الحاجة أديبة شقير تروي ذكريات النكبة بكفر عنان

الحاجة أديبة شقير تروي ذكريات النكبة بكفر عنان
الحاجة شقير: "سنة الـ 48 أجو علينا أهل عيلبون هاربين..."



كفرعنان، هي واحدة من القرى الفلسطينية المدمرة في منطقة الجليل التي هجر أهلها على أيدي العصابات الصهيونية المسلحة عام النكبة 1948، وأقيمت مكانها بعد عدة أعوام مستوطنة 'كفار حنانيا'.

قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1948 (418) نسمة، وبلغ مجموع اللاجئين من هذه القرية عام 1998 حسب الإحصائيات نحو (2565) نسمة.

ويروي عدد من كبار السن من مهجري القرية أن 'القوات الإسرائيلية المسلحة طردت في الأول من شباط 1949 من تبقى في القرية، حيث لجأ قسم منهم إلى لبنان وقسم إلى الضفة الغربية والمثلث والبعض إلى القرى العربية المجاورة مثل المغار والرامة ومجد الكروم وغيرها'.



ينابيع وآبار تمد السكان بمياه الشرب

هي تحريف لكلمة (عنان) العربية بمعنى السحاب، تقع إلى الشمال من مدينة عكا على بعد 33 كم منها وترتفع 325 م عن سطح البحر،  تبلغ مساحة أراضيها (5827) دونما. تحيط بها قرى فراضية والرامة والمغار، ضمت القرية خربة الشبا وخربة زيتون الراق وتحويان بقايا أبنية وجدران وصهاريج وقبور وغرف محفورة في الصخر.
 
كانت هذه القرية قائمة على المنحدرات السفلى لجبال الزَبول، في المكان الذي تتلاشى هذه الجبال فيه جنوباً لتصبح سهل الرامة، كانت الينابيع والآبار تمد سكان القرية بمياه الشرب. وكانت مياه الأمطار المصدر الأساسي للري، والحبوب والزيتون المنتوجات الرئيسية.

الحاجة أديبة شقير وذكريات الطفولة في كفر عنان

'عرب 48' التقى الحاجة أديبة شقير والتي تسكن مع أقاربها في قرية الرامة، تجاوزت الثمانين عاما وتأبى نسيان النكبة، تسرد لنا ذكرياتها من أيام طفولتها وسني حياتها التي قضتها في قرية وادعة اعتمدت على الزراعة وتربية المواشي. 

تقول الحاجة شقير إن 'مساحة أراضي البلدة كانت واسعة جدا، الأرض كانت خصبة، المناطق القريبة كانوا يزرعها الأهالي بالبندورة والخيار والفقوس، والبعيدة يزرعوها قمحا وشعيرا وعدسا، وغيرها.

وتضيف: 'كانت المي تيجي من قرية فراضية فوقنا وتصب عنا بمنطقة بين فراضية وكفرعنان اسمها الجوابي، هاي الجوابي عايشه على الري، وكنا دائما نزرعها أشجار وخضار. تحت البلد كانت في منطقة اسمها الدندانة وكرم حسان وكمان هاي المنطقة كانت على الري. المي الفايضة كنا نحطها بمجمّع مياه اسمه السيح وهناك نسقي الطرش ونسبح ونغسل'.

شقير: حملونا ورمونا على ساحة العين بمجد الكروم

وتضيف الحاجة شقير: 'سنة الـ 48 أجو علينا أهل عيلبون هاربين، إحنا نزلنا وصرنا نجبلهم خبز وطبيخ وميّ. قسم منهم كمّل على لبنان وقسم قعد كم يوم تحت الزيتون وعنا في بيوتنا. بعد ما أطلعوا أهل عيلبون بسبع أيام تقريباً أطلعوا أهل كفر عنان. بقي بالبلد بعض العائلات والختيارية. أما أنا وأخواتي وأمي طلعنا كام يوم على عين الأسد، ورجعنا بعدها على كفر عنان عن طريق البيادر'.

بعد حوالي أربع أو خمس أشهر تواصل الحاجة شقير سردها 'أجا الجيش علينا وقال تعالوا بدنا نعطيكم هويات. تركنا بيوتنا مفتوحة وطلعنا على الشارع، يومها أمي كانت عم تغسل ملاحف وحاطـّة طنجرة المجدرة على النار وأواعيها وسخة كتير. نزلنا على الشارع الرئيسي وقعدنا حوالي ساعتين وبعدها حملونا ورمونا على ساحة العين بمجد الكروم وضلّت طنجرة المجدرة على النار والغسيل منقوع بالميّ. نزلونا من السيارة وصاروا يقولولنا 'يلا روحوا عند الملك عبد الله أبو طبيخ'.

قعدنا بمجد الكروم حوالي سنة أو سنتين، تقول الحاجة شقير 'يومها أبوي كان محبوس وطلع ولما طلع أجا علينا وجابنا على الرامة. بالرامة استأجرنا بيت شعر من البدو وقعدنا فيه أربع سنين، وخلال هاي الفترة صرنا نروح ع بلدنا كفرعنان نحوش تين ورمان إلنا وكنا نبيع لليهود. أمي صارت تشتغل بالرامة، تحصد وتزرع حتى تشتريلنا خبز. بعدين صرنا ندورعلى المزابل وندوّر وين في براميل حديد كبيرة، نجيبها ونفتحها وعملنا منها براكيات. قعدنا حوالي 12 سنة بالبراكية لحد ما صار عنا بيت إلنا'.

رجعنا أنا وأمي عند الجثث عشان أفحص إذا أبوي بين القتلى

وتعود بذاكرتها والدموع تنهمر من عينيها وهي تقول: 'لما طخوا الشباب أنا ما شفت لأنه كنا هاربين على عين الأسد، بس لما رجعنا أنا وأمي رحت عند الجثث عشان أفحص إذا أبوي بين القتلى، وما لقيته. كانت الشباب مكوّمة على بعضها على الأرض. الجثث ضلت على الشارع أسابيع، وبعدها رحنا أنا وخضرة كريكر من البعينة، سته لواحد من الشباب الشهدا، أخذنا الجثث وحطيناها بجورة قريبة عليهم وحطّينا عليها شوية تراب وشل يعني عودان زتون وسكرنا عليها. يمكن العظام تبعتهم لليوم بعدها بالجورة وبس نروح على البلد بزور الجورة اللي دفناهم فيها وبقرأ على أرواحهم الفاتحة. كنا مجبورين ندفهن، لأنه إكرام الميت دفنه'.

'حرمونا من بلدنا بعد ما دمروها وهجرونا منها ومنعونا ندفن أمواتنا فيها'

 وتقول الحاجة شقير وهي تعتصر ألما: 'بعد تهجيرنا توفى مهنا شقير من بلدنا ورحنا قبرناه بمقبرة كفر عنان. وبعده توفى أحمد سعيد كروم من فراضية ولما رحنا عشان ندفنه بمقبرة كفر عنان اجا علينا الحاكم العسكري وبذكر كان اسمه 'دوف' ومنعنا، وقدمنا للمحاكمة لحد ما تدخل يوما عضو كنيست عربي وتعهدنا إنه هاي آخر مرة راح نقبر فيها هناك. يعني لا الأحياء رجعوا ولا الأموات منهم وهيك حرمونا من بلدنا بعد ما دمروها وهجرونا منها'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018