النقب: "السياج" وعودة مفهوم الحكم العسكري

النقب: "السياج" وعودة مفهوم الحكم العسكري
(أ.ف.ب)

يتماثل معظم سكان النقب مع مصطلح "السياج" عند ذكره أمامهم، ويعرفه كبار السن بشكل جيد جدا، ومن عايشوا فترة الحكم العسكري في النقب بشكل وقد يعيد إليهم السؤال عن مصطلح السياج، الكثير من الذكريات السيئة للعذاب والملاحقة والمعاناة خلال الحكم العسكري.

"السياج" هو الاسم الذي أطلقته العصابات الصهيونية على المنطقة التي حاصروا فيها معظم سكان النقب، خلال النكبة وفترة الحكم العسكري، والتي تمتد شمال شرق النقب في المنطقة الواقعة بين بئر السبع عراد، ديمونا ويروحام، وكان الهدف من هذا الحصر، هو نقل عرب النقب من أراضيهم التاريخية التي تتوزع على كامل منطقة النقب التاريخية، إلى منطقة محصورة بإمكان الحاكم العسكري والعصابات الصهيونية السيطرة على البدو فيها، وتقليل عمليات التهريب ومنع عرب النقب من التواصل مع الامتداد العربي في باقي مساحة فلسطين التاريخية.

يحد خط 40 منطقة السياج من الجهة الجنوبية، كما يمنع عرب النقب من السكن بعد خط 40، أما بخصوص من بقوا بأراضيهم، فإنّ الدولة تحاول ملاحقتهم بشكل يومي أكثر من غيرهم، وذلك عن طريق الملاحقة السياسية القانونية، وهدم البيوت وحرث المحاصيل ومصادرة المواشي والأغنام، واليوم، أضافت الحكومة أسلوباَ جديداَ إلى أساليبها القمعية، والذي يتمثل بسحب مواطنتهم، فقد سحبت السلطات الإسرائيلية المواطنة من آلاف المواطنين العرب في النقب، خلال السنوات الماضية، بادعاء تسجيل خاطئ بحسب زعم موظفين في وزارة الداخلية.

قسم كبير من مسلوبي المواطنة كان يحمل الجنسية لعشرات السنين، وحتى أنهم شاركوا في التصويت في الانتخابات، ولكن فجأة وجدوا أنفسهم من دون مواطنة.

يسكن هؤلاء في القرى العربية مسلوبة الاعتراف التي تخطط إسرائيل إلى ترحيلهم عن أراضيهم والاستيلاء عليها كما يسكن معظم عرب النقب الذين تم سحب مواطنتهم، على حدود شارع 40 (قبله وبعده) وهم المجموعة التي تعيش الظروف المعيشية الأسوأ في النقب.

بعض القرى التي تقع خارج خط 40 هي بير هداج، عبدة ويروحام.

تقع قرية بير هداج البدوية في النقب، غربي شارع 40 بالقرب من "كيبوتس ربيبيم"، حيث يقطنها اليوم حوالي 6,000 مواطن. وتقع القرية ضمن نفوذ المجلس الإقليمي "واحة الصحراء". كما أنّ اسم القرية أخذ من بئر المياه الموجود في المكان التاريخي، والتي تسمى بالعربية "بئر هدّاج".

ثبّت السكان حقوقهم على أرضهم التاريخية في القرية، حيث حقق أهالي القرية، عودة كاملة إلى أرضهم، بعد تهجير العصابات الصهيونية لهم في شاحنات، ونقلهم إلى داخل منطقة السياج، استمرّ الأهالي في العودة إلى القرية أكثر من 4 مرّات، حتّى تم الاعتراف بهم عام 1999 على أرضهم الأصلية.

مع كلّ هذا، وفي غياب خطة بناء مفصلة للقرية، لا يستطيع السكّان طلب تصاريح للبناء، وفي ظلّ هذا الوضع، تتعرّض قرية بير هدّاج، لسياسة هدم البيوت.

وتظهر نوايا الحكم العسكري المستمرّ في ذهنية الدولة، عبر ممارساتها في النقب، وهو ما يوصل رسالة واضحة، مفادها أنّها لا تريد أن يعيش أيّ من العرب خارج الجيتوات، التي حددتها لهم، وبالذات خارج منطقة السياج، وبعد خط 40، حتّى أنّ الدولة مستعدة لإيقاف مواطنتهم إذا عارضوها، أو تهديدهم بشتى أنواع التهديدات، بحجة عدم قانونية وجودهم، أو إنقاص حقوقهم، أو حتى طردهم بسبب أنّهم "ليسوا مواطنين في الدولة".

جدير بالذكر، أنّ العديد من المزارع الفردية والتجمعات السكانيّة اليهوديّة والعسكريّة الجديدة، أقيمت في المنطقة نفسها، خلال السنوات الأخيرة.

سليم الجنزيري من قرية بئر هداج زوج وأب لـ10 اطفال

وقال سليم الجنزيري، من قرية بير هداج، وهو زوج وأب لعشرة أطفال، إنّ "زوجتي وأبنائي وإخوتي كلهم حصلوا على مواطنتهم، وأنا سلبت منّي هذه المواطنة، تمّ سلبها منّي، منعوني عن أداء فريضة الحج، بحجة أنّني لست مواطنًا، أنا وآلاف مثلي من سكان خط 40... من أين أتينا... من القمر؟".

وأضاف "بدأت القضية معي منذ 20 عاما، عندما حاولت تجديد إحدى أوراقي القانونيّة، اكتشفت حينها، أنّني لا أملك المواطنة الإسرائيليّة، على الرغم من أنّني مولود هُنا، ولم أغادر البلاد سابقًا".

وتابع الجنزيري، "توجهت حينها إلى وزارة الداخلية لفهم الخطأ وإصلاحة، وكان تعامل وزارة الداخلية مع طلبي، هو الاشتراط بإحضاري رزمة من المستندات، منها أوراق من صندوق المرضى، ومستندات من وزارة النقل، ومكان العمل أو السكن، ومستندات من سلطة تطوير البدو، وبعد إحضاري لكلّ هذه المعاملات، كان ردهم أنّ الجواب على طلبي، سيأتي بعد إنهاء المعاملات اللازمة خلال الأشهر القريبة، وأنّ عليّ الانتظار لبضعة أشهر".

وأوضح الجنزيري، "انتظرت طويلًا، ولكن لا جواب، وعند عودتي بعد أشهر من يوم الطلب، بدأت المماطلات من جديد، كان ردّ الوزارة في بعض الأحيان، أنّه لم يصل جواب لطلبي، وأحيانًا كان يتمّ التعامل معي على أساس أنّني المخطئ، ويجب عليّ إحضار مستندات أخرى، أو تقديم الطلب مرّة أخرى".

وأضاف الجنزيري "كان واضحًا لنا منذ البداية، أنّ الوزارة تلعب معنا لعبة قذرة، لم نفهم النوايا، ولكن تأخيرهم ومماطلاتهم كانت بلا سبب، سوى أنّهم لا يريدون إعطاءنا مواطنتنا، وفي المقابل، كنّا نعاني من هدم بيوتنا، ونعاني من الملاحقة المستمرّة في أماكن سكننا، بدعوى عدم وجود ترخيص للمباني، كما أنّه لم يكن هناك أيّ جهة رسميّة يمكننا التوجه إليها، لإعطائنا رخصة للبيت، ولكن على ما يبدو، أنّه يوجد رخص للهدم!

وأكّد الجنزيري "حتّى أبنائي... اضطررت لتقديم العديد من الطلبات لهم خلال فترة طويلة، حتى يحصلوا على المواطنة، وهم ولدوا في مستشفى سوروكا، وبعد مجهود طويل، حصلوا على المواطنة".

وتابع "هناك الكثير من سكّان خط 40 والمنطقة، يعانون من القصة نفسها، أو قصص شبيهة بهذه... هناك من كانوا مجندين في الجيش الإسرائيلي، تمّ سلب مواطنتهم، ويبدو أنّنا ملاحقون حتّى بمجرد وجودنا على قيد الحياة، نحن لا نريد شيئًا، سوى أن نعيش بكرامتنا، ويكفوا عن سلب حقوقنا وهدم بيوتنا وتضييق العيش علينا وعلى أبنائنا".

ومن جهته، عقّب النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، جمعة الزبارقة، في بيان أصدره مكتبه البرلماني، ووصل نسخة منه موقع "عرب 48"، أنّه "بعد فضح قضية سحب المواطنة من الآلاف من عرب النقب، وباعتراف وزارة الداخلية الإسرائيليّة، نؤكد أنّنا لن نقف مكتوفي الأيدي، أمام محاولة طردنا من وطننا بالتدرج، بعد فصول من الملاحقة السياسيّة المتعاقبة ومحاولات نزع الشرعيّة عن وجودنا".

وقال النائب، هذا الإجراء الذي يسمح لموظف بسحب المواطنة من خلال تغيير بيانات محوسبة بـ"كبسة زر"، ويحول حياة الكثيرين إلى جحيم يتنافى مع القانون الإسرائيلي ذاته، والذي يخوّل وزير الداخليّة بصلاحيّة سحب المواطنة فقط، في حال تمّ الحصول على المواطنة، على أساس معلومات كاذبة، وذلك بعد أن تنظر المحكمة في طلب سحب المواطنة، شريطة أن يتم ذلك قبل مرور ثلاث سنوات من الحصول عليها".

وأكد الزبارقة، أن "سحب المواطنة يجعل المواطن عرضة للتنكيل، ويحد من حرية التنقل، إذ لا يتمتع حاملو الإقامة الدائمة بحق التصويت أو الترشح للانتخابات العامة ولا بإمكانية الحصول على جواز سفر ولا ينتقل حق الإقامة الدائمة تلقائيا لأبنائهم، كما يجعلهم عرضة لسحب الإقامة الدائمة في حال السفر لفترات متواصلة في الخارج. وقد تلقيت، مؤخرا، توجها من أحد الشباب حاملي الإقامة الدائمة والمحرومين من الحصول على المواطنة بحكم قانون منع لم الشمل الجائر، والذي تقدم بطلب إصدار جواز سفر لغاية التعليم الخارج البلاد فتم إبلاغه أن الإقامة الدائمة ستسحب منه في حال خروجه، وفقا لسياسة وزارة الداخلية".

وجاء أيضا في بيان المكتب البرلماني للنائب جمعة الزبارقة، أنّه "نثني على النواب العرب في القائمة المشتركة، وعلى عملهم المستمر ومتابعتهم القضية من خلال لقاءات وزيارات ميدانية والمبادرة لنقاش في لجنة الداخلية ضد الإجراءات التعسفية وتغيير الوضعية القانونية للمواطنين العرب حتى دون علمهم، وسأعمل بالتعاون مع زملائي وزميلاتي لمواكبة الموضوع واستنفاذ الخطوات القانونية والبرلمانية اللازمة من خلال تقديم رسائل مستعجلة لوزارة الداخلية والمستشار القضائي للحكومة لإلغاء هذه الممارسات غير القانونية أساسا".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018