وفاء إلياس: الأهل يتحملون مسؤولية سياقة أبنائهم الخطرة

وفاء إلياس: الأهل يتحملون مسؤولية سياقة أبنائهم الخطرة
د. وفاء إلياس (عرب 48)

تبدو الحاجة ماسة جدا لتحشيد كافة الجهود المجتمعية ووضع الموارد اللازمة من أجل بناء برنامج عمل إرشادي وتوعوي يهدف إلى رفع الوعي بموضوع الأمان على الطرق والقيادة السليمة، خاصة وأن نسبة حوادث الطرق في البلدات العربية أكبر بكثير مقارنة مع النسبة بالمجتمع اليهودي.

وقالت الاختصاصية في هندسة الصيانة للطرق والشبكات والبنى التحتية وحوادث الطرق في المجتمع العربي، الباحثة في معهد أبحاث المواصلات التابع لمعهد العلوم التطبيقية، التخنيون، والمحاضِرة في كلية 'سامي شمعون' بالنقب، د. وفاء إلياس من قرية البعنة، إنّه 'علينا أن نأخُذ بعين الاعتبار بالأساس الفئات العمرية التي تُقتل داخل البلدات العربية وساحات البيوت وهي الفئة من جيل سنة وحتى 14 سنة، وهذا يعني غياب الملاعب والنوادي للأطفال وأماكن التنزه والتسلية، ما يجعل لهو الأطفال والشبيبة في الشوارع، للأسف. وفي المقابل فإنّ الفئات العمرية الضالعة في حوادث الطرق هم بين الأعمار 18 عامًا وحتى 24 عامًا، وسبب هذه الحوادث عدم الوعي والتربية السيئة، وطبعًا البنى التحتية داخل البلدات والشوارع الداخلية'.

45% من قتلى الحوادث من العرب، أما عدد الوفيات منذ بداية العام 2017 فوصلت إلى 24 قتيلا عربيا

وتطرّقت د. إلياس إلى المعطيات المتعلِقة بالبنى التحتية، إنّ 'حوادث الطرق التي تقع اليوم، في غاية الخطورة على المواطنين، وبالأساس العرب، أولا، كون البنى التحتية في البلدات العربية سيئة للغاية، وأنّ هناك الكثير من الحُفر والبؤر في منتصف الشوارع، وهناك نقص في إشارات المرور التحذيرية، وفي الوقت الذي شهدت سنوات ماضية انخفاض عدد حوادث الطرق، نرى ارتفاعًا هائلا في نسبة الحوادث بالمجتمع العربي بالأساس، بينما انخفضت بشكلٍ كبير في المجتمع اليهودي. الشباب العربي يبقى في بلدته، ما يجعله في توتُر طوال الوقت، وشعوره أنه حبيس بلدته، لذا تراه يتصرّف بأساليب خطيرة للغاية في الشوارع، وهذا ما تفسره قائمة القتلى التي يجري الحديث عنها منذ بداية العام 2017. إنّ العام 2012 شهد انخفاضًا في حوادث الطرق، لتعود الحوادث من جديد في العامين 2015 و2016، حيثُ انخفضت نسبة قتلى الحوادث إلى 20%. وعند بحث أسباب الحوادث القاتلة في المجتمع العربي نكتشف أنّ 90% من حوادث الطرق سببها العامل البشري، وخاصة الشباب الصغار، ناهيك عن البنى التحتية، ليس فقط في القرى والمدن العربية وإنما في جميع مناطق الشمال. ومن المفترض أن تكون البنى التحتية 'متسامِحة' بمعنى أن يتم الأخذ بعين الاعتبار الأخطاء التي يقوم بها السائقون، وإذا ما وقعت حوادث طرق، يمكن التجنُب بأن تكون الحوادث قاتلة، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الشوارع التالية: شارع 85، شارع 69، شارع 65، ويجب أن يكون الشارع على الأقل بمساريْن، للمركبات من الجهتين، وأن يكون هناك فاصل تام بين الاتجاهين، كما يجب أن تكون حواشي الشارع عرضها ثلاثة أمتار على الأقل. وهذا الأمر لا نراه في مجتمعنا، فإذا كان هناك حادث، وأردنا الهروب منه فلن تستطيع فعل ذلك، كما جرى في في حادث قُتل فيه سائق سيارة من البعنة بسبب عدم وجود فاصل في الشارع، ولو وجد فاصلا بالشارع لكان الشاب قد تمكّن من الهرب ربما، نحن نتحدث عن شاب (29 عاما) مثالي، خسر حياته، وفارق زوجته وعائلته وطفلتيه، أثناء سفره للوصول إلى عمله، وكان همه إسعاد عائلته من خلال تحسين ظروف المعيشة'.

وأوضحت د. الياس: 'أنا لا أنظر إلى الشبيبة على أنها تقصِد التصرُف بتهوُر، فحتى للشباب الذين يتصرفون بطريقة متهورة، سببها وجود مشكلة جديّة لدى أبنائنا، فالشباب ينهون المرحلة الثانوية، وتكون تسليتهم الشوارع، وهنا يُسأل السؤال: ماذا يفعل الشباب في سن الـ18 عاما؟، بعضهم لا يواصل التعليم، ولا يجد عملا والنتيجة 'التسكُع في الشوارع'، وفي الشوارع، تجري الاستعراضات الخطيرة، خاصةً أنّه لدى الشباب طاقة زائدة، وبعضهم لا يخاف الموت بسبب عدم تقييمهم للمخاطر، فنراهم متسرعين، وحين يُسألون عن أسباب السرعة لا يؤمن أحدهم أنّ السرعة خطيرة ومسببة للموت'.

العلاقة بين السياقة الآمنة والتربية

ورأت د. الياس أنّ مشكلة السياقة المتهورة التي يمارسها الشباب، تنحصر في تربية الأهل لأولادهم، وقالت إنه 'من بينهم من يعزز لدى هؤلاء الشباب فكرة قيادة المركبات بسرعة، وبدون رخصة! أين الأهل، الوالد/ الوالدة، في ظل هذا الواقع؟! نحنُ نعرف جيدًا كيف يتصرّف الأبناء عندما يشاهدون أبناء عائلاتهم لا يضعون حزام الأمان، أو أنّ أحد الوالدين أو كليهما يسير بسرعة مخيفة. عندما أدخل المدارس وأسأل الطلاب من يفضلون مرافقته أثناء السياقة؟ يختار الطلاب الوالد لأنه ببساطة لا يضع حزام الأمان، ويقود بسرعة كبيرة، وهذا ما يجعل الوالد أكثر قُربًا للأبناء. من جهة ثانية فإنّ بعض الأمهات لا يرى خطورة في جلوس طفل في حضن أمه أثناء قيادة السيارة، أو أن يمارس الشباب قيادة 'التراكتورون' الجنونية، وقد لا يرى الأهل هذه المجازفات خطرًا، وأيضًا الدراجات الكهربائية التي يتم قيادتها، ويشعر الشباب بالفخر حين يقفون بدراجاتهم الكهربائية على إطار واحد! للأسف بعض الشباب يعاني من شعوا بالنقص ما يجعلهم يقودون المركبات بسرعة جنونية، وغالبية هؤلاء الشباب غير ناجحين في التعليم، وبعضهم جاء من بيئة اجتماعية واقتصادية ليست جيدة'.

وأصعب ما تشعر به د. إلياس الكلمات القاسية والموجعة التي يُطلقها المعلمون/ المعلمات في المدارس، ما يجعل الفتية والشبان يشعرون بطاقات سلبية، ثم يجبرون على البحث عن أساليب أخرى لتفريغ طاقاتهم فيها، والمركبات هي الأنسب بالنسبة لهؤلاء الشبان!

وهي تؤمن بالحاجة الماسة لتوعية النساء بشكلٍ لبق، كما يجب إيجاد الأطر التي تشارك فيها النساء وضرورة إعطائها المعرفة، وقالت إن 'الأمهات والآباء يعتقدون أن وضع الحزام سببه تجنب المخالفة، ولا يعرفون أنّ وجود الابن في حضن الأم قد يفقد الأم طفلها، لذا يجب تقديم إرشادات من خلال عرض أفلام توعويّة، وهناك جوامع وكنائس يمكن عبرها تقديم محاضرات توعويّة، أو بناء أطر اجتماعيّة في الحارات، وهناك ضرورة بأن يأخذ رؤساء السلطات المحلية موضوع حوادث الطرق على رأس سلم أولوياتهم. وعندما نتحدث عن التخطيط والبناء، فإنّ أغلب الحوادث أو موت الأطفال في الشوارع سببه ليس الأهل فقط، وإنما التخطيط والبناء، وواضح أنّ القضية ستتحوّل إلى سياسيّة، عندما نتحدث عن خارطة تخطيط وبناء تُناسب العام 1970، ويتم البناء فوق البيوت وفي منتصف الشارع، والسؤال هل يُناسب هذا الشارع لعدد المركبات التي تدخل البلدة؟!'.

وأكدت د. وفاء إلياس أن 'الشرطة ليست الحل. هناك حاجة ماسة لمتابعة أبنائنا وإيجاد أطر مثل نوادٍ لأبنائنا، لكن طالما أن الابن لا يملك موهبة سوى قيادة السيارة ولا شيء يبدعه الشباب سوى الأراجيل غعلى الدنيا السلام'.

رسالة أخيرة!

ووجهت د. وفاء إلياس رسالة بأنه 'يجب أن نكون متفائلين فإذا نظرنا إلى الماضي، قبل 10 سنوات أو 20 سنة، فهناك انخفاض في عدد القتلى، وانخفاض في أعداد المصابين في حوادث الطرق، كما نستطيع أن نلمس أنّ الوعي في ازدياد، وأنّ هناك ازدياد في استعمال حزام الأمان، ليس فقط من أجل منع المخالفات، وإنما أيضًا بسبب الوعي، صحيح أنّ هناك الكثير مما يجب عمله يجب القيام به، وعلى الأهالي توعية الأبناء بصورة أكبر، وعلى المؤسسات المحليّة أن تأخذ الموضوع بشكلٍ جدي، ولا شك أنّ هناك تغيُر، ولو كنّا نسافر في الماضي مثلما يجري اليوم، فإنّ عدد القتلى سيكون أكثر، لذا يجب النظر بشكلٍ متفائل'.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019