التعليم العربي: تسييس التعيينات ومنهجية التربية الفاسدة

التعليم العربي: تسييس التعيينات ومنهجية التربية الفاسدة

يعاني التعليم العربي منذ قيام الدولة منهجية تسييس التعليم الموجه في مسعى لتكريس علاقة القوة بين الأقلية العربية الفلسطينية والأكثرية اليهودية المهيمنة، وذلك من خلال المناهج التعليمية التي يشارك في صياغتها السياسي والأمني والإداري والسيكيولوجي وممثلون مختلف الجهات المتخصصة في صناعة الوعي المشوه من قاعدة الهرم إلى رأسه.

تهدف هذه السياسات إلى تعزيز التبعية وصياغة وعي الطالب العربي بما يخدم الرؤية الصهيونية في طمس الهوية والانتماء وتشويه الشخصية والرواية واحتجاز التطور الفاعل لدى المجتمع العربي، وكل ذلك عبر تكريس سياسة التجهيل والتهميش.

يرى البعض أنه رغم التطور الذي حصل في العقد الأخير بفضل الوعي المتزايد ونضالات المواطنين العرب في الداخل من حيث المناهج والتوظيفات التي غلب عليها طابع التعيينات السياسية  أكثر منها تعيينات مهنية وكفاءات، إلا أنه يبقى هناك الكثير من حالات الفساد والإفساد وتدخل جهات بعيدة عن الأطر التربوية المخولة في صياغة السياسات التعليمية والتربوية للمجتمع العربي.

'عرب 48' سلط الضوء على بعض الزوايا في هذا الشأن..

محسوبيات وواسطات

'إيمان' تحفظت من نشر الاسم الكامل خشية من الانتقام وعدم توظيفها مستقبلا، وهذا يحدث في سلك التربية والتعليم وليس في السوق التجاري أو ضمن المعترك السياسيي المباشر، وهي مدرّسة في الصفوف الابتدائية، استطاعت أن تحصل على وظيفة مؤقتة بعد تخرجها واستكمال مؤهلاتها حيث زاولت مهنة التعليم مدة سنة دراسية واحدة عن طريق السلطة المحلية.

وقالت لـ'عرب 48' إنه 'بعد ذلك، وبطبيعة الحال، توجهت مثل المئات من الخريجين العرب لمكاتب الوزارة بطلب لقبولي في سلك التعليم الرسمي إلا أنه بعد قرابة السنتين لم يحدث أي تقدم، وأنا ومثلي المئات نجابه الإجراءات البيرقراطية والمحسوبيات وتوظيف 'الواسطة' الأمر الذي أرفضه شخصيا رفضا قاطعا، لأنه لا سبب ولا حاجة لذلك ما دمنا تخرجنا بمؤهلات ونحن حملة شهادات بامتياز، لكن يبدو أن التوظيف لا يتم حسب هذه المعايير المهنية بل الكثير منها بالمحسوبيات و'الواسطات'. أعرف أن هناك البعض ممن توظفوا علما أنهم تخرجوا وتقدموا للوظيفة بعدي وأنا لم أوظّف بعد'.

وأشارت إلى الأثر التربوي والتعليمي على الطالب بالقول إن 'هذه السياسات لها أضرار بالغة لأنها لا تعتمد المؤهلات التعليمية والتربوية التي من شأنها المس في شخصية الطالب، على سبيل المثال أنا أيضا معلمة فنون وهناك مدرسة في بلدتنا ينقصها معلم للفنون ومن أجل سد هذا الفراغ بالمدرسة فإنهم يمنحوا تدريس حصة الفنون لمعلم اللغة العربية أو غيره لتكملة وظيفته. أعتقد أن في ذلك ضرر تربوي بالغ ضف إلى ذلك الضرر التعليمي والتربوي الذي يحدثه توظيف 'الواسطة' من معلمين ومديرين ومستشارين تربويين وغيرهم'.

منهاج تجهيلي ومعلم مهزوم

يتمتع 'فؤاد' وهو مدرس بمهنية عالية باعتراف مديري كافة المدارس التي عمل بها، أقصي هذا العام عن مهنته كي لا يثبّت رسميا في سلك التعليم. واستعرض إشكالية قبول الطالب في معاهد التعليم العالي قبل إشكالية التوظيفات، واعتبر أن 'هذه الإشكالية تبدأ في المناهج ومن كليات تأهيل المعلمين العرب، وهذه مسألة معروفة، تبدأ المشكلة من هناك قبل التوظيف وقبل كل شيء بحيث تبين في تحقيقات سابقة حول الفساد والإفساد والرشاوى والقبول للتعلم في إحدى الكليات الهامة بالبلاد أن الغالبية الساحقة من الطلاب لم يكن قبولهم بحسب المعدلات والمستوى بل عن طريق 'الواسطة' بعد أن وضعت عقبات جمة أمامهم لابتزازهم'.

وأشار إلى أنه 'لهذا الأمر أبعاد وآثار تربوية وخيمة. المعلم ليس مجرد شهادة تؤهله للوظيفة بل ثقافة وتربية وشخصية ورسالة وبالتالي من يتوظف عن طريق 'الواسطة' وينحني أمامها سيكون على الأغلب صاحب شخصية مهزوزة وضعيفة وهو فاقد للمؤهلات التربوية والعمل المهني وفاقد للمسؤولية، وبالتالي سينعكس هذا على الطلاب تحصيلا وسلوكا ومحتوى شخصية. هذه سياسة منهجية معروفة للفساد والإفساد وليست صدفة'.

وأوضح أن 'التوظيفات في سلك التعليم تخضع هي الأخرى لنفس المنطق الذي يتعامل به مع التعليم العربي بمنظور سياسي يستهدف الوعي من خلال التدجين والخنوع. أعتقد أن هذه الأمور هي ما تجعل استقلالية التعليم العربي مشروع له أهمية بالغة على المستوى المجتمعي والوعي الجمعي'.

فساد متغلغل في المفاصل

المحاضر والمتخصص في السياسات التربوية، د. أيمن إغبارية، استعرض هيمنة أدوات السيطرة وآثارها عبر الفساد والإفساد وقال لـ'عرب 48' إنه 'من المهم التأكيد أن المحسوبيات و'الواسطة 'في التربية والتعليم هي مخففة للتعبير عن ظاهرة الفساد في هذا المجال، وهي ظاهرة واسعة وعميقة الأثر ولها تجليات كثيرة في تعيين المديرين والمعلمين في المدارس والحاضنات والمساعدات في أطر الطفولة المبكرة وغياب مصداقية تقييم المعلمين وقبول الطلاب في الثانويات التنافسية أو الكليات والغش في الامتحانات والحصول على المنح'.

وأشار إلى أن 'هذه كلها تجليات لظاهرة الفساد وتغلغلها في مفاصل التربية والتعليم سواء على المستوى الحكومي أو المستوى البلدي والمحلي، ظاهرة الفساد هي أولا إفساد ممنهج وجزء من منظومة الضبط والسيطرة تجاه المجتمع الفلسطيني في إسرائيل

ورأى أن 'الإفساد كإستراتيجية يقوم على خلق طبقة من الوسطاء والسماسرة' وظيفتهم 'تخليص الأمور وليس بالضرورة لقاء 'تعامل مخابراتي 'بل من باب أنه ' هكذا تتم الأمور' وتكريس مبدأ التوسط والتفاوض مع السلطة كأساس للحراك والتقدم. تكريس مبدأ 'بدك واسطة 'ووجود طبقة 'الوسطاء' بين  الجمهور والسلطة هو إفساد للتربية وتمييع لقييمها، لكنه في النهاية أيضا انعكاس لصورة العمل السياسي والمجتمعي الذي تحاول السلطة تسييده ودعمه كعمل يقوم على التفاوض الدائم مع السلطة، وتحقيق إنجازات شخصية في أمور مطلبية وحياتية تتعلق بالفرد لا المجموعة، وترويج وتلميع الشخصيات التي باستطاعتها توظيف فلان أو علان في الحد الأدنى أو تحصيل ميزانية أو مشروع في الكنيست في الحد الأعلى'.

إفساد..

وشدد إغبارية بالقول إنه 'من الأهمية بمكان التأكيد أن الإفساد، وهو الاسم الصحيح لما يجري، يغذيه ويرفده خطاب التحصيل واللهاث خلف العلامات والمعايير والتقييم الأداتي. هذا الخطاب يدعم الفردانية الشرسة وأفكار الخلاص والنجاح الشخصيين ويعطي الشرعية للوصولية والانتهازية والغش في سبيل ومن أجل التقدم الشخصي، وذلك تحت ستارة دخان ووهم تقيمهما مفردات التفوق والتمييز والقيادة، وكلها مفردات بلا مضمون مجتمعي أو مسؤولية أهلية. في هذا الخطاب الغاية تبرر الوسيلة، النجاح والتقدم الشخصيين يبرران الفساد والإفساد'.

وأشار في النهاية إلى أن 'ضعف مهنية الحكم المحلي العربي، وخصوصا مديريات وأقسام التربية والتعليم ضمن السلطات المحلية العربية، يجعل أطر التربية والتعليم، خصوصا في الطفولة المبكرة، أرضا مشاعا للتعيينات غير المهنية على خلفية صفقات انتخابية وانتماءات حمائلية، دون أن يكون في السلطات المحلية الكوادر المهنية القوية والممكنة والتي من شأنها محاربة الإفساد، لا مد يد العون له والتماهي معه'.

استقلالية التعليم العربي

وقال رئيس الاتحاد القطري لأولياء أمور الطلاب العرب، المحامي فؤاد سلطاني لـ'عرب 48' إن 'جهاز التعليم وحجم الفساد والإفساد بلغ حدا مقززا يلقي بظلاله على مجمل الوعي المجتمعي ومجمل التحديات أمام المواطنين العرب ولم يعد بالإمكان السكوت عليه'.

واعتبر أن 'التعيينات والمحسوبيات والواسطات تأتي بهدف الإذلال وخلق شخصية مهزوزة، هزيلة ومدينة لأسيادها بكل استحقاقات ذلك الإذلال'.

ورأى أن 'مواجهة أزمة التعليم العربي يجب أن تتخذ مسارين، الأول مسار مباشر في محاربة الفساد والإفساد في التعيينات والتوظيفات والمناهج التدريسية والعمل على وقف تدخل جهات ليس لها شأن في المسائل التربوية، وهذه مهمة المؤسسات ومهمة المجتمع العربي حيث يجب أن تتضافر كل الجهود من سلطات محلية ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي والمجلس التربوي وعلى رأسها لجنة التربية والتعليم المنبثقة عن القائمة المشتركة والتي يترأسها النائب مسعود غنايم. أما المسار الآخر فهو على المستوى البعيد والإستراتيجي، والحل الجذري يكمن في استقلالية جهاز التعليم العربي والعمل على تحقيق حكم ذاتي ثقافي وإدارة ذاتية يعتمد الباحثين والمتخصصين التربويين العرب من حيث المناهج والتعيينات والبنى التحتية كي نتفادى مخاطر التربية المشوهة والمسعى إلى تدمير الوعي العام لدى المجتمع العربي. هذا الأمر يجب أن يكون في رأس سلم أولويات القائمة المشتركة كأهم مفصل في مفاصل بناء المجتمع'.



التعليم العربي: تسييس التعيينات ومنهجية التربية الفاسدة

التعليم العربي: تسييس التعيينات ومنهجية التربية الفاسدة