حُصري من عكا: النكبة مستمرة والحكم العسكري يتواصل

حُصري من عكا: النكبة مستمرة والحكم العسكري يتواصل
الحاج عبد الناصر حصري من عكا (عرب 48)

زرتهُ في منزله الصغير المتواضع في مدينة عكا، يطلُ على البحر، يسكن قريبًا من القبور، يبتسم لهذا المكان، إذ ليس هناك مَن يُعاتِبه أو يلومه على أي شيء، لكنّ الحاج عبد الناصر محمود حصري يشعُر وكأنه في الجنّة، كما قال، حيثُ يحاذي بيته الأعزاء الراحلين بينهم زوجته ووالده ومن خلفه موج البحرِ الثائر.

سألته: 'لمن تشتاق؟' فتغيّرت ملامح وجهه، وبكى مِن شدة حزنه على الراحلين، فقد توفيت والدته وهو صغيرٌ وربته جدّته، وكان يناديها أمي، ثم دارت الأيام ليهاجر الوالد إلى لبنان بعد اللحاق بمن تركوا فلسطين وهاجروا.

وقال الحاج عبد الناصر حصري من عكا، لـ'عرب 48'، إنه 'لم يبقَ من عائلتي أحد، جميعهم هاجروا إلى خارج البلاد، سكنوا في لبنان، سورية، ألمانيا، الدنمارك، كندا والسعودية، وحافظنا على التواصل بين معظم هؤلاء المهجرين واللاجئين للحفاظ على الروابط الإنسانية والأخلاقية'.

ووصف الحاج حصري قساوة الحياة ووحشة الوحدة بالقول إنه 'بقيتُ لوحدي أنا وأبي رحمه الله، فقد رفض أن يهاجر حتى توفي في العام 1954، وكان عمره 50 عامًا، وعندما هاجرت العائلة، قال والدي: 'سأبقى في عكا وأموت فيها. لن أخرج من هنا'. نحن بالأصل من قرية الكابري المهجرة، لكنّ والدي كان يعمل في 'معسكر الجيش البريطاني'، وفي العام 1939 أوصلنا والدي إلى عكا للمكوث لدى عمّتي، فدخلت المدرسة وتتلمذت في عكا، ثم تزوج والدي وسكن عكا، وبعد سنوات جاء عمي محمد وأقام في المدينة، كانت عمتي متزوجة، وبقي كل من جدتي وجدي في الكابري. عرفتُ لاحقًا أنّ والدي طلق أمي وأنا في سن ثلاثة أشهر، كنتُ طول الوقت أقضي عطلتي ما بين الكابري وعكا، مع أصحابي وأعمامي وعمّاتي، وطول الوقت كنت أقول لجدتي 'يما'، لم أعرف أحدًا سواها، وحين بدأ التهجير رفض والدي اللجوء ثم لحقتُ بأقاربي إلى قانا في لبنان ومكثتُ 15 يومًا ثم اشتقتُ لعكا وسرعان ما عُدت، قبل احتلالها بخمسة عشرة يومًا. وفي إحدى المرّات كان اليهود قد أغلقوا أسوار عكا، ومَن يدخُل البوابة يجب أن يحمل تسريحًا، لكننا كنّا أطفالا ننزل عن السور ونقفز ثم نخرُج لإحضار الطعام، فبيوت أهلنا مغلقة، والكثير من العائلات تمّ اعتقالها عندما احتُلت عكا، وفُرض الحكم العسكري، بينما كانت البوابتان الغربية والشرقية في إغلاق تام. تمكن اليهود من اعتقالي وأصحابي، كنتُ في سن 14 عامًا، وكانت القيادة العسكرية خارج عكا، ثم نقلونا إلى هناك وضربونا بشكلٍ وحشي، وكان جميع أصدقائي يبكون، لكنني لم أبكِ فجُنّ الجندي الإسرائيلي، ثم همس الضابط للجندي وضربي بشدة، نظر صاحبي إليّ ثم عادَ الضابط ليسدّد ضربة أخرى على بطني ولم أبكِ، بينما بكى أصدقائي بشدّة، ويبدو أنّهم ثاروا بسبب عنادي، وطلبوا مني الاستدارة باتجاه الحائط، وبدأ الضابط المسؤول بضربني بنعله، لم تنهمر الدموع ثم أخذوني إلى البلدية كي يتم نقلي إلى المعتقل، وكان أحد الأشخاص من اللجنة التي سلمت البلد يدعى أحمد، سألنا ماذا تفعلون هنا؟ أخبرناهم ما فعل الجنود، صرخ مسؤول اللجنة بوجههم وسرعان ما تركونا، لم أتحرك لمدّة شهر ونصف في الفراش، وهذا الأمر سبب لي عقدة، ولا يزال قلبي مليئا بالغضب، كنّا نقف في الشارع نحمل ما نستطيع حمله من طعامٍ وشرابٍ وحاجيات على العربة ونوصلها إلى بيت صاحبها أو صاحبتها لنحصل على أجرٍ في نهاية اليوم. أذكر أنه في أحد الأيام كنّا نلعب نحنُ الأولاد وإذ بشخص يهودي يتجه نحونا، نظرُت إليه وقفزت في الهواء وأمسكته وبدأت بضربه ثم تركته وهربت وبعد مدة طويلة إذ بالشخص نفسه وأنا أجرُ العربة ينظر نحوي، أعاد النظر مرّة أخرى فعرف أنني أنا من ضربه ثم توجه إلى مركز الشرطة، عندها قمتُ برمي العربة وبقيتُ أسبوعًا كاملاً مختفيا، هكذا كانت حياتنا صعبة ووضعُنا كان مؤلمًا ليس فقط في الكابري بل في جميع البلاد. وشهدت عكا أحداثا سيئة جدًا، إذ قام يهودي باغتصاب فتاة عربية من عكا، وحين هربت إلى بيت خالها القريب، وإذ بهم يطلقون النار على خالها ليسقط شهيدا بينما ظنّ المهجرون إلى لبنان أنّهم ذاهبون لبعض الوقت ثم العودة إلى الوطن'.

وأضاف الحاج حصري: 'هربتُ مرّة أخرى بعد الاحتلال إلى لبنان، وكان والدي هناك، فسافرتُ لأراه بعد شوقٍ كبير، ولم أنجح بالبقاء في البيت لوحدي فقد طلّق والدي أمي وربتني جدّتي فصرتُ أعاملها وكأنها أمي، مكثتُ شهرًا بين لبنان وسورية ثم عُدت إلى عكا، قلتُ لعمي الثاني الذي يُقيم في لبنان بأنني سأعود غدًا إلى فلسطين، ردّ عمي: 'لقد سجلتُكَ مع أولادي هنا في المدرسة في نهر البارد، ألا يكفي أنّ والدك لم يَعُد، وأنتَ أيضًا ستذهب ولن تعود؟! خفتُ منه، فهربتُ صباحًا، ودعتُ جدتي التي كنتُ أناديها 'يمّا'، ثم عدتُ إلى فلسطين، لم يبقَ لي سوى أولاد عمي ومعظمهم في مخيمات اللجوء في الخارج، هكذا كانت حياتنا في عكا قاسية، لكنّني رغم ذلك أحبّ هذا البلد'.

وعن فترة الحكم العسكري، قال حصري، إن 'تلك الفترة شهدت مضايقات كبيرة مِن قِبل اليهود وتمّ الزج بأعداد كبيرة من الشباب العرب بالمعتقلات، في ظل اضطهاد وتعذيب كبير، كانت المعتقلات التي زج الشباب العرب داخلها من الأسوأ في البلاد، تعرّض الشباب للإهانات كي تُشعرهم بالإذلال والقسوة والغُبن، وكان المعتقلون يكتمون أساليب التعامُل معهم ليسَ خوفًا بل خجلا من الشعور بالذل والإهانة'.

وأنهى حصري بالقول إنه 'عملتُ في الأفران فكنتُ أعجن قبل دخول الماكنات، وفي العام 1951 تزوجت بعد عودتي مباشرةً من لبنان، فقد حذره الأقارب من العودة إلى لبنان وترك الوالد لوحده، ومن شدة خوف الوالد علي قام بتزويجي، فأنجبتُ 14 ولدًا، ولاحقًا انضممتُ إلى الكشاف في عكا مع المرحوم جريس جمّال الذي سلّمني السريّة المسيحيّة، ثم أسسنا لاحقًا الكشاف الإسلامي'.

في مسيرة حياة الحاج عبد الناصر حصري حكايات مؤلمة، عاشها جيل النكبة وتعيشها أجيال وأجيال تلعق مرارة النكبة والتهجير والحكم العسكري والعداء لا لشيء سوى أنهم أبناء شعب فلسطين. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


في معنى النكبة... الكارثة والخلاص بالفكر الروائي

في معنى النكبة... الكارثة والخلاص بالفكر الروائي

أكبر اقتحام يومي للمسجد الأقصى المبارك منذ النكسة

أكبر اقتحام يومي للمسجد الأقصى المبارك منذ النكسة

تاريخ التطهير العرقي لفلسطين... من الإنكار إلى التعويم

تاريخ التطهير العرقي لفلسطين... من الإنكار إلى التعويم

مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى المبارك

مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى المبارك

أم الزينات وخبيزة المهجرتين: شوق وحنين للأرض والزيتون

أم الزينات وخبيزة المهجرتين: شوق وحنين للأرض والزيتون

معلول: ترميم المعالم المتبقية أملا بالعودة

معلول: ترميم المعالم المتبقية أملا بالعودة

"ألعاب غير معترف بها" حكاية أطفال النقب في صور

إحياء ذكرى شهداء الطنطورة

إحياء ذكرى شهداء الطنطورة

قصص النكبة: موسى صايغ يستذكر سقوط يافا

قصص النكبة: موسى صايغ يستذكر سقوط يافا

حكاية هند الحسيني مع أيتام مذبحة دير ياسين

حكاية هند الحسيني مع أيتام مذبحة دير ياسين

إحياء ذكرى النكبة في مهرجان بشفاعمرو

إحياء ذكرى النكبة في مهرجان بشفاعمرو

المخيمات أصل الحكاية: مفتاح تتناقله الأجيال تشبثا بالعودة

المخيمات أصل الحكاية: مفتاح تتناقله الأجيال تشبثا بالعودة

النكبة مستمرة: هدم البنايات وسرقة التاريخ في وادي الصليب

النكبة مستمرة: هدم البنايات وسرقة التاريخ في وادي الصليب

من تاريخ النكبة: تهجير وتشريد ومذابح بحق الفلسطينيين

من تاريخ النكبة: تهجير وتشريد ومذابح بحق الفلسطينيين

الطلاب العرب يحيون ذكرى النكبة في جامعة تل أبيب

الطلاب العرب يحيون ذكرى النكبة في جامعة تل أبيب

البعنة: التجمع يختتم أسبوع أفلام النكبة

البعنة: التجمع يختتم أسبوع أفلام النكبة

النكبة مستمرة: هكذا هُجّر أهالي الجماسين قرب يافا

النكبة مستمرة: هكذا هُجّر أهالي الجماسين قرب يافا

النكبة مستمرة: تهجير لوبية وملاحقة أهلها وثوارها

النكبة مستمرة: تهجير لوبية وملاحقة أهلها وثوارها

69 عاما على النكبة: العودة إلى الكابري المهجرة

69 عاما على النكبة: العودة إلى الكابري المهجرة

ترسيخا لحق العودة: زيارات إلى قريتي البروة وميعار

ترسيخا لحق العودة: زيارات إلى قريتي البروة وميعار

النكبة: هجرّوا الأهالي ودمرّوا الكابري في يوم واحد

النكبة: هجرّوا الأهالي ودمرّوا الكابري في يوم واحد

في الذكرى الـ69 للنكبة

في الذكرى الـ69 للنكبة

أهالي حطين يزورونها في الذكرى 69 للنكبة

أهالي حطين يزورونها في الذكرى 69 للنكبة

البعنة: مشاركة واسعة في افتتاح أسبوع أفلام النكبة

البعنة: مشاركة واسعة في افتتاح أسبوع أفلام النكبة

أهالي الدامون يجددون العهد من قريتهم المهجرة

أهالي الدامون يجددون العهد من قريتهم المهجرة

اليوم: الفلسطينيون يحيون ذكرى النكبة بمسيرة العودة بالكابري

اليوم: الفلسطينيون يحيون ذكرى النكبة بمسيرة العودة بالكابري

غصة النكبة ونشوة الاستقلال

غصة النكبة ونشوة الاستقلال

إجزم: حكايات مؤلمة وذكريات لا تنسى

إجزم: حكايات مؤلمة وذكريات لا تنسى

مباركي يروي لـ

مباركي يروي لـ"عرب 48" ذكريات النكبة في النهر والكابري

أبو خالد في لِفتا... أن تزور بلدك بعد 69 عاما من التهجير القسري

أبو خالد في لِفتا... أن تزور بلدك بعد 69 عاما من التهجير القسري

مسيرة العودة العشرون إلى قرية الكابري

مسيرة العودة العشرون إلى قرية الكابري