المهجر نمارنة: لا زلت انتظر العودة إلى ميعار

المهجر نمارنة: لا زلت انتظر العودة إلى ميعار

يحمل جهاد يوسف سليمان نمارنة، المولود في قرية ميعار المهجّرة سنة 1939 ذكريات طفولة آمنة في بلدته ميعار قبل النكبة والاقتلاع، كما يحمل أساه وجرحه الطري الذي لا زال ينزف. ويقول نمارنة إنه يعتبر هذا التاريخ (النكبة) من الصفحات القاتمة في تاريخ شعب تقاذفته المؤامرات والمخططات لخدمة مصالحها ومصلحة اليهود، واقتلاع شعب أعزل.  مؤكدا أنه بعد مرور أكثر من ستة عقود على كارثة الشعب الفلسطيني لا يلوح في الأفق بصيص أمل بالعودة والتئام الجرح  والاعتراف بما اقترفت الصهيونية من جريمة كبرى بحق شعب أعزل دون  ذنب.

والدي استشهد وأنا  لازلت جنينا في رحم أمي  

لم يعرف نمارنة والده الذي استشهد عام 1939 قبل أن يولد، فقد ولد وهو يستنشق رائحة البارود قبل أن يرضع حليب الطفولة، ولم يعرف إذا ما كان والده استشهد برصاص الإنجليز أم العصابات الصهيونية فالأمر بقي غير واضح.

ويؤكد، حسب رواية الكبار والوالدة، فإن الفرس الأصيلة الذي كان يمتطيها والده خارج البلدة عادت في صباح ذاك اليوم وحيدة تصهل في ساحة البيادر وحركاتها تشي بمصاب جلل، حيث عرفت الوالدة بفطرتها ومعرفتها بأطباع الخيل الأصيل أن والده أصابه مكروه أو مصاب.

 وأضاف: تأكد نبأ إصابة والدي بجراح بالغة بالرصاص وقيام رفاقه بنقله على ظهر جمل باتجاه لبنان، إلا أنه نزف حتى الموت في رأس الناقورة على الحدود اللبنانية، وهناك حيث كان يسكن أبناء عمومتي، تسلموا جثمانه ودفن، وهذه محطة أخرى من وجعنا الإنساني فنحن لا زلنا لا نعرف مكان دفن أعز أعزائنا ..

الجيش ينتقم بعد أن قام أهالي سخنين بتحصين البلدة

ويؤكد نمارنة أنه لم تقع مواجهة فعلية بين أهالي ميعار والعصابات الصهيونية، وأن ما حدث هو عملية اقتلاع وطرد بكل ما في الكلمة من معنى.  وقال إن الحديث عن مقاومة  في ميعار هو ضرب من المبالغة، فلم يكن هناك أي نوع من التكافؤ بالقوى فنحن أناس عزل نعيش حياتنا بهدوء وننشغل بمحاصيلنا، ومن كانوا يملكون قطع السلاح اעخفيف لا يتعدون أصابع اليدين في مقابل جيش مدرب ومنظم ويملك السلاح والعتاد الحديث بدعم من قوى عظمى.

 وأضاف: علم الأهالي حينها أن أهالي سخنين المجاورة وصلوا الى ميعار وقاموا بقطع الطريق الرئيسي وحفروا خندقا على عرض الشارع لمنع الجيش من اقتحام البلدة، لكنني اذكر أن العسكر تمكنوا من دخول البلدة بعد أن أغضبهم إغلاق الطريق فأخذوا يطلقون النار بشكل عشوائي، ولم أذكر أن أحدا أصيب، لكننا علمنا لاحقا أن امرأتين مسنتين من عائلة الهيبي قتلتا قرب بئر عائلة 'الكشوع ' من الجهة الشرقية للبلدة.

النزوح بين سخنين ووادي الشاغور ولبنان

ويتابع أبو يوسف، وهو يستذكر المشهد في ذهن طفل لم تمحه الأيام والسنين: 'المشهد كان فظيعا، لك أن تتخيل أن بلدة عن بكرة أبيها تنزح تحت التهديد والترهيب والخوف، أطفال ونساء وشيوخ، يحملون أمتعة بسيطة، طلبا للنجاة وساروا باتجاه المجهول بعد أن احتُلت البلدة وسيطر عليها الصهاينة بالكامل.

 ويتابع: اتجهنا نحو 'وادي القطن' في أرض سخنين حيث تجمع قسم من الناس لأيام معدودة تحت شجر الزيتون، وقسم آخر في وادي الشاغور، الذي يفصل أرض ميعار وسخنين، وبعدها أخذ الناس يتوزعون على القرى المجاورة، إلى الرامة وشعب وساجور وسخنين، ووصل البعض إلى البقيعة بالجليل الأعلى، ومن هناك نزحوا إلى لبنان، في أعظم عملية سلب و تشريد واقتلاع.

 وأضاف أبو يوسف: 'خرجنا وتركنا 'ركوة' القهوة على النار، أذكر أن جدتي نعمة حسن الطه- بقيت مع سبعة نساء أخريات هناك في البلدة إلا انهن تعرضن بعد أسبوع للطرد من هناك وتوجهن إلى قرية كابول.

ويمضي قائلا: 'هكذا أمضينا شهرين بعد التهجير متنقلين بين سخنين وكابول، وبعدها سمعنا أن الناس تعود للبلدة فقمنا بالمحاولة مغامرين بالعودة لبيوتنا في ميعار، وفعلا مكثنا في ميعار قرابة الشهرين إلا أن جيش اليهود وصل مع 'شفيق أبو عبدو' الذي كان على علاقة وثيقة بهم، وبدأوا بنسف البلد بعد أن أمرونا بالخروج، وانتقلنا مرة أخرى إلى سخنين لغاية العام 1970.

بحثت طويلا عن مكان للسكن وأنا أملك 200 دونم في ميعار

وأضاف: 'تعلمت في مدارس سخنين وأنجبت ابنا وثلاث بنات'. وتابع: 'يتملكك شعور بالحسرة والغصة وأنت تعيش مر الاعتداء والاقتلاع والتشريد، وأنت تعرف أن بيتك لايبعد عنك سوى مرمى حجر ولا تستطيع العودة إليه، وأنك لا تملك قطعة صغيرة من الأرض لأطفالك بينما تعرف أنك تملك قرابة الـ 200 دونما في ميعار.

وأضاف مكثت في سخنين لغاية عام 1970 وبعدها استطعت بالعمل الشاق والمثابر شراء قطعة أرض صغيرة في حي الفوار الغربي بمدينة شفاعمرو، وشيدت بيتا هناك، ولا زلت انتظر العودة إلى ميعار ومثلي الآلاف.

 ويعود ليستذكر مشهد التهجير: 'لا زال مشهد التهجير يحرق أحشائي والخوف والرعب، ونحن نسير حفاة مع النسوة والشيوخ دون أن ندري مصيرنا'.

 وختم بالقول: أذكر من حكايات الكبار ايضا أن وجهاء ميعار الذين لجأوا إلى كوكب ابو الهيجاء توجهوا بعد عودتهم إلى ميعار لبيت المختار مرعي حسن الطه، وقال مسؤول إسرائيلي لهم إنه يوافق على عودة الأهالي لميعار شريطة أن يقوموا بتسليم المسلحين الذين كانوا يطلقون النار على الإسرائيليين. وبعد أن توجه الوجهاء إلى كروم الزيتون حيث يتجمع أهالي ميعار ,اخبروهم بما قاله المسؤول الإسرائيلي رفض الأهالي هذه المساومة.

  

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


المهجر نمارنة: لا زلت انتظر العودة إلى ميعار