العام 2017: محطة فارقة بالعلاقة بين إسرائيل والمواطنين العرب

العام 2017: محطة فارقة بالعلاقة بين إسرائيل والمواطنين العرب
أم الحيران

في مشهد أعاد إلى الأذهان حقبة الحكم العسكري، تشكلت مع بدء العام 2017، ملامح العلاقة ما بين المواطنين العرب في البلاد والمؤسسة الإسرائيلية، التي اختارت تجريم العمل السياسي لفلسطينيي 48، عبر ملاحقة وتجريم القيادات العربية الوطنية ومحاولة نزع الشرعية السياسية عن النواب العرب في القائمة المشتركة، وذلك سعيا منها لإعادة رسم حدود دائرة النشاطات السياسية والوطنية وسلخ الداخل عن قضايا الشعب الفلسطيني واستنزاف قدراته وقواته بالصراع على الحقوق الخدماتية والمدنية.

وإن اعتادت إسرائيل لعقود على نهج سياسة العصا والجزرة في تعاملها مع المواطنين العرب، لكنها في العام 2017 أشهرت العصا دون الجزرة في حالة شكلت ظاهرة فتكت بصميم المفاهيم الديمقراطية المتعارف عليها دوليا حول حرية العمل السياسي والنضال الجماهيري، وخاصة لدى الأقلية المضطهدة، بأفرادها وقيادتها، لتنحدر إسرائيل إلى تجريم الحقوق السياسية والمدنية للفرد أيضا، لتحول علاقاتها مع المواطنين العرب من صراع سياسي مدني وحقوقي إلى صراع يتم إدارته والتعامل معه بوسائل وآليات أمنية.

وحمل عام 2017 الكثير من المتغيرات والتحولات بالنسبة للمواطنين العرب بالبلاد، ولعل أبرز المحطات التي شكلت علامة فارقة في مستقبل العلاقة ما بين المواطنين العرب ومؤسسات الدولة هي قضية الأرض والمسكن، مثلما عبر عنها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بإصداره توصيات لسلطات إنفاذ القانون بهدم المنازل العربية في المثلث والجليل والمدن الساحلية والنقب، انتقاما لإخلاء البؤرة الاستيطانية "عمونا" التي أقيمت على أراض بملكية خاصة للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

الأرض والمسكن ودولة تقتل مواطنيها

فجر العاشر من كانون الثاني/يناير الماضي، كانت قلنسوة على موعد مع الهدم الجماعي. إذ حُولت المدينة إلى ثكنة عسكرية وحوصرت بمشهد يحاكي ساحة حرب، حيث هدمت الجرافات الإسرائيلية 11 منزلا بنيت على أراض خاصة بذريعة البناء دون تراخيص.

وعكست الهجمة السلطوية على قلنسوة جوهر الصراع الحقيقي.. إنه صراع وجود لا حدود، فجرافات الهدم التي انطلقت من المثلث حطت في النقب. في الثامن عشر من الشهر ذاته تكرر المشهد على أراضي قرية أم الحيران.. هدم وتشريد لإقامة مستوطنة "حيران" على أنقاض القرية مسلوبة الاعتراف.

وكانت حصيلة الهجمة على أم الحيران هدم 15 منزلا واستشهاد المربي يعقوب أبو القيعان برصاص الشرطة الإسرائيلية، التي عمدت ومن أجل التستر على جريمتها الترويج لرواية أن الحديث يدور عن "عملية إرهابية وإن أبو العقيان ينتمي لتنظيم داعش".

وإلى اليوم ما زالت تروّج لهذه المزاعم رغم كشف الحقائق، بزعم أن الحديث يدور عن عملية دهس، فيما واصلت الشرطة توفير الحماية للسلطات التي هدمت خلال على عام 2017 أكثر من 1000 منزل ومنشأة غالبيتها العظمى بالنقب.

تكميم الأفواه وإجراءات عدوانية

ومثلما صعدت المؤسسة الإسرائيلية من إجراءاتها الميدانية العدوانية ضد العرب، واصلت القيادات الإسرائيلية إطلاق التصريحات العنصرية التي باتت الخطاب السائد في المشهد السياسي الإسرائيلي. وأعلنت وزيرة الثقافة، ميري ريغف، في نهاية شهر كانون الثاني/يناير، عن مشروع قانون "الولاء الثقافي"، تحجب بموجبه الميزانيات عن المؤسسات الثقافية التي تناهض الرموز والطابع اليهودي لدولة إسرائيل، وفي حال شجعت على مقاومة الاحتلال، سعى القانون إلى تقييد الحريات ومنع حرية التعبير عن الرأي للمؤسسات الثقافية والأدبية العربية.

ولم تقتصر سياسة تكميم الأفواه على المؤسسات والجمعيات. إذ صادق الكنيست على مشروع قانون "الفيسبوك" الذي قدمته وزير القضاء، آييلت شاكيد، ووزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان. ويسمح القانون للمحاكم الإسرائيلية بإزالة وحذف مضامين عن شبكة التواصل الاجتماعي والتي تعتبرها إسرائيل تحريضية، فيما سيسمح للشرطة باعتقال صاحب المنشورات وتقديمه للمحاكمة.

تجريم العمل السياسي والملاحقة السياسية للقيادات والجماهير

ومنذ اندلاع الهبة الشعبية الفلسطينية، في تشرين الأول/أكتوبر 2015، وما تبعها من تشريع قانون "مكافحة الإرهاب"، تلاحق السلطات الإسرائيلية الشباب العرب الفلسطينيين وتتتبع وتراقب منشوراتهم في شبكات التواصل الاجتماعي وتضيق عليهم مساحة التعبير السياسي، حيث تم اعتقال المئات وإخضاعهم للتحقيق والعشرات منهم قدمت ضدهم لوائح اتهام.

وأرفقت هذه التشريعات بحملة اعتقالات وملاحقات سياسية لأعضاء التجمع الوطني الديمقراطي وكذلك لنشطاء الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا، والنشطاء في الحراك الشبابي واللجان الشعبية، بهدف ترهيبهم ومنعهم من التصدي للسياسات الإسرائيلية العنصرية، في حالة تشير للعودة إلى فترة الحكم العسكري، لكنه يأتي بحلة جديدة: حكم عسكري بزي مدني.

وحفزت هذه التشريعات والتصريحات العنصرية لقادة الائتلاف الحكومي وعناصر اليمين على التمادي في تنفيذ الاعتداءات على المواطنين العرب. إذ شهد العام 2017 هجمة غير مسبوقة واعتداءات متكررة على المواطنين العرب في البلدات الإسرائيلية. كما نقلت عصابات "تدفيع الثمن" نشاطاتها العدوانية من الضفة الغربية لتنفيذ عشرات الجرائم داخل الخط الأخضر باستهداف المساجد والكنائس والمقابر وممتلكات المواطنين العرب.

ترهيب الجماهير بتحقيقات "الشاباك"

لم يكن الواقع العنصري بعيدا عن التشريعات العنصرية. فقد صادقت اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريع على قانون إسكات الأذان وأجراس الكنائس، وهو القانون الذي ما زال مثار للجدل وتجرى عليه تعديلات لكي يستثني الكنس التي تستعمل مكبرات الصوت لتعلن دخول السبت وانتهائه.

كما صادق الكنيست على تعديل "قانون أساس: الكنيست"، الذي يتيح شطب المرشحين للكنيست بناء على تصريحاتهم. كما صوتت لجنة الكنيست على تطبيق قانون "الإطاحة" ونزع الحصانة البرلمانية عن النائب باسل غطاس، وذلك قبل تقديمه للمحاكمة والتوصل لصفقة مع النيابة العامة بموجبها يقضي غطاس ومنذ تموز/يوليو من العام 2017 عقوبة السجن لعامين لدعمه ولتواصله مع الحركة الأسيرة بسجون الاحتلال الإسرائيلي.

وفي دولة لطالما تغنت بأنها جزيرة ديمقراطية في الشرق الأوسط وإنها تضمن الحريات للأقليات، تجند الجهاز القضائي والمحاكم الذي أضحى الختم المطاطي لتثبيت وتكريس التشريعات العنصرية، لتكن قرارات المحاكم متناغمة مع القوانين والتشريعات الجديدة وخاصة تلك التي تحد من الحريات.

تجندت المحكمة العليا لسياسة تكميم الأفواه وتحجيم الحريات، حين شطبت الالتماس الذي قدمته جمعية حقوق المواطن، ضد جهاز الأمن العام "الشاباك"، إذ تعلق الالتماس باستدعاء نشطاء سياسيين للاستجواب والتحقيق ضمن "محادثات تحذيرية"، بينما يصفها "الشاباك" بأنها "استجواب". وأكد الالتماس أن "الشاباك" يمارس ذلك ضد ناشطين يشاركون في مظاهرات واحتجاجات سياسية على قضايا لا تحظى بإجماع إسرائيلي.

يهودية الدولة وتشريد العائلات الفلسطينية بمنع لم المشل

مددت السلطات الإسرائيلية سريان مفعول التعديل على "قانون المواطنة" الذي يمنع لم شمل الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر. وهو التعديل الذي صدر عام 2003 كـ"أمر مؤقت" يجري تمديده سنويا، وبشكل تعسفي منذ 15 عاما.

وعلى وقع تداعيات "قانون القومية" أو ما بات يعرف بـ"يهودية الدولة"، ومع تجليات العنصرية بمنع لم شمل العائلات الفلسطيني، تمادت سلطات إنفاذ القانون بسياسات التضييق على المكان ومحاصرة الحيز ومصادرة الأرض بأثر رجعي في النقب ضمن "مخطط برافر" الهادف لمصادرة 800 ألف دونم بملكية خاصة للعرب وهدم القرى العربية مسلوبة الاعتراف والتي يقطنها نحو 100 ألف عربي، إضافة إلى الاستمرار في سياسات الهدم التي تستهدف حصريا المواطنين العرب، حيث أصدرت شاكيد قرارا بتسجيل أراضي النقب باسم الدولة.

تكرر مشهد استهداف المواطنين العرب برصاص الشرطة الإسرائيلية، وهذه المرة في مدينة كفرقاسم، حيث قتل الشاب محمود طه، في الخامس من حزيران/يونيو، خلال مظاهرة للجنة الشعبية احتجاجا على تقاعس الشرطة في مكافحة العنف والجريمة وامتناعها عن فك رموز الجرائم التي ارتكبت بالمدينة، وذلك كسائر عشرات جرائم القتل التي وقعت في البلدات العربية وسُجلت ضد مجهول.

بدلا من البحث عن المجهول واللغز المفقود لدى الشرطة، اختارإردان، التحريض على القيادة العربية، متهما النواب العرب بالمشتركة بأنهم يدعمون "حالة الفوضى في تطبيق القانون"، كما صرح محرضا بأن النواب العرب "هم جزء من الأزمة وليس من الحل"، في تحول جديد يهدف إلى نزع الشرعية عنهم.

خطاب عنصري وتحريض دموي

شهر تموز/يوليو، كان تصعيديا بامتياز للعنصرية والملاحقة السياسية للقيادات والنشطاء. فقد فرضت أحكام قاسية ضد معتقلي مظاهرات "برافر"، فيما تعالت أبواق جوقة التحريض الرسمي للوزراء وأعضاء الكنيست ضد القيادات والجماهير العربية، على خلفية نضالهم دفاعا عن المسكن وأخر ما تبقى للمواطنين العرب من أراض، بل دفع العرب ضريبة الدم مجددا، حيث قتلت الشرطة الشاب مهدي السعدي من مدينة يافا بعد مطاردة بوليسية تخللها إطلاق عناصر الشرطة النار صوب السعدي.

وشهدت الساحة السياسية الإسرائيلية تصعيدا بالخطاب العنصري للوزراء وأعضاء الكنيست ضد القيادات والجماهير العربية، عقب الاشتباك المسلح في ساحات الأقصى والذي أدى إلى استشهاد ثلاثة شبان من أم الفحم ومقتل شرطيين إسرائيليين.

وانضم وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، إلى أردان الذي حمل القيادات العربية مسؤولية ما يحدث من مظاهرات ومواجهات، وكرر تحريضه على نواب المشتركة، ودعا إلى منع الأحزاب العربية من خوض انتخابات الكنيست، فيما اتهم الوزير يسرائيل كاتس حزب التجمع والحركة الإسلامية بتأجيج الأوضاع ودعا للتعامل مع الحركة الإسلامية بـ"قفازات من حديد".

المشتركة وأزمة التناوب

في الوقت الذي كانت الجماهير العربية بأمس الحاجة للوحدة ورص الصفوف للتصدي لحملة التحريض الإسرائيلية على النواب العرب ومحاولات وزراء بالحكومة شيطنة المشتركة، أتت أزمة التناوب بالقائمة المشتركة بعد استقالة كل من النائب عبد الله أبو معروف والنائب أسامة السعدي، لتعميق الشرخ بين مركباتها وحتى الفعاليات والحركات السياسية والوطنية غير الممثلة بالكنيست.

وساهمت المماطلة في تنفيذ اتفاق التناوب بالتسبب بضرر لمستوى التأييد للقائمة المشتركة، على مستوى التأييد الانتخابي والرضى العام. وقد جاءت أزمة التناوب إلى جانب سلسلة محطات عصفت بالقائمة المشتركة لترجح كف أصحاب الرأي الذين لا يرون بالمشتركة أكثر من لحظة انتخابية ومشروع كراسي للوصول إلى الكنيست وليس مرحلة تاريخية تؤسس لمشروع وطني وإعادة بناء لجنة المتابعة العليا.