. غضب في أعقاب الجرائم الإسرائيلية، فصدمة من حدة الرد الإسرائيلي في قمع "المواطنين" ونقمة على سقوط ١٣ شهيداً.

الهبة لم تأت من فراغ

مراجعة الأرشيف تبيًن أن الحركة الوطنية واجهت حينها محاولات بعض التيارات السياسية في المجتمع العربي والإسرائيلية تحميل الهبة الوطنية مطالب مساواتية واعتبارها حركة احتجاجية بسبب تريد الأحوال الاقتصادية. ومن أهم ما قيل رداً على هذه المحاولات التي روجت بأن الهبة اندلعت من لا مكان وبلا خلفية سياسية، جاء في مقال نشره الدكتور عزمي بشارة، بتاريخ ١٣١٠٢٠٠٠، في “فصل المقال” عن الانتفاضة، حمل عنوان “فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل”، وقال فيه إن “هذه الهبة الوطنية لم تنفجر في لحظة غضب، أو موجة تضامن. فقد سبقها فعل تراكمي يعاد فيه ترميم ما هدمته عملية الأسرلة من هويتنا الوطنية، وقد تجلى ذلك مؤخراً بالإمتناع عن التزين بالأعلام الإسرائيلية في يوم الاستقلال وفي إحياء ذكرى النكبة وباكتشاف الطلبة الجامعيين لهويتهم القومية الوطنية بعد فترة طويلة من فقدان المعنى وبعد فراغ رهيب إذ لم تنجح عملية الأسرلة في ملء الفراغ”. 

البعد القومي السياسي والبعد الهوياتي الفلسطيني كان حاضراً بقوة، وسبق هذه الهبة هبات صغيرة كانت فرصة “استفاق” فيها فلسطينيو الداخل من وهم اتفاقيات أوسلو. فشهدت فترة ما قبل الإنتفاضة مظاهرات طلابية واسعة ورفعت الأعلام الفلسطينية في الجامعات بعد سنوات من الخمول، وتهيئة يعود الفضل فيها إلى التيار القومي الذي أخذ صداه في الشارع يرتفع شيئا فشيئا والتعبئة بالفكر القومي الديمقراطي والإمتداد العربي الفلسطيني والخروج لإسناد الانتفاضة. 

إلى جانب هذا العامل الرئيس لهبة الداخل لنصرة أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، تزامنت عوامل محلية، فسبقها العديد من الأحداث والإحتجاجات التي راكمت لهذه الهبة وعنفوانها، كقضية “عابر إسرائيل” التي أثارت العديد من الردود والعمل الشعبي ضد سلب المواطنين العرب أراضيهم. ففي عدد الصحيفة الصادر يوم ٢٩٩ من العام ذاته، وقبل اندلاع هبة القدس والأقصى بيوم واحد، هاجمت قوات من شرطة إسرائيل خيمة الإعتصام ضد شارع “عابر إسرائيل” في الطيرة، وما كان من شرطة إسرائيل وشركة “عابر إسرائيل” إلّا أن طلبت إزالتها، وعندما رفض القائمون عليها أمر الإزالة، قامت قوات الشرطة باعتقال القائمين على الخيمة. 

وحمل ذات العدد الصادر يوم الجمعة الموافق ٢٩٩، وهو أول أيام الانتفاضة، في صفحته الأولى، خبر قد شدّد بالأصفر مفاده أن “شارون أراد تأكيد السيادة الإحتلالية على الحرم الشريف”، وقال الدكتور عزمي بشارة تعقيباً على الخبر إن شارون “أكد الإحتلال الإسرائيلي واوضح بدخوله الحرم محاطاً ومحمياً من أكثر من ألف شرطي وحارس حدود أنه ضيف غير مرغوب به”. 

كانت هذه الشرارة، شعلة استنفرت على إثرها فلسطين.  

بالتزامن مع ذلك، كانت هناك بؤرة مواجهة مشتعلة أيضًا في شفاعمرو أو في ما يعرف بـ”قضية أم السحالي”، التي هدمت السلطات خلالها بيوت حي أم السحالي جنوب شفاعمرو، وبنيت البيوت من جديد خلال عمل شعبي شارك فيه المئات، بالإضافة إلى هدم بيتين على ما فيهما في حي القبس شمال نحف، ومساعدة شعبية لإعادة بنائها.

وبالوقت ذاته تظاهر المئات من أهالي قرية عين ماهل أمام مكاتب الحكومة احتجاجاً على مصادرة أراضي القرية لبناء حي في نتسيرت عيليت.

شعبنا ارتقى مرحلة

في أول عدد للصحيفة صدر بعد هبة القدس والأقصى وتحديداً في يوم الجمعة الموافق ٦ أكتوبر، اتشحت الصفحة الأولى باللون الأسود وصور الشهداء، وكان العنوان الرئيسي “عشرة شهداء فلسطينيي الداخل ينضمون إلى كوكبة شهداء شعبينا الأبرار”، وكتب تحته: “على مدى سبعة أيام، شعبنا أعزل إلّا من الحجر والدم، يواجه عسكر الإحتلال”.

وحمل “القول الفصل” عنوان “شعبنا ارتقى مرحلة”، ولخص تلك الأيام بالقول: “ارتقينا قليلاً في مدرسة الكفاح المعقد بالدم وبلغنا نقطة اللا رجوع واللا مساومة واللا تراجع واللا بلبلة، يخطئ من يتصور خلاف ذلك”.

وفي خبر آخر جاء أن في تاريخ ٣١٠ أعلن الجولان السوري المحتل إضراباً شمل كافة البلدات السورية في الجولان، وأرفق بمظاهرات غاضبة انطلقت من كافة المناطق والتقت في مجدل شمس، وألقي بيان سياسي يعبر عن الدعم الكامل لانتفاضة فلسطين.

 

وفي ذات الصفحة الأولى نشر خبراً حمل عنوان: “الشاباك… عاد يحرّض على التجمّع”، وجاء فيه: “ووجه قادة ومسؤولين في جهاز “الشاباك”، أصابع الإتهام إلى التجمع وقيادته السياسية وكوادره في المدن والبلدات العربية، وأكدت هذه الأجهزة أن “التجمع الوطني الديمقراطي”، برئاسة النائب عزمي بشارة، كان النشيط نسبياً في هذه الأحداث، وقد “رأينا نشيطين مركزيين في التجمع في قرى كثيرة يثيرون الجمهور ويدعون إلى التصادم مع الشرطة”. 

وكتب الأمين العام للتجمع عوض عبد الفتاح، مقالاً في العدد ذاته جاء فيه: “يوم الإثنين الماضي، ورداً على سؤال وجهته الإذاعة العبرية إلى مراسلها على مداخل مدينة أم الفحم، حول سبب وجود قتلى. أجاب أن هناك أوامراً للقناصة باستهداف كل من يرونه محركاً ومحرضاً في الميدان.. وبين المتظاهرين”.

أمّا الصفحة الثانية، فقد طغى عليها السواد والمظاهرات وأسماء الشهداء وصورهم. ورثاء حسن عاصلة لابنه الشهيد أسيل، والمطران إلياس شقور، مدير الكلية التي كان يدرس فيها الشهيد، بالإضافة إلى بيان أصدره التجمع الوطني الديمقراطي تحت عنوان “بيان الغضب الساطع”، يدعو لضرورة عدم ضياع انجازات هذه الإنتفاضة، وترجمتها سياسياً إلى مشروع وطني شامل تلعب فيه الجماهير العربية دوراً سياسياً.

واتسّمت العناوين بالسواد في هذه الصفحة فكانت على النحو التالي: “أم الفحم تودع أول الشهداء”، “كفرمندا تودع جثمان شهيدها رامز بشناق”، أبناء الجليل يعاهدون والدي أسيل وعلاء في عرابة”، “شهيدا القدس ينضمان إلى شهداء يوم الأرض في سخنين بلد الشهداء” والآلاف في تشييع جثمان الشهيد رامي غرة في قرية جت المثلث”. 

ونقلت الصحيفة في عددها الأول الصادر بعد اندلاع الهبة، مقالاً لأستاذ التاريخ المناهض للصهوينية، أمنون راز، مفاده أن “إسرائيل قد أعلنت حرباً على الشعب الفلسطيني، توجد بالطبع فوارق، لكن الحدود تشوشت وشروط الواقع توضحت”. وكتب فيه: “توجد بالطبع فوارق، لكن لا يوجد أي فرق في الإستهانة المطلق بحياة الإنسان، في تعريف الطرف الآخر كعدو”.

وكتب في ذات المقال عن الصحافة العبرية أنها “لا تأبه بالضحايا العرب”، وقال “لا أسماء للضحايا العرب في الصحافة الإسرائيلية”. 

وعن اليسار الإسرائيلي يقول راز إن “اليسار الإسرائيلي يحاول تحميل شارون كامل المسؤولية، لكن هذا بعيد عن الصدق. شارون هو استفزازي حقاً، مع إيصالات كثيرة على قتل الأبرياء، لكن السياسة تنفذها حكومة العمل بدعم كامل من ميريتس”. 

ويتابع: “المجموعات التي تقف على يسار ميريتس مبعثرة، ولا توجد حركة عربية يهودية فعلية، في الحقيقة أنه لا يوجد تضامن، لم ننجح في إقامة جبهة يهودية حقيقية تعبر عن تضامنها المطلق مع الشعب الفلسطيني في نضاله. حتى الجبهة (حداش) لم التي تتطلع إلى لأن تقدّم نفسها كحركة عربية - يهودية، لم تخرج عن هذا الإجماعي (الإسرائيلي)، صحيح أنها نظمت مظاهرة في تل أبيب، لكن أعضائها صمّموا على رفع علم إسرائيل في اليوم الذي يذبح فيه هذا العلم المواطنين الفلسطينيين، وأتوقع أن تخرج أصوات من داخل (الجبهة) ضد السلوك المخجل للقيادة”.

وأنهى راز مقاله الذي انتشر والشارع يلتهب، بقوله: “بعد إزالة القناع عن وجه اليسار الحقيقي، من المتوقع أن تتوصل أوساط أوسع لحساب النفس. وفهم أسس المساواة والديمقراطية المطلوبة لكل إتفاق، هذا لن يعيد الضحايا الأبرياء، لكن ربما يكون الإنجاز الأكبر في نهاية المطاف. وأخيراً يوجد سؤال فلسطيني واحد وعام وليس مواضيع منفصلة عن بعضها”. 

وسيطرت مربّعات النعي والتعزية على الكثير من صفحات الصحيفة، أسماء الشهداء وصورهم وأهلهم وكيف ودّعت والدة الشهيد رامي حاتم غرة بقولها والدموع تزرف بقولها “راح الولد والسند” والنعش المحمول على الأكتاف ينزل درجات المنزل إلى مثواه الأخير. 

وكتب نضال وتد، أن رامي غرة “سقط في هبة القدس والأقصى وسبقه إلى الشهادة قبل خمسة سنوات بالتمام والكمال وبرصاصة غادرة جائته من الخلف الاستاذ المرحوم أحمد محمد صالح وتد، وقد ألقمه قناص إسرائيلي رصاصة الشهادة وهو يجلس في المقعد الخلفي لسيارة أخيه. ويومها اعترف جيش رابين بأن الشهيد قتل بطريق الخطأ… يا لها من إنسانية مفرطة”.

أمّا الملحق الخاص وبالسواد قد عنونته فصل المقال:“لن نغفر ولن ننسى، ندفن أمواتنا وننهض شعباً واحداً يضرب جذراً في الأرض الطيبة”. 

وانتشرت الصور في الصفحة الثانية تحت عنوان “قنّاصة باراك وبن عامي يغرقون مظاهرات شعبنا الاحتجاجية بالدم متعطشين للقتل اندفعوا يشيعون الإرهاب في مدننا وقرانا ولم ينج من عدوانهم حتى الأطفال والنساء”، أمّا الصفحة الثانية فكتب فيها وسط صور المظاهرات “مسيرات وتظاهرات ومواجهات في يوم القدس والأقصى في جميع التجمعات السكّانية العربية الفلسطينية في إسرائيل”.

وبين صور الشهداء والجنازات في الصفحة الأخيرة كُتب “دم الشهداء يضيء فجؤ غدنا الآتي ويكشف عن دمويتهم”.

“يجتمعون بباراك قبل الدفن”

وفي الصفحة الرابعة، كان الهجوم شرساً على من التقى بالمسؤول عن قتل أبناء الشعب الفلسطيني، فكان العنوان “يجتمعون بباراك قبل الدفن”. فقد قاطعت قيادة التجمع والنائب عزمي بشارة اللقاء مع رئيس الحكومة حينها ايهود براك، فيما شارك في الاجتماع معظم ممثلي الأحزاب العربية آنذاك وعدد من رؤساء السلطات المحلية العربية بزعم “تهدئة الخواطر وحقنًا للدماء” على الرغم من أن الشرطة كانت لا تزال منتشرة في البلدات العربية وتقنص المتظاهرين ويتواصل سقوط الشهداء، إذ سقط ٣ شهداء بعد الاجتماع.

وكتب في فصل المقال: “في حين كانت جماهيرنا تعد العدة لدفن شهدائنا الخمسة، كان زعمائنا يجلسون مع باراك، وهوجم كل من محمد زيدان رئيس لجنة المتابعة والوفد الذي شاركه زيارته لباراك قبل دفن الشهداء”، وسئل السؤال: “ولو يا زعامة ألم تستطيعوا الإنتظار يوماً واحداً لنواري جثامين شهدائنا تراب الوطن الذي سقطوا لأجله؟”.

ونقلت الصحيفة عن رئيس “المتابعة” ورئيس مجلس كفر مندا حينها، محمد زيدان، قوله إن باراك اصدر تعليماته بسحب القوات من البلدات العربية وما هي إلا مسألة يوم أو يومين وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي.

وكتب د. جمال زحالقة، عضو المكتب التنفيذي للتجمع حينها ورئيس كتلته البرلمانية اليوم: “انطلقت الجماهير ليس بدافع اليأس كما يقولون، بل يملؤها الغضب على منظر طفل يقتل في حضن أبيه، ومصلين يغتالون في عز الظهيرة… انطلق أبناء فلسطين أينما تواجدوا، وهذه المرة بكثافة أكثر وبإصرار وتصميم لم يسبق لهما مثيل في تاريخ فلسطين، من حيث الشمولية والامتداد الجغرافي”

ونشرت الصحيفة مقالاً كتبه أحد مؤسسي التجمع حينها النائب باسل غطّاس، تحت عنوان “حتى لا يذهب الدم الشهداء شدى”، جاء فيه: “وأخيراً محا الدم الفلسطيني المسفوك في أرجاء الوطن الخط الأخضر”!، تطرّق فيه غطّاس إلى الإنجاز الأكبر للهبة، وكتب: “ولنعلم جميعاً أنه أول مكسب حققه دم الشهداء وليس بعض الثواني التي حصلنا عليها في شبكات التلفزة”.

وكتب زياد شليوط، “عوراتنا في المجزرة” ناقداً ما اختار لهم اسم “الوجهاء”، وهم رؤساء المجالس المحلية، ووجهاء التواصل مع باراك، وقال إنهم باعوها وضيعوها.  

وفي العدد الصادر يوم ١٣١٠، كتب عزمي بشارة مقالاً قال فيه: “شعب كامل في الشوارع يرفض التسويات ويحمي وطنه”، وقال بشارة إن “الشعب الفلسطيني لم يقف مثل هذه الوقفة على أرضه لا في العام ١٩٤٨ ولا بعده، إنه شعب كامل في الشوارع مصمم على رفض فرض التسويات غير العادلة ويحمي وطنه يحمي ذاته بذاته”.

وأضاف بشارة: “هذا هو اليسار الصهيوني، وهذه هي قوى السلام الإسرائيلية التي تحوّل السلام والحرب إلى وجهين لنفس العملة”.

ولم تخل الأعداد من الهجوم على العرب المنتسبين للأحزاب الصهيونية حينها، فكتب الصحافي هاشم حمدان رسالة إلى نواف مصالحة، كان عنوانها “هل نحمل جثثنا عربوناً لصداقتهم”؟، وكان نقداً على بقاء مصالحة في منصبة وكونه واجهة عربية لوزارة ما كان من حمدان إلّأ أن نعتها “هكذا وزارة”. 

ما بعد الهبة، ومحاولات حماية دماء الشهداء من الإلتفاف عليها عبر التعايش الزائف

وأخذت القوى السياسية بما فيها التجمع الوطني الديمقراطي، تحذّر من الالتفاف على دماء الشهداء. وحملت المادة عنوان “تحذير من الإلتفاف على دماء شهداء الانتفاضة تحت ذريعة التعايش”، وكان نص الخبر بيان قد أصدرته قوى وطنية وسياسية وشعبية في منطقة البطوف، رفضوا من خلاله كل محاولات السلطة الالتفاف على الانتفاضة وحذروا من خيم التعايش، التي بدأ البعض في إقامتها للإلتفاف على دماء الشهداء من خلال تعايش الزعتر والمناقيش، وشدّدت القوى الوطنية على شعار “العيش قبل التعايش”، وهو شعار أرادوا من خلاله عدم ضياع دم الشهداء، من خلال تحايل السلطة التي قتلتهم. 

وكتب بشارة مقالا آخر في العدد نفسه، عنوانه كفيل بأن يشرح المستقبل تحت عنوان “فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية”، وقال “إن هذه الهبة الوطنية لم تنفجر في لحظة غضب، أو موجة تضامن. فقد سبقها فعل تراكمي يعاد فيه ترميم ما هدمته عملية الأسرلة من هويتنا الوطنية، وقد تجلى ذلك مؤخراً بالإمتناع عن التزين بالأعلام الإسرائيلية في يوم الاستقلال وفي إحياء ذكرى النكبة وباكتشاف الطلبة الجامعيين لهويتهم القومية الوطنية بعد فترة طويلة من فقدان المعنى وبعد فراغ رهيب إذ لم تنجح عملية الأسرلة في ملء الفراغ”.

وتابع في ذات المقال عن الهبة وقال إن “الهبة الوطنية كنست حتى جيوب الذل والهوان ومنحت الهوية الوطنية صلابة وزخماً نحتاج في الحياة العادية سنوات لمراكمتها. وقد ظهرت وحدة الأقلية القومية العربية القومية كوحدة شعبية لم نعهدها في السابق، وذلك ببروز مظاهر التضامن بين القرى والمدن وبين الجماعات التي يتألف منها هذا الشعب، كما عززت الانتفاضة الأخيرة الروابط الوطنية والإنسانية بين أبناء الشعب الواحد على جانبي الخط الأخضر”. 

و”يسار القطيع”، كان عنوان مقالة نشرها د. محمود محارب، نشر من خلالها أربعة مميزات لليسار الإسرائيلي خلال الهبة، كانت أولها أنه “يسار بدون قيم يسارية”، وثانياً إنه “يسار يرى نفسه جزءا من (الإجماع القومي) العنصري ولا يريد أن ينتقد أو يتمرد على هذا الإجماع، إنه يسار يسعى إلى الإجماع مع اليمين في (حكومة طوارئ) ضد الشعب الفلسطيني الأعزل من السلاح” وثالثاً إنه “يسار كولونيالي، يسار اشكنازي يعتقد ويزدري كل ما هو ليس غربياً، إنه متغطرس هو الذي يعرف ليس فقط ما هو جيد لنفسه وإنما (يعرف) ما هو الجيد للعربي، عقليته الإستعلائية تمنعه من فهم الآخر”، ورابعاً إنه “يسار غني وشبع حتى التخمة. قاعدته الطبقة الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيلي، غير حساس وإطلاقاً لدمار الفلسطينيين، لكنه حساس جداً لدمائه هو ومصالحه الإقتصادية”. 

وكتب فارس الجليلي، “عيوبنا بعد المجزرة”، منتقداً من قاموا باستثمار الهبة لمصالح ذاتية قبل أن يجف دم الشهداء، وكان القسط الأكبر من النقد على التعايش، ومبادرات “الصلحة العشائرية” التي لا ترقى إلى حجم الهبة.  

وكان العدد الصادر في تاريخ ٢٧١٠ من العام ٢٠٠٠، يحمل أصواتاً في غاية الوضوح، فكتب يونس العموري، “ما بدنا طحين ولا سردين..!” ناقلا لسان حال الشارع الفلسطيني، وكتبت إيناس عودة حاج، “لكي لا يذهب الدم هدراً” متطرّقة إلى محاولات السلطات الإسرائيلية وأعوانها احتواء الانتفاضة وتحويلها إلى هبة مطلبية.

لم تكن نهاية المظاهرات وهدوء الشارع النهاية، فانفلت المستوطنين وقطعان اليمين على المواطنين العرب والقرى والمدن العربية، فهوجم الحي الشرقي في الناصرة من قبل أوباش العنصرييين في نتسيريت عيليت، ووزع اليمين منشورات في العفولة ومجدال هعيمك وبعض المدن اليهودية تحريضية على الناصرة مما أدى إلى هجومهم على الحي الشرقي، وقاطع المواطنين اليهود في عكا سائقي سيارات الأجرة العرب. 

وتشكّلت كرداً على اعتداءات قطعان المستوطنين واليمين، في بعض البلدات العربية، لجان حماية وحراسة.

وبدأت ادعاءات الشرطة لتبرير فعلتها، وتبرير موجة الإعتقالات التي ستقوم بها، فادعت الشرطة ان الشباب الغاضب استعمل الرصاص، واعتبر المرحوم، المحامي رياض أنيس هذا الإدعاء ذريعة بهدف الإعتقالات، وقال الأنيس حينها لـ”فصل المقال” إن “عدد المعتقلين في لواء الشمال وحده يعد بالمئات، ومن المتوقع أن تكون حملة اعتقالات وإن النية متجهة لاعتقالات أكثر تضاف إلى المئات بغية دب الرعب في نفوس الجماهير”.

وأضاف في حينها لـ”فصل المقال” إن “الجميع مجنّد ضد الأقلية العربية ابتداء من القاضي مروراً بالمحقق وانتهاء بالشرطي”.

وحملت الشرطة لوائح بأسماء الشباب وتربصت لهم على مداخل ومخارج المدن العربية، وشنت السلطات حملة اعتقالات في كفركنا والمثلث والناصرة وكافة البلدات العربية.


#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية