اعتقالات وملاحقات سياسية: عودة الحكم العسكري

اعتقالات وملاحقات سياسية: عودة الحكم العسكري
من المظاهرة في أم الفحم (أ.ف.ب)

تحاول المؤسسة الإسرائيلية من خلال حملة الاعتقالات والملاحقات السياسية إعادة منظومة الحكم العسكري البغيض بأساليب جديدة، وتسارع الحكومة الإسرائيلية الحالية في تشريع القوانين العنصرية، ولم يقتصر تشريع القوانين ضد المواطنين العرب في البلاد على 'الإرهاب' و'الإقصاء' و'النكبة' و'تسريع هدم المنازل' و'الولاء' و'منع الأذان'، فقد أضيفت إلى معاناة العرب الفلسطينيين من التمييز العنصري ومصادرة الأرض والاعتقالات الإدارية وغيرها.

ويبدو أن المؤسسة الإسرائيلية ماضية في ملاحقة الناشطين في الحركة الإسلامية سابقًا وأنها لم تكتف بحظرها وشل فعالياتها وحضورها السياسي، وتضيّق مساحة العمل السياسي أمام حزب التجمع الوطني الديمقراطي.

حملة ترهيب

وعن الاعتقالات الأخيرة لقيادات وناشطين في الحركة الإسلامية (الشمالية) المحظورة، قال رئيس لجنة الحريات في لجنة المتابعة، الشيخ كمال خطيب، لـ'عرب 48' إن 'ما يحدث هذه الأيام على الرغم من عدم معرفتنا بالخلفيات أو الشبهات التي يتم على أساسها تنفيذ الاعتقالات في العموم وهذا العدد من المعتقلين يشير إلى أنها حملة لخلق حملة ترهيب في المجتمع الفلسطيني بشكل عام وإلى من هم مقصودون بالاعتقال. لا ننسى ان ظروف الاعتقالات تجعل قناعتنا بأن الداخل الفلسطيني مستهدف، فالاعتقالات تأتي على وقع حملة هدم البيوت، وإقرار قانون تسريع هدم البيوت، في نفس الوقت نعلم أن يوم الأرض ما تزال ذكراه قريبة علينا، وموضوع الأرض حاضر بشكل صارخ ويذكرنا بما حدث عام 1976، وداخلنا الفلسطيني بحاجة ماسة إلى التكاتف والتلاحم والالتقاء على المشترك بيننا، لأننا بين يدي مرحلة جديدة وتصعيد غير مفهوم تجاه مجتمعنا'.

هل ترى أن هناك تحركا جماعيا لمواجهة هذا التصعيد؟

خطيب: أصدقك القول بأنه حتى الآن لا أرى أن فعل المؤسسة يقابله رد فعل متضامن مع نفسه ضد هذه الحملة، نحن في لجنة الحريات الممثلة لكافة الحركات السياسية في الداخل نأمل أن تتوجه لجنة المتابعة لدارسة هذا الملف واتخاذ الموقف المقابل.

قانون القوي

وقال الحقوقي عمر خمايسي من مؤسسة 'ميزان لحقوق الإنسان' لـ'عرب 48' إنه 'واضح جدا أنه بعد حظر الحركة الإسلامية وحظر أكثر من 30 جمعية أواخر العام 2015 جاءت المرحلة الثانية وهي اعتقال الأفراد الذين يخدمون شعبهم ووطنهم في مناحي مختلفة، وعلى هذا الأساس فإن المؤسسة الإسرائيلية ترى أنه من الضرورة ملاحقة الأفراد والتي نراها ملاحقة سياسية، وهي تريد الاستمرار في التضييق على العمل الأهلي ووأده، وتنفذ الاعتقالات وتربطهم بمشاريع تتعلق بالأقصى والقدس كما كان في ملف عشاق الأقصى وغيرها من الملفات'.

بعد الاعتقالات الأخيرة جرى تمديد اعتقال لأكثر من مرة؟

خمايسي: نعم، لأننا نتكلم عما بعد قانون ما يعرف بقانون 'الإرهاب' والذي سُنّ بعد بعد حظر الحركة الإسلامية وقيل فيه بشكل واضح إنه سيشمل المؤسسات الأهلية الداعمة للأيتام والتعليم والفقراء وما إلى ذلك، بالاستناد لهذا القانون تتم هذه الملاحقات، فهذا القانون يعطي صلاحيات واسعة للشرطة والمخابرات والمحاكم، وعلى هذا الأساس فإن معظم الملفات تتم تحت حظر النشر وحظر لقاء محام، وبالتالي تمديد الاعتقال تلو عدة مرات.

لم نتعود على قانون يسن ويتم محاسبة أشخاص بشكل رجعي على 'مخالفات' قبل القانون؟

خمايسي: الادعاء أن هذه الأمور ما بعد سن القانون، ولكنا نسأل هل دعم الأيتام إرهاب؟ هل دعم الفقراء إرهاب؟ هل التواصل مع المقدسات إرهاب؟ بالتالي إسرائيل تريد التضييق أكثر فأكثر علينا في الداخل الفلسطيني، هل الحراك الشعبي والجماهيري إرهاب؟ طبعا لا، لكن المؤسسة التي تشرع هذه القوانين تعتقد أن هذه النشاطات تصب ضمن ما يسمى معاداة 'يهودية الدولة' واستنادا على ذلك تنفذ هذه الملاحقات.

هل هي عودة لسنوات السبعينات والستينات؟

خمايسي: لنقل إن سنوات الستينات التي شهدت الحكم العسكري انتهت رسميا عبر إلغاء مهمة الحاكم العسكري، ولكن كقوانين استمرت، واليوم نرى تصعيدا في هذه السياسات. هناك قيادات في الداخل الفلسطيني مُنعت من السفر لخارج البلاد ودخول القدس، ومنعت من فتح حسابات بنكية، كذلك مُنع بعض القياديين من العمل ضمن الأطر القانونية في الجمعيات والمؤسسات، كل هذه الأمور تؤكد أننا نعيش فترة الحكم العسكري.

أين دولة القانون؟

خمايسي: القانون هو شعارات والقانون للقوي فقط، لم يكن القانون أبدا ليحمي الضعيف، القانون يكون بيد الأغلبية وصاحب السلطة والقوة، واليوم الأغلبية يهودية والقوة والسلطة بيدها فهي تضع القانون الذي يتناسب مع تحقيق مصالحها، والادعاء أنها دولة قانون، نعم هو قانون القوي.

عودة بوادر الحكم العسكري

وقال الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، د. إمطانس شحادة، لـ'عرب 48'، إننا 'نرى تحولا بالأدوات والسياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، وهذا نابع من شعور بالثقة بالنفس لديها وبأنه بإمكانها ضرب التيارات السياسية العربية التي ترى فيها عائقا أو معطلا لفرض موقف سياسي مقبول من الحكومة في المجتمع العربي، أي أن الحكومة تريد فرض وجهة نظر ودية لدى المواطنين العرب تجاه الدولة، وفرض أجندة عمل عربية في القضايا المعيشية اليومية وإهمال البعد الجماعي القومي والديني، ومحاولة ضرب أي توجه جماعي قومي أو ديني'.

وأضاف د. شحادة أنه 'في ظل الهدوء في الضفة الغربية وما يحدث في العالم العربي من تشرذم، ولنقل الخوف والتوتر داخل المجتمع العربي في الداخل، ترى الحكومة أنها قادرة على وضع قواعد سياسية جديدة للمشاركة السياسية للأقلية الفلسطينية في الداخل'.

هل وُضع برنامج وحدوي نضالي للتصدي لهذه السياسات؟

د. شحادة: لا أرى أننا نتصرف كأقلية عربية وفقا لهذا التشخيص، التصرف لم يرتق إلى الحدث ولم يرتق إلى قناعة أن هناك تغييرا جذريا في السياسات الإسرائيلية، فقط من خلال مشروع عمل جماعي يمكن الرد على هذا التغيير، ولا يكفي أن يأتي الرد فقط من الحركات المستهدفة وحدها مثل الحركة الإسلامية أو التجمع. يجب إقناع كافة التيارات السياسية في الداخل أن هناك تغييرا جديا ومن ثم التعامل وفقا لهذا التشخيص.

إذا أنت ترى أن الحركات السياسية في الداخل لم تصل بعد إلى قناعة التغييرات الجذرية الحاصلة في الممارسات الحكومية؟

د. شحادة: هناك ملاحظة لهذه الأمور، ولكن التصرف غير نابع من تشخيص خطورة هذا التحول، أي ينظر إليه بشكل عادي كما سبق وتخطينا أمورا ماضية، ولكنها نقطة تحول تنفذها الحكومة لتغيير قواعد اللعبة وعمليا محاولة للعودة إلى منظومة الحكم العسكري. سنعقد ندوة قريبة مع أكاديميين عنوانها 'العودة للحكم العسكري' فنحن نرى هذا الخطر ونشخصه على هذا النحو ونسعى إلى تحويله لقناعة المجتمع الفلسطيني وبحث أدوات التصدي معا.

 القيادات العربية تدفع ثمن مواقفها الوطنية

وقال النائب عن القائمة المشتركة، د. يوسف جبارين، لـ'عرب 48' إنه 'لا شك أن استهداف القيادات العربية في السنوات الأخيرة اتخذ منحى خطيرا، وتضمن بوادر عودة إلى سياسات الحكم العسكري، بالإضافة إلى استعمال صلاحيات استبدادية ضد أهالينا مثل الاعتقال الإداري لمحمد إبراهيم من كابول ومئات أوامر الإبعاد عن منطقة القدس والمسجد الأقصى، وكانت وزارة القضاء قد عرضت قبل عدة أشهر في لجنة الدستور البرلمانية مسودة اقتراح قانون يتم من خلاله تشريع صلاحيات من أنظمة  الطوارئ الانتدابية لتكون جزءا من القانون الإسرائيلي، تعطي من خلاله صلاحيات واسعة لوزير الأمن في كل ما يتعلق بالاعتقال الإداري وتحديد حرية الحركة'.

وأضاف د. جبارين أن 'هذه المسودة تشكل فصلا مما يسمى قانون 'الإرهاب'، لكنه أُبقي كقانون منفصل قدمت فيه مسودة ولم يقدم لنقاش في الكنيست بعد، وهو بالتأكيد سيعرض في الكنيست'.

لكن واقعيا يجري العمل اليوم بقانون الطوارئ الانتدابي؟

د. جبارين: نعم صحيح، ولكن مقترح القانون يدل على أن الحكومة معنية بتوسيع صلاحياتها في هذا المجال وأيضا ترتيب الجوانب القانونية لتسهيل استعمال مثل هذه الصلاحيات الاستبدادية وكخطوة استباقية لتدخل قضائي ممكن ضد هذه الصلاحيات.

ماذا عن برنامج وحدوي للتصدي لهذه الممارسات؟

د. جبارين: هناك تحديات كبيرة، نحن نعيش حالة استنزاف دائم بسبب اتساع دائرة التحديات بدءا من قضايا الأرض والمسكن ومصادرة الأراضي، مرورا بقضايا العنف المستشري والملاحقات السياسية وقانون الإقصاء. وبرأيي أن ملاحقة القيادات السياسية ترتبط بالدور الذي تلعبه هذه القيادات في تنمية الأجواء للوحدة الوطنية وأيضا في تنمية الروح النضالية والمواجهة في سعيها لتنظيم الأقلية العربية، بمعنى لو كانت هذه القيادات مهادنة لما تم استهدافها، ولذلك فالقيادات العربية تدفع ثمن مواقفها الوطنية ووقوفها في وجه سياسات المؤسسة ومنع المؤسسة من فرض مخططاتها التهويدية على مستوى الهوية والأرض والمسكن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018