فوهة مسدس الشرطة في مواجهة العربي

فوهة مسدس الشرطة في مواجهة العربي

رغم أن أحداث يوم الأرض وانتفاضة الأقصى كانت حدثا استثنائيا في النضال الوطني للأقلية القومية الفلسطينية في الداخل، غير أن نهج الشرطة لم يكن أبدا استثنائيا، وحتى بعد توصيات "لجنة أور" التي أقيمت للتحقيق في أحداث انتفاضة الأقصى وإطلاق الشرطة النار، واستشهاد 13 شابا فلسطينيا من الداخل إضافة لجرح العشرات، لم تتغير التوجيهات وتعليمات إطلاق النار التي تتبعها الشرطة بل حتى تفاقمت بعد أحداث انتفاضة القدس الأخيرة عام 2015 .

54 مواطنا عربيا ضحايا رصاص الشرطة بعد هبة أكتوبر 2000

تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن 54 مواطنا عربيا فلسطينيا قتلوا برصاص الشرطة بعد هب القدس والأقصى في أكتوبر 2000، آخرهم كان يعقوب أبو القيعان في قرية أم الحيران، عدا عن الجرحى برصاص الشرطة الإسرائيلية وحتى في أحداث جنائية عادية، آخرها يوم الخميس الماضي، حيث أصيب شابان عربيان أطلقت عليهما النار في حدث جنائي في منطقة المركز، وأصيبا بجراح بالغة.

وفي المقابل قتلت الشرطة مواطنين يهوديين في أحداث جنائية خلال هذه الفترة، وآخر قتل بيد متطوعين في الشرطة، أي أن الشرطة قتلت عربا 18 ضعف اليهود. وعند الأخذ بالحسبان أن المواطنين العرب يشكلون 20% فقط من سكان الدولة، فإن الشرطة تميل إلى قتل عرب 72 ضعفا أكثر من اليهود.

ثقافة الكذب في الشرطة

ولمن يراجع روايات الشرطة في العديد من أحداث قتل مواطنين عرب، سرعان ما يكتشف ثقافة كذب في روايات الشرطة، والتي تجلت بشكل مفضوح في قتل يعقوب أبو القيعان يوم 18/01/2017، حيث زعمت الشرطة في بادئ الأمر أن أبو القيعان كان بصدد تنفيذ عملية دهس، وقتل أكبر عدد من أفراد الشرطة مع الإشارة إلى فحص ارتباطه بداعش، وهي رواية سرعان ما تكشف زيفها بالكامل.

ولم يغب هذا الأسلوب أيضا في قضية قتل الشاب سامي الجعار في رهط يوم 14/01/2015، حيث ادعت الشرطة أنها أطلقت النار في الهواء رغم إصابة سامي الجعار واستشهاده، بل إن قائد شرطة الجنوب يورام ليفي صرح حينها أن الجعار اعتقل عندما كان في سيارة مع تجار مخدرات، وكان أحد المعتقلين الذي حاولت الجموع تحريرهم من قبضة الشرطة التي اتبعت عملية تخليص أفراد الشرطة الذين هددت حياتهم، وتم إطلاق النار في الهواء، غير أن الحقيقة التي تكشفت تظهر بشكل لا لبس فيه أن سامي الجعار لم يكن أصلا ضالعا في حدث اعتقال مشتبهين بالمخدرات، ولم يكن في سيارة الشرطة، ولم تكن له علاقة أصلا بهذا الحدث.

ويتكرر أسلوب الشرطة في قضية مقتل خير حمدان من كفركنا بتاريخ 08/11/2014، حيث زعمت الشرطة في روايتها الأولى أنه هاجم أفراد الشرطة بسكين، واضطروا للدفاع عن حياتهم التي كانت مهددة، وعليه أطلقت عليه النيران، إلا أن رواية الشرطة فندها توثيق كاميرات المراقبة التي أظهرت بشكل واضح أن الشرطة أطلقت النار على خير الدين حمدان، وهو يبتعد عن سيارة الشرطة تماما.

2.7 % فقط من ملفات التحقيق مع الشرطة تنتهي بإدانة شرطي

يقول المحامي محمد بسام من مركز "عدالة" في حديثه لعرب 48: "وفقا لللمعطيات التي تسلمها مركز عدالة فإن 2.7% فقط من الشكاوى التي تقدم إلى وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة حول عنف الشرطة تنتهي بتقديم لائحة اتهام ضد شرطي، فيما تظهر معطيات عدالة أن 93% من الشكاوى التي قدمت لوحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة خلال أعوام 2011-2013 أغلقت بدون تحقيق، و21% من الملفات المتبقية (7%) أغلقت بعد التحقيق، وأغلق 50% منها بداعي عدم توفر أدلة.

خطر إطلاق النار على مواطن عربي تفاقم بعد 2015

وتابع بسام أنه منذ بداية الهبة الشعبية في القدس نهاية عام 2015 تفاقمت حالات إطلاق الرصاص من قبل الشرطة تجاه شبان عرب، سواء شبهات تنفيذ عمليات أو إلقاء حجارة. أغلب الحالات التي يتم فيها إطلاق النار، ويتابعها مركز عدالة، ويقدم فيها شكاوى لوحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة، تنتهي بدون تحقيق جدي، وأن لا داعي لتقديم لائحة اتهام ضد أفراد الشرطة.

ويضيف "لفهم الأمر فإن التعامل مع العرب سواء في القدس أو في الداخل هو ذاته، هناك تطور حصل على تعليمات إطلاق النار التي تستمد مما يعرف "تحييد منفذ عملية"، وهذا تطور في أعقاب تصريحات وزراء بضرورة التعامل بإطلاق نار على كل منفذ عملية، وهذه الأجواء تعكس هذا التطور".

وأشار إلى أنه في أعقاب ملاحظة التغيير في تعليمات اطلاق النار في الأنظمة الداخلية للشرطة توجه مركز "عدالة"، وفقا لقانون حرية المعلومات، للحصول على التعليمات الجديدة، إلا أن الشرطة رفضت منحه هذه التعليمات وكل ما تغير عليها.

كما أشار إلى أن مركز "عدالة " تقدم بالتماس في هذا الشأن. وقبل شهور قبلت المحكمة الالتماس بشكل جزئي، وأمرت الشرطة بنشر التعليمات. وعملت الشرطة على الاستئناف على هذا القرار للمحكمة العليا، ويجري اليوم تداول هذه القضية في أروقة المحكمة العليا، حتى الآن لا يمكن نشر هذه التعليمات بموجب القرار لحين البت النهائي بالتماس المحكمة العليا.

التعليمات الجديدة تجلت في حادثة استشهاد يعقوب أبو القيعان

وأردف بسام: "حالات إطلاق النار من قبل الشرطة تفاقمت أكثر بعد العام 2015، ومستمدة من التعليمات الجديدة، وهذا تجلى في حادثة مقتل يعقوب أبو القيعان، هناك تم التعامل معه وكأنه منفذ عملية ممكن، وكأن كل العرب "إرهابيون"، وتقتحم الشرطة أم الحيران مدججة بالأسلحة وكأنهم يخوضون حرب، ثم يأتي دور وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة التي لم تصدر حتى اليوم استنتاجاتها، ونتمنى أن تفاجئنا، ويتم الجزم بأن الحديث ليس عن منفذ عملية، وإنما مواطن أطلقت عليه النار".

الصراع مع نظام معاد.. مواطنة لليهود ومواطنة مختلفة للعرب

من جانبه يقول الأمين العام للتجمع الوطني الديموقراطي، إمطانس شحادة، في حديث لعرب 48: "من الواضح بالنسبة لنا أن تعامل الدولة معنا هو تعامل عدائي، وهذا أمر ثابت من خلال القتل وهدم البيوت والتهجير وتهديد الهوية، وهو عدائية الدولة تجاهنا لسبب بسيط هو أننا نعيش على هذه الأرض، لو كنا نعيش على مكان آخر في الكون، لما كنا نواجه هذا العداء، نحن عائق أمام المشروع الاستعماري الصهيوني. وعلى ما يبدو فإن نظرية الجدار الحديدي تفشت في كل مؤسسات الدولة، ليس فقط لدى اليمين، أن العرب لن ينسوا، ولن يغفروا ما حصل عام 1948، فدائما هناك حاجة لدى المؤسسة الإسرائيلية لإثبات من هو المسيطر وصاحب القرار، وهناك فرق في المواطنة، هناك مواطنة لليهود، وهناك مواطنة للعرب من نوع مختلف.

ما تقوله أنه ليس بالإمكان تغيير هذا الواقع ضمن حدود آليات حقوق المواطنة؟

يقول شحادة: ليس بشكل جارف، ولكن الواقع السياسي وهذا الصراع يسهلان في الحالات الجنائية مثلا إجازة إطلاق النار على المشتبه العربي، حتى لو عوقب مطلق النار، بينما لم نسمع عن يهودي في حادث جنائي أو سياسي يواجه بإطلاق نار وقتل أو لنقل نادرا ما يحدث ذلك. هناك ثقافة لدى قوات الشرطة تسهل عليهم قتل العرب ولا يوجد رادع أو خوف من عقاب، لأن التجربة تقول إن الأغلبية الساحقة من هذه الملفات تغلق بدون تقديم الشرطي للمحاكمة.

هل هناك طروح لمواجهة هذه الظاهرة أو بدائل خارج الإطار البرلماني والسياسي؟

يجيب شحادة: "نحن نناضل على عدة ساحات، وهذا يشتت الجهود ويضعفها. في هذه الحالات نحن نعرف أنه عند حدوث حدث عيني، كحادثة قتل الشاب خير الدين حمدان هناك حالة احتجاج لفترة محدودة ثم تعود الحياة الى طبيعتها، وهكذا مثلا في قضايا هدم البيوت، فالنضال لا يمكن أن يتجزأ، وهناك حاجة لمشروع نضالي يشمل كافة مركبات النضال. نحن نواجه جهازا معاديا للمجتمع العربي ويريد قمعه. هناك دولة  يتناقض مشروعها السياسي مع الطموح القومية للمجتمع الفلسطيني، والدولة ترى فينا عائقا أمام تحقيق حلمها كدولة يهودية نقية. وسواء آجلا أم عاجلا، سيكون اشتباك فكري سياسي مع هذا المشروع، ونطرح الأمر واضحا أمام الناس أن المشكلة الأساسية هي طبيعة النظام، وما لم تتغير طبيعة النظام، ومكانة العرب في البلاد فلن يتغير شيء كثير.

تغيير حكومة يمكن أن يكون مسارا تكتيكيا يسهل الأمر بعض الشيء، لكنه في نهاية المطاف ليس الحل، ولدى مراجعة تاريخ القتل والقمع في كافة الحكومات، يتضح أنه قد يكون تفاوت هنا أو هناك، ولكن الجوهر ذاته، الفرق هو أننا نواجه اليوم يمينا فاشيا".

نحذر أن يدفعنا إلى أكتوبر آخر

من جانبه قال النائب عبد الحكيم حاج يحيى لعرب 48: "الشرطة ما زالت تتعامل مع المواطنين العرب كأعداء، وهذا الأمر كان واضحا في تقرير لجنة أور، بعد أحداث هبة الأقصى، والحكومة بزيادة عنصريتها والتطرف فيها وأوامرها للشرطة ودفاعها عن جرائم الشرطة، وما حدث في أم الحيران والرواية التي يرويها الوزير إردان وألشيخ. هذا هو الوضع الذي نواجهه، ويجب أن نتصدى له، ونحذر من أن يدفعنا إلى أكتوبر آخر.

كيف ترى سبل التصدي لعنف الشرطة؟

يمكن التصدي لعنف الشرطة برلمانيا وحقوقيا، وأيضا تدويل قضايانا. بدأنا فعلا بتدويل قضايانا، وخاصة قضايا التمييز، وكان لنا، كقائمة مشتركة ولجنة متابعة، لقاء مع سفراء الاتحاد الأوروبي، ونحن نواصل هذا المسار، وفي الجلسة الأولى شارك 28 سفير دولة أوروبية، واستمعوا إلى طرحنا لقضايا الجمهور العربي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018