حيفا: حنا أبو حنا يستذكر الحياة الثقافية قبل النكبة

حيفا: حنا أبو حنا يستذكر الحياة الثقافية قبل النكبة
عن فعالية ثقافية في حيفا قبل النكبة

تميّزت مدينة حيفا، وهذا ما يدّل عليه تاريخ صحفها ومثقّفيها، وعلى مر السنين والمراحل التي عاشتها وعايشتها، بحراكها الثقافيّ النشط ليس فقط على الصعيد الفلسطيني، بل على الصعيد العربيّ أيضاً، وساعدتها سكة القطار لتوصل مثقّفيها إلى العالم العربيّ، ولتوصل مثقّفي العالم العربي إليها، خصوصا قاصدي لبنان، فشكّلت حيفا محطّة لهم.

ووصلت 'النفائس العصرية' التي صدرت من حيفا للأميركتين الشمالية والجنوبية، وكانت صحيفة 'الكرمل' الثالثة على مستوى العالم العربي فشكّلت حيفا محوراً ثقافياً مقاوماً لم ينفصل يوماً عن العمل السياسي والنضالي، بل كانت مكملاً له، فاستطاع أن يكون حاضراً وبقوة في فلسطين والوطن العربي.

ولم يكن هذا الحراك الثقافيّ يوماً خارج الصراع السياسي، بل ارتبط بالسياسة والعمل السياسي بصورة مباشرة، فعانى روّاد هذا الحراك كالصحافي والكاتب نجيب نصّار من الاعتقالات والملاحقات بسبب نشاط ثقافي كان يسعى وما زال ليكون عوناً ومكمّلاً للعمل السياسي ممّا يجعلهم مثقّفين متكاملين.

وفي حديثه مع موقع عــ48ـرب، قال الشاعر والأستاذ حنّا أبو حنّا إن الإعلان عن الدستور العثماني إثر ثورة تركيا الفتاة وعزل السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1908، شكّل نقطة مفصلية في تاريخ الثقافة العربية عموماً، وأعطى قدراً من الحرية للصحافة والتعبير في ولايات الدولة المختلفة، ولم تكن حيفا خارج هذا التأثير. فمباشرة وبعد إعلان الدستور شهدت حيفا حدثين ثقافيين مهمين على الصعيد العربي، وهما تأسيس صحيفة 'الكرمل' لصاحبها ومحررها شيخ الصحافة العربية، نجيب نصّار، ومجلة 'النفائس العصرية'، التي أصدرها الكاتب خليل بيدس، وكلتاهما انطلقتا مباشرة في العام 1908 ممّا يدل على التعطّش الذي ساد قبل هذا الإعلان. وكان وضع الثقافة العربية كما وصفه أبو حنّا بقوله إن 'الصحافة قبل العام 1908، لم تكن موجودة أصلاً في حيفا على الصعيد العربي ككل'. 

لا يمكن الحديث عن الحياة الثقافية في مدينة حيفا قبل النكبة دون التطرّق لأهمية جريدة الكرمل، التي كانت الصحيفة الثالثة في العالم العربيّ ككل، ومؤسسها نجيب نصّار الذي استطاع شراء أول مطبعة صحف في فلسطين في العام 1909، وسميت، في حينه، باسم مطبعة 'الكرمل'، على اسم الصحيفة ذاتها، وكانت 'الكرمل' الصحيفة الأولى التي حذّرت من خطر الحركة الصهيونية.

استطاع نصّار من خلال كتاباته في الكرمل، أن يكون أول المحذّرين من خطر الصهيونية في فلسطين، وقال أبو حنّا، إن 'مقالات نصّار اختصّت بملاحقة سماسرة الأراضي وبيع الأراضي لليهود بشكل عام، وتهاجم الصهاينة بشكل مستمر، وحتى أنها استطاعت أن تؤجل بناء معهد التخنيون لمرّات عدة لما قامت فيه من مساهمة في كشف المخطّط والنوايا الصهيونية'. 

لوحق نصّار على يد العثمانيين والألمان، فتوقفت 'الكرمل' عن الصدور عدة مرّات لأسباب مختلفة منها الماديّة وملاحقة رئيس تحريرها، واستمرت بالصدور بصورة متقطّعة حتى يوم الثاني من آب (أغسطس) 1941 وهو عددها الأخير الذي يحمل الرقم 3421. أما صاحبها ومؤسسها فتوفي في 3 آذار(مارس) من العام 1948، قبل أن يرى نهاية مسلسل نكبة وطنه وشعبه. ودفن في مقبرة الروم الأرثوذكس في الناصرة، والواقعة قريبا من المسكوبية.

أمّا الحدث الثاني الذي شهدته المدينة، ولا يقل أهمية عن 'الكرمل'، فهو صدور المجلة الأدبية 'النفائس العصرية' في حيفا عام 1908 أيضاً، على يد الأديب والكاتب، خليل بيدس، الذي ولد في مدينة الناصرة وانتقل إلى حيفا فيما بعد. وكانت نفائس حيفا العصرية، صرحاً أدبيا ومرجعاً في غاية الأهمية لمن يدرس الحياة الأدبية في فلسطين في تلك الفترة عموماً. صدرت في حيفا مرة بصورة أسبوعية وكان شعارها 'فكاهية أدبية' تخصّصت بالفن القصصي، وبقيت تصدر في مدينة حيفا لمدة سنتين من تأسيسها فقط.

انتقل بيدس في العام في العام 1911 إلى القدس بهدف التدريس في مدرسة المطران، ونقل معه 'النفائس العصرية' من حيفا إلى القدس.

وعنها يقول أبو حنّا إن 'النفائس العصرية استطاعت أن تصل بلدانا عديدة في أوروبا وأميركا اللاتينية، وساعدها على ذلك الصفحة الأخيرة التي كُتب عليها اشتراكات القرّاء وأماكن تواجدهم، مما جعلها تنتشر بشكل أكبر بين القراء فتواصلوا من خلالها وأهدوها الواحد للآخر عبر القارات'.

وأضاف أبو حنّا أن 'بيدس كان خرّيج الكلية الروسية، ممّا ساعده على ترجمة رواية روسية مع كل عدد يصدر للنفائس، فأضاف هذا للنفائس قيمة إضافية. أمّا أهم المشاكل الاجتماعية التي عالجتها المجلة فكان الهجرة العربية من البلاد وأثرها على المهاجر ذاته ووطنه'.

ولا تقل أهمية دور بيدس عن مجلته 'النفائس العصرية'، فكان بيدس من أكبر المحرّضين على الانتداب البريطاني، وكان من روّاد الدعوة للانتفاضة على الانتداب البريطاني عام 1919، وهكذا شكّل بيدس نموذجاً للمثقّف الذي ربط العمل السياسي بالأدبي، واعتبرهما مكمّلين الواحد للآخر.

وحُكم بيدس بالإعدام بسبب دعوته للانتفاض ضد الانتداب، وخفّض الحكم بسبب تدخّل كبار رجال الدين الأرثوذكس إلى 15 عاماً بدل الإعدام. قضى منها أربعة أعوام، ثم هُجّر على يد القوات الصهيونية من مدينة القدس، ومات في الأردن مطلع العام 1949 أي بعد نصف عام من نكبة بلاده وتهجيره.

ولا بد هنا الإشارة أيضًا إلى صحيفة 'الاتحاد' الناطقة باسم الحزب الشيوعي والتي صدرت في 14 أيار 1944 وكان محررها المسؤول المؤرخ إميل توما وكانت حينها الناطقة باسم عصبة التحرر الوطني.

طلائع النهضة الفلسطينية الذين عاشوا في حيفا:

لم تقتصر الحياة الثقافية في مدينة حيفا قبل النكبة على الإصدارين المهمين والمؤسسين لهما نصّار وبيدس، وقال أبو حنّا إن 'حيفا شكّلت أيضاً مكاناً توافد إليه العديد من الشعراء المهمين في تلك الفترة لجمالها وموقعها وسط العالم العربيّ، وكان من بينهم الشاعر الكبير عبد الكريم الكرمي الملقب بـ أبو سلمى، الذي ولد في مدينة طولكرم وانتقل في العام 1943 إلى مدينة حيفا، وافتتح فيها مكتب محاماة عمل من خلاله في الدفاع عن الفلسطينيين خلال الثورة الفلسطينية، وأصبح في إحدى المراحل من أشهر المحامين الفلسطينيين وأكثرهم نشاطاً في أروقة المحاكم وميادين الثقافة الحيفاوية'.

هجّر أبو سلمى خلال نكبة مدينة حيفا عام 1948، مع أهلها إلى دمشق حيث عمل هناك في وزارة الإعلام السورية.

وكان قد أسس أبو سلمى وصديقه القريب، المحامي حنا نقارة، النادي الأرثوذكسي في مدينة حيفا، الذي أضحى بعذ ذلك النادي الملّي الأرثوذكسي الوطني، وشكّل داعماً ومسانداً لقضايا حيفا قبل النكبة وبعدها، ويستمر بالعطاء حتى يومنا هذا.

وبالإضافة إلى الشاعر الكبير أبو سلمى، عاش في مدينة حيفا أيضاً قبل النكبة الشاعر حسن البحيري، الذي وُلد عام 1921 في حي وادي النسناس القائم حتى يومنا هذا. وقال أبو حنّا إن 'البحيري قد عانى من طفولة صعبة، واضطر للإقامة في إسطبل للدواب بعد أن رفض زوج أمه أن يعيش سوية معهم في البيت، فأرسلته أمه إلى ملجأ للأيتام في المدينة'.

ألّف البحيري في مدينة حيفا كتابين: الأول هو الأصائل والأسحار (1943)، وأفراح الربيع (1944)، وفي العام 1946 ألف ديوانه الأخير في حيفا تحت عنوان 'ابتسام الضحى'. وقام بطباعة هذه الدواوين في القاهرة، وما كان يملك فلسا واحدا، سوى ما حصل عليه دعما من رشيد الحاج إبراهيم وشاعر مصر أحمد رامي الذي تلطف وكتب له إحدى مقدمات ديوان من هذه الدواوين.

عمل البحيري في محطة القطار الشرقية لمدينة حيفا، القريبة من وادي الصليب، وأقام فيه. وقال أبو حنّا إن 'ظروف عمل البحيري في سكة القطار جعلت من زيارته للبلدان العربية كمصر ودمشق سهلة وكثيرة ممّا ساعده على نشر دواوينه الشعرية'. وفي العام 1948 هُجّر مع عائلته إلى دمشق حيث عمل مراقبا في القسم الأدبي للإذاعة السورية، وألّف في العام 1973 ديوان 'حيفا في سواد العيون' ومن ثم عمل مديرًا للبرامج في الإذاعة، وتوفي في دمشق في العام 1998.

ولم تكن حيفا عنواناً للعديد من الشعراء والأدباء من فلسطين فقط، فقد سكن فيها أيضا الشاعر والمحامي اللبناني الأصل وديع البستاني، وهو من أكبر أدباء عصره. وبعد أن قام بجولة في الهند وبعض الدول الأوروبية، كان قراره بالاستقرار على شاطئ حيفا الغربي.

وعن ذلك يقول أبو حنا إن لوجود البستاني في حيفا أثرا كبيرا على الثقافة العربية الفلسطينية والعربية بسبب معرفته بالعديد من اللغات وترجماته الكثيرة والوفيرة، وألف من شاطئ حيفا الغربي ديوانه الشعريّ المعروف عن فلسطين تحت عنوان الفلسطينيات في العام 1946.'

لم يهجّر البستاني مع أهالي حيفا، وبقي فيها، واستذكرالشاعر أبو حنّا في حديثه مع 'عرب 48' العام 1953، وقال 'إن البستاني حضر في بداية العام 1953 إلى مكاتب جريدة 'الاتحاد'، وطلب أن يجتمع بمحامي الأرض، حنّا نقارة وهيئة تحرير صحيفة الاتحاد في وادي النسناس، وعندها قال 'لم أعد استطيع تحمل الحياة في فلسطين بعد نكبتها، وأود أن أكتب وكالة بتسليم بيتي الكائن عند الشاطئ الأزرق مقابل مقام الخضر للكنيسة المارونية'. وفعلا، بدأت تشرف المطرانية المارونية بحيفا على البناية، وجلعت مكاتبها فيها. وجدير ذكره أن هذه البناية قام بتصميمها ووضع خرائطها ابن عم وديع البستاني المهندس إميل البستاني أحد مؤسسي شركة الكات إلى جانب رفيقيه حسيب الصباغ وكامل عبد الرحمن. وإميل البستاني أصبح فيما بعد وزيرا للأشغال العامة في لبنان، ولقي مصرعه في حادث تحطم طائرته فوق البحر الأبيض المتوسط أثناء تفقده آثار هزة أرضية ضربت سواحل لبنان.

أمّا المسرح، فلم يكن خارج الحياة الثقافية الكثيفة والمهمة هذه، فكان حاضراً بقوة من خلال الأديب الفلسطيني الحيفاوي، جميل البحري، الملقب بأبو المسرح. ولد البحري في مدينة حيفا عام 1898، وأنشأ في العام 1921 مجلته الأدبية 'زهرة الجميل'، وفي العام 1922 أي بعد عام واحد من ظهورها غيّر اسمها وحولها إلى صحيفة أدبية تحت عنوان 'الزهرة'. واستمرت 'زهرة' البحري بالصدور حتى العام 1930. حين قُتل طعناً على يد شخص في مدينة حيفا، على خلفية قضية خلافية حول ملكية أرض مقبرة في حي العتيقة 'محطة الكرمل' وهي تابعة للطائفة الكاثوليكية، وقال أبو حنّا أثناء المقابلة، إن 'القضية أذيعت على أنها قضية طائفية، منعاً وحقناً للدماء إلّا أنها في الحقيقة هي سياسية تستّر عليها الوجهاء في مدينة حيفا'.

ترجم البحري العديد من الأعمال، وكتب قرابة الـ12 مسرحية نشرت بعض منها في القاهرة وبيروت.

استطاع البحري استضافة العديد من نجوم العالم العربي في مدينة حيفا، واستضافتهم الرابطة الأدبية التي أسسها البحيري، فكان له الدور الأكبر في أن تكون حيفا مدينة عربية رائدة في مجال الثقافة. وقال أبو حنّا إن 'وجود الرابطة التي أسسها البحيري شكّل عنواناً في المدينة يدعو مثقّفي وفنّاني العالم العربي إليها والعكس من حيفا للعالم العربي'.

الزيارات

استطاع البحري، من خلال الرابطة الأدبية التي شارك في تأسيسها، استضافة العديد من الأدباء والفنانين العرب في حيفا، وجعلها مدينة عربية ثقافية مركزية. إلى جانب ذلك، استضاف عميد المسرح الحيفاوي الفنان القدير إسكندر أيوب بدران صديقه عميد المسرح العربي يوسف وهبي في حيفا ضمن سلسلة عروض أجراها في الوطن العربي، وأرسل للرابطة تلغراف يعلن فيه عن جولة العروض الأولى من نوعها لفرقته 'رمسيس' في العام العربي، وسيبدأها من حيفا فعرضت الفرقة على مسرح عين دور، الذي كان قائماً في حيفا.

وخلال زيارة أم كلثوم للبنان توقفت في فلسطين، وأرسلت الرابطة دعوة تدعوها فيها للغناء في حيفا، فلبّت أم كلثوم الدعوة، وغنّت على خشبة مسرح 'الانشراح' في المدينة.

أمّا المفاجأة الكبرى والتي توالت عليها التأكيدات فهي أن 'أم داوود'، وهي سيدة من طيرة حيفا، هي من أطلق على أم كلثوم لقب 'كوكب الشرق'. وفي حينه، وقفت أم داوود وصعدت على المسرح وقالت لأم كلثوم 'أنت كوكب الشرق'، والتصق اللقب في أم كلثوم منذ حفلها في مدينة حيفا عام 1928.

يذكر أن أم دوود هجرت من طيرة حيفا، وتوفيت لاحقا في مخيم اليرموك.

>> عودة إلى 'ملف حيفا'

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


حيفا: حنا أبو حنا يستذكر الحياة الثقافية قبل النكبة

حيفا: حنا أبو حنا يستذكر الحياة الثقافية قبل النكبة

حيفا: حنا أبو حنا يستذكر الحياة الثقافية قبل النكبة