هل أسست أم الحيران لمرحلة مفصليّة بالمفهوم والأدوات؟

هل أسست أم الحيران لمرحلة مفصليّة بالمفهوم والأدوات؟
مسيرة الغضب في عرعرة تضامنًا مع أم الحيران (رويترز)

رافق تصعيد ممارسات الحكومة الاسرائيليّة ضد المواطنين الفلسطينيين في البلاد، والذي تمثل مؤخرا بهدم المنازل في قلنسوة وأم الحيران وإعدام الشهيد يعقوب أبو القيعان، تصعيد جماهيريّ في الداخل الفلسطينيّ، رافقه مسيرات احتجاجيّة واسعة في المدن والقرى العربيّة، مسيرة سيارات شلّت شارع رقم 6، وجنازة مهيبة تليق بالشهيد بعد التوجه للمحكمة العليا وانتزاع حقّ تشييعه.

وإزاء هذه  الأحداث، ما جرى مؤخرًا في أم الحيران، سواء من جانب السلطات الاسرائيليّة، أو ما تبعه من هبّة شعبيّة وتصعيد جماهيريّ فلسطينيّ، تطرح عدّة أسئلة جوهريّة في تاريخ الفلسطينيين بالداخل، وعلاقتهم مع السلطات الاسرائيليّة، وأدوات نضالهم، وهل ما جرى هو تأسيس لمرحلة سياسية جديدة؟

لماذا حصل هذا؟

هنيدة غانم

أفادت مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيليّة ( مدار)، هنيدة غانم، أنّ النضال الجماهيريّ في أم الحيران أتى أولاً في سياق له علاقة بنوعية المشروع الصهيوني في البلاد، وهو مبنيّ بشكل أساسي كمشروع يخدم مجموعة معينة من السكان، وهم اليهود، ويتعامل مع أهل البلاد الأصليين، الفلسطينيين، كعقبة في وجه تحقيق أهدافه.

وتابعت: 'ثانيًا ترتبط قضية أم الحيران بخلفية التحول المثابر والمستمر في إسرائيل نحو مزيد من الفاشية والقومجية، التي تؤدي إلى تصعيد مستمر تجاه الفلسطينيين في الداخل. ومن جهة أخرى في ظل طبيعة المشروع الإحلاليّ الصهيونيّ والتصعيد المستمر لقوى اليمين، مع إغلاق آفاق تحقيق العدالة. من هنا بدأ الفلسطيني في الداخل يستوعب أنّ هذه الدولة تسير باتجاه مأسسة قمعه. فالهرميّة الإثنية وانعدام العدالة وسلبه الحقوق لا يضعه إلا أمام طريق النضال والتصعيد، مع الأخذ بعين الاعتبار زيادة مستمرة في مستوى الوعي نتيجة زيادة التعليم'.

ومن جهة أخرى، أبدى المدير الأكاديمي في جمعية مدى الكرمل، مهند مصطفى، أهميّة للسياق الدوليّ والاقليميّ فيما يحصل داخليًا في إسرائيل، فإسرائيل مرتاحة مما يجري في العالم، وصعود القوى اليمينيّة في عدة دول. اليمين الحاكم في إسرائيل الآن هو يمين متطرف أيضًا، وبلا شك فإن السياق الإقليمي له أهميّة، فالعالم العربي ضعيف ومفكك ومشغول بذاته، والأحداث فيه تنعكس سلبيًا على الفلسطينيين في إسرائيل، وانعكست على مستوى الأسرلة أيضًا، الثقة بالنفس والهوية الذاتية والجماعية القوميّة للفلسطينيين في إسرائيل.

ماذا كشفت أم الحيران؟

اعتبر المحاضر بالعلاقات الدولية في جامعة بئر السبع، منصور نصاصرة، أنّ قضية أم الحيران كشفت البرامج والخطط الحكومية الإسرائيليّة بالفعل، وهي في بداية مشروع استيطاني جديد في النقب، كشفت أيضًا تهميش وإقصاء المجتمع العربي الفلسطيني النقباوي لأكثر من 60 عامًا، كل هذا التهميش ظهر في قضية أم الحيران ومعاناتها. بالمقابل الرد الذي ظهر في الهبة الشعبية خلق هزة أرضيّة في مجال النضال، ورصّ الصف الواحد بقضايا القرى غير المعترف بها.

أما المحاضر ومدير برنامج الماجستير في جامعة بير زيت، منير فخر الدين، فيرى أنّ 'الحراك في قضية أم الحيران قد كشف نوعًا من مكامن ضعفنا كفلسطينيين في الداخل، حشدنا لمظاهرات وهذا مهم، ولكن يبدو أن ما نفعله أقلّ مما نحتاج، فما نحتاجه هو رفع مستوى الاحتجاج والتنسيق بين التجمعات الفلسطينيّة، منوهًا أنّه لدينا كفلسطينيين مشكلة في الحياة اليوميّة بمواجهة البيروقراطيّة الإسرائيلية التي تحمل مشروعا سياسيا استعماريا استيطانيا معلنا، وهي منظومة مركبة ومعقدة.

في أي سياق؟

منير فخر الدين

يقول الباحث مهند مصطفى إنّ التصعيد الأخير له سياقات مختلفة، منها محاولة حسم العلاقة مع الفلسطينيين في إسرائيل، أولاً من خلال المشروع الصهيوني بصيغته الجديدة، وهي الدينية القومية التي يحاول من خلالها أن يحسم مكانة الفلسطينيين في إسرائيل من خلال ربط  المواطنة بحدود القانون، وليس ربط المواطنة كما نحن نطالب، بحدود العدل. وثانيًا ربط المواطنة بالاعتراف بالطابع اليهوديّ للدولة ولكن ليس بصيغته الدينيّة القوميّة، وثالثًا ضغط وإضعاف العمل السياسي العربي الوطني للفلسطينيين في إسرائيل لكي تنشأ مكانه قيادة تقليديّة يسهل التعامل معها وهذا جزء من عقلية كولونيالية ترى دائمًا القيادات السياسية الوطنية للمجموعات القوميّة أنها تحدٍ لهيمنتها وتفضّل قيادات ذات طابع محلي وضيق ليسهل لها التعامل معها.

واستطرد: 'أما السياق الآخر فهو محاولة حسم القضية الفلسطينيّة عمومًا، فاليمين الإسرائيلي بصيغته الجديدة ذات الطابع الديني القومي يحاول أن يحسم الموضوع الفلسطيني من خلال عدم الاعتراف بالحقوق القومية والوطنية للشعب الفلسطيني، وضم مناطق من الأراضي الفلسطينيّة المحتلة إلى السيادة الإسرائيليّة، وإبقاء حالة السلطة الفلسطينية كما هي الآن، وكأنها تعبير عن الآمال السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني'.

'ولكن المشروع الفلسطيني عمومًا لن يتم، بمفهوم إسرائيل، بدون حسم موضوع الفلسطينيين في إسرائيل بشكل تام، لأن الفلسطينيين في إسرائيل بهذه المرحلة هم التحدي الأخلاقي والسياسي الأساسي نسبةً للدولة، وهذا التصعيد يأتي في سياق حسم الحالة الفلسطينيّة داخل الخط الأخضر، وفي الضفة الغربية'، كما أفاد مصطفى.

هل يشبه هذا التصعيد ما كان قبل هبة القدس والأقصى؟

تعتقد هنيدة غانم أنّ هذا التصعيد يوضع في إطار المثابرة بالنضال وتصعيده منذ عدة سنوات، فهو يشكل لحظة إستراتيجيّة في تحوّل شكل النضال الفلسطيني في الداخل، والتركيز على البعد القومي بشكل أكبر من البعد المدنيّ والمواطنة ومفهوم المساواة.

منصور نصاصرة

وشرحت: 'هذا التركيز على البُعد القوميّ في النضال الفلسطينيّ اليوم يعني أنّ هناك فهما جيّدا وصحيحا لنوعية الصراع الموجود، فالصراع غير موجود في داخل دولة كباقي الدول، كاليونان مثلاً، بل هو صراع مختلف، صراع مع دولة أقيمت على أنقاض شعب وما زالت لا ترى نفسها ولا ترى غضاضة في إقامة ذاتها على حساب شعب آخر، وهي مستمرة في مأسسة عملية تفكيك هذا الشعب باعتباره أقليات مفتتة، وتحاول استيعابه ضمن منظومة علاقات القوة التي تضعها، وفي أساسها هرميّة إثنيّة عرقيّة مقنّعة قوميًا ولكنها عرقيّة.

'هذه البنية الهرمية أقيمت بالأساس كي تكون إسرائيل دولة اليهود، وتعتبر أنّ عليها تجيير جميع قوتها من أجل خدمة مصالح المواطن اليهوديّ، وأنّ هناك مواطنا آخر عربيا يشكل عقبة في وجه تحقيق مصالح المواطن اليهوديّ، وأم الحيران هي نموذج مثالي لهذه العلاقة حين تُباد وتُدمّر قرية فلسطينيّة من أجل تحقيق حلم المواطن اليهوديّ في بناء مدينة له على أرض أم الحيران. وهذه الهرمية تجعل المواطن العربي يدفعُ الثمن'.

ونوّهت إلى أنّ ما حدث في أم الحيران هو نتيجة هذه البنية الهرميّة التي لم تحدث صدفة أو استثناءً، وهي ليست خطأ مطبعيّا من قِبل حكومة نتنياهو، وهنا تشدد أنّ البعض طالب بإقالة إردان، متناسيًا أنّ نتنياهو كان أوّل المدّعين أنّ القيادات العربيّة وعلى رأسهم القائمة المشتركة، رفعوا علم داعش، وإردان هو ربيب نتنياهو.

عن الأدوات

عن الأدوات، التي تعتبر إستراتيجيّات هامّة في تعامل كلا الطرفين مع بعضهما البعض، الفعل وردّ الفعل، يعتبر مصطفى أنّ إسرائيل توحد استعمال أدواتها الكولونيالية الاستعمارية ضد الفلسطينيين في إسرائيل مع ذات الأدوات التي تستعلها في الضفة الغربية، وكانت هذه الأدوات الكولونيالية الاستعمارية واضحة جدًا في النقب، فحالة أم الحيران هي حالة كولونيالة تقليدية لحالة تهجير سكان من مجموعة قومية معينة، واستبدالهم بسكان مجموعة قومية أخرى تابعة للمجموعة المهيمنة.

مهند مصطفى

وأضاف أن 'صراعنا ليس فقط ضد الحكومة بل ضد المشروع الكولونيالي الاستعماري الصهيوني، وهذا المشروع يحاول توحيد أدواته الكولونيالية الاستعمارية بالتعامل مع الفلسطينيين في إسرائيل كمن يتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، أي يحاول توحيدنا كفلسطينيين خلال توحيد أدوات التعامل معنا، فعلى سبيل المثال احتجاز جثة الشهيد يعقوب أبو القيعان، الاعتقال الإداري، وحظر الحركات الوطنية، هي أساليب تستعملها إسرائيل في الضفة الغربيّة، مما يعني أنّ هناك تعاملا واحدا مع مجموعتين فلسطينيتين على الرغم من اختلاف حالة المواطنة بينهم'.

'ماذا عن أدوات النضال فلسطينيي الداخل، التي ظهرت مؤخرًا في قضيّة أم الحيران؟'، عن هذا السؤال أجاب نصاصرة أنّ أدوات النضال التي رأيناها في الأسابيع الأخيرة ضمّت مسيرات للسيارات باتجاه القدس، وقفات احتجاجيّة على مفارق الطرق، جمع التبرعات لأهالي قلنسوة وأم الحيران،  ما يبشر بوعي وطني قومي للفلسطينيين في إسرائيل ضمن تأطير سياسيّ بوجود القائمة المشتركة والأطر الحزبيّة والحركات السياسية في الداخل، وهي فرصة تاريخيّة تم استغلالها بشكل جيّد.

ومن جانبه، أوضح فخر الدين أنّ المشكلة في مواجهتنا لهذه المنظومة أنّ البناء في المجالس المحليّة والبلدات العربيّة يتم وكأنهم يتلقون خدمات من هذه المؤسسة، ولكن إسرائيل لها جانب استيطاني واستعماري ومشروع سياسي تطبقه ضمنًا، منظومة تعمل بشكل منظم، لديها خرائط هيكلية وتخطيط على مستوى كل الدولة، ولديها تخطيط جغرافي مستقبليّ للمكان على كل الأصعدة، منوهًا أنّ الناس بحاجة لتوعية حول كيفية عمل هذه المنظومة وتعزيز الوعي بأنّ هناك مشروعا وليس مجرد سكان يتفاوضون مع لجنات التنظيم في المدن والقرى المختلفة.

هل ما جرى هو تأسيس لمرحلة جديدة؟

'باعتقادي، إننا في خضم مرحلة جديدة، وهي مرحلة بدأت مع حظر الحركة الإسلامية قبل عام ونيف، وبعدها محاولة تجريم وحظر حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ولكن هذا لا يعني أنّ المرحلة الجديدة منقطعة عن المراحل السابقة، لأنّ السياسات الإسرائيليّة والتصورات الصهيونية ضدنا في جوهرها بقيت، المرحلة الحالية هي مرحلة حسم هذه العلاقة، وما قبل هذه المرحلة كان ضمن سياسات لم تتجه لحسم هذه العلاقة، سواء في العمل السياسي الوطني، الهوية الوطنية، التنظيم الحزبي' هذا ما قاله مصطفى.

ومن جهة أخرى، أشار نصاصرة إلى 'أنّنا نعيش اليوم محطة تاريخية هامة ومفصلية بيّنت أنّه لن يكون من السهل اقتلاع هذه القرى وناسها من أراضيهم، وهي حلقة جديدة من الصمود والصراع للمحاولة بنزع الاعتراف بأم الحيران والقرى الأخرى غير المعترف بها، هي مرحلة تاريخيّة لا تقلّ أهميّة عن يوم الأرض، فقد عاشت أم الحيران تكاتفا شعبيّا كبيرا بشتى الطرق، وقضية أم الحيران هي قضية قلنسوة والمغار وغيرها من المدن والقرى العربية'.


 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018