د. إغبارية: الانقسامات والتبعية ما زالت تتسبب بنكبة الفلسطينيين والعرب

د. إغبارية: الانقسامات والتبعية ما زالت تتسبب بنكبة الفلسطينيين والعرب

من اللافت أن أول من استعمل التعبير أو صك مصطلح "نكبة"* الذي بات يختصر ما وقع في فلسطين عام 1948، المفكر السوري قسطنطين زريق، لم ير أن النكبة تتمثل أساسا، فقط، في تشريد وتهجير الشعب الفلسطيني، ولكن في إقامة دولة إسرائيل.

زريق الذي أصدر كتابه "معنى النكبة" في آب/أغسطس 1948 أي قبل انتهاء "الحرب" في فلسطين رأى بالحرب على الفلسطينيين نكبة منذ اللحظة الأولى، بما ستفضي إليه من إقامة كيان استعماري في فلسطين، ومن نتائج كارثية على المشروع القومي والوحدة العربية والتحرر والتخلص من الاستعمار، ورغم أن تعريف لما وقع عام 1948 كنكبة، يتضمن تهجير سكان فلسطين، فإن هذا لم يكن اهتمام زريق الأساسي، ولكنه جزأ العوامل التي جعلت من تأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين أمرًا كارثيًا.

لقد نظر زريق وهو المفكر القومي المعروف، إلى الموضوع ببعده السياسي، وهو يقول في هذا السياق "ليست هزيمة العرب فى فلسطين بالنكبة البسيطة، أو بالشر الهين العابر، وإنما هى نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتلى به العرب في تاريخهم الطويل، على ما فيه من محن ومآسٍ".

وفي وصفه لتطور الأحداث يقول زريق "سبع دول تعلن الحرب على الصهيونية فى فلسطين، فتقف أمامها عاجزة ثم تنكص فى أعقابها، قضية لم يعرف التاريخ أعدل منها وأقرب إلى الحق: بلد يغتصب من أهله ليجعل وطنا لشراذم من الخلق ينزلونه من شتى أقطار العالم، ويقيمون فيه دولة رغم أنوف أصحابه والملايين من إخوانهم فى الأقطار المجاورة، أربعمائة ألف عربى أو أكثر يشردون من بيوتهم، وتنتزع منهم أموالهم وأملاكهم، ويهيمون على وجوههم في ما تبقى من فلسطين وفى البلدان العربية الأخرى، لا يدرون ما يخبئه لهم القدر.

ولتأكيد وجهته تلك، أصدر زريق بعد هزيمة 67 كتاب "معنى النكبة مجددا" وهو بهذا المعنى أعاد التأكيد على أن النكبة لا تتمثل بالكارثة الإنسانية التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 48 فقط، بل أيضا وأساسا بهزيمة العرب السياسية أمام المشروع الصهيوني، التي أنتجت هذه الكارثة، وهي هزيمة تكررت عام 67 وما زالت تتكرر فلسطينيا وعربيا حتى اليوم.

حول معاني النكبة وترجماتها وتجلياتها اليومية عربيا وفلسطينيا، أجرينا هذا الحوار مع د. مسعود إغبارية أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية:

عرب 48: هناك من حاول وما زال، بنجاح إلى حد بعيد، إسقاط البعد العربي من النكبة وحتى اختزال بعدها السياسي وتحويلها إلى كارثة إنسانية حلت بالشعب الفلسطيني؟

إغبارية: الجوهر السياسي للصراع وبعده العربي لا يمكن انتزاعهما منه بتلك البساطة، فالصراع مع الحركة الصهيونية في فلسطين بدأ أصلا عندما أدرك الفلسطينيون أن اليهود قادمون إلى هنا لأهداف سياسية، وذلك في ما يسمى الهجرة اليهودية الأولى عام 1886، قبلها كانت فلسطين تستقبل الكثير من اليهود القادمين إليها بدواع دينية أو انسانية بكل ترحاب.

عندما تحولت الهجرة إلى سياسة استيطانية هدفها اقامة دولة يهودية، تصدى لها الفلسطينيون وما زالوا يتصدون للاستيطان باعتباره استعمارا كولونياليا إلى اليوم.

عرب 48: ولكن الهجرات الأولى وإن أسفرت عن إقامة مستوطنات، فإنها تمت بواسطة شراء أراض من الفلسطينيين؟

إغبارية: أنا أرفض استخدام مصطلح بيع وشراء أراضي في سياق العلاقة مع الحركة الصهيونية باعتباره مصطلحا تضليلي، ليس فقط لأن ملكية الأرض لم تكن لأصحابها الذين يفلحونها والذين عادة ما كانوا يطردون منها بالقوة بعد إبرام الصفقة، بل لأن عمليات البيع والشراء ذاتها غير شرعية، وكانت تتم تحت التهديد والابتزاز، ويكفي في هذا السياق إيراد ما قاله يوسف نحماني الذي كان نشطا في إنجاز صفقات السيطرة على الأراضي الفلسطينية لصالح "الكيرن كييمت" في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، يقول نحماني في فيلم أخرجته داليا كاربل: "عندما كنت أذهب لإنجاز صفقة أراضي كان مسدسي جاهزا دائما لإطلاق النار".

عرب 48: على كل حال، فإن عمليات الشراء إن تمت فعلا فإنها لا تتعدى 4-5% من أراضي فلسطين، ولكن أهمية السيطرة على الأرض قبل 48 تكمن في خلق ركائز سياسية وعسكرية للكيان العتيد؟

إغبارية: من المعروف أن الحركة الصهيونية لم تحقق نجاحات على الأرض حتى انهيار الإمبراطورية العثمانية، وسقوط المنطقة العربية بأيدي الاحتلال البريطاني الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، وتطبيق اتفاقية "سايكس بيكو" التي أبرمت عام 1917 وهدفت إلى تقاسم المنطقة وتجزئتها، وهي السنة ذاتها التي صدر فيها تصريح بلفور.

قبل ذلك لقيت محاولات هرتسل واقتراحاته التي قدمها للسلطان عبد الحميد أبوابا مغلقة في إسطنبول، رغم الإغراءات الكبيرة التي عرضها وبضمنها تسديد جميع ديون الدولة العثمانية، ومساعدتها في قمع الحركات القومية العربية والأرمنية وغيرها، بالمقابل وللمفارقة، وقع الملك فيصل ملك العراق ( وهو ابن الشريف حسين) عام 1919 مع رئيس الحركة الصهيونية حاييم وايزمن على وثيقة يعترف فيها بشرعية تصريح بلفور ويلتزم بالعمل على تنفيذه.

عرب 48: من الواضح أن انهيار الإمبراطورية العثمانية لم يخدم الفلسطينيين، خاصة وأن البديل القومي لم يكن ناضجا، وترك الرسن لملوك وأمراء تابعين لبريطانيا على شاكلة الملك فيصل والملك عبدالله وغيرهم؟

إغبارية: من الجدير التنويه أن تصريح بلفور الذي اعتبر إنجازا للحركة الصهيونية وضربة مؤلمة للعرب والفلسطينيين، جاء ليس فقط كرمى لعيون الحركة الصهيونية التي اعتبرت رأس حربة للاستعمار، بل في إطار الصراع بين الدولتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى على فلسطين التي كانت وفق اتفاقية سايكس بيكو منطقة دولية، وحاولت بريطانيا الاستحواذ عليها بواسطة الحركة الصهيونية.

عرب 48: لقد صدر هذا التصريح بالرغم من أن اليهود في فلسطين كانوا يشكلون وقتها نسبة لا تذكر من سكان فلسطين، حوالي 50 ألفا فقط؟

إغبارية: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بدأت تتدفق بعد الحرب العالمية الأولى، وخاصة في الثلاثينيات والأربعينيات، حيث دفع هتلر نفسه باليهود للهجرة إلى فلسطين، فيما دفعت الحركة الصهيونية بإغلاق أبواب الهجرة إلى كندا وأمريكا والبرازيل وأستراليا، وفي هذا السياق يعترف يئير شطيرن مؤسس عصابة "الليحي" بوجود تنسيق مع النازيين عن طريق السفارة الألمانية في أنقرة.

عرب 48: ولكن الحقائق التاريخية تشير إلى دعم الحركة الصهيونية لبريطانيا في الحرب العالمية الثانية، وتجند عشرات آلاف اليهود في الجيش البريطاني، جرى استغلال قدراتهم القتالية وعلاقاتهم العسكرية لأغراض تنظيم وتسليح القوات الصهيونية؟

إغبارية: صحيح، ولكن الحركة الصهيونية قبل الحرب كان لها خطوط مفتوحة مع ألمانيا، كما أنها بقيت على علاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية لاحقا، واستفادت من تلك العلاقات سياسيا من خلال تصويت الأخير على قرار التقسيم، وعسكريا من خلال صفقات الأسلحة من الدول الشرقية، والتي كان أبرزها صفقة السلاح التشيكية.

عرب 48: هناك من يقول إن الصفقة التشكية هي التي حسمت "الحرب"، ولكن الصهيونية نجحت في الإمساك بطرفي معادلة المنتصرين بعد الحرب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مثلما نجحت بعد الحرب العالمية الأولى بإمساك طرفي المنتصرين بريطانيا وفرنسا، بينما كنا نحن، العرب والفلسطينيين، مع الطرف الخاسر؟

إغبارية: تشخيص صحيح بالنسبة للصهيونية التي نجحت في مؤتمر بالتيمور الذي عقد في الولايات المتحدة عام 1942 وحضره نائب الرئيس الأميركي، في حينه، هاري ترومان، الذي أصبح رئيسا لاحقا، حيث أمسكت الحركة مرة أخرى بقرني الدولة الاستعمارية التي أخذت محل بريطانيا، وانتزعت منها اعترافا بحقها في تنفيذ وعد بلفور بإقامة دولة على كل أرض فلسطين، وتشكيل قوة عسكرية لتنفيذه، وهي الوثيقة التي حظيت عام 1944 بمباركة الرئيس روزفلت.

أما بالنسبة للعرب فهو غير دقيق، لأن الملوك والأمراء، أمثال عبدالله وفيصل وفاروق وغيرهم، كانوا مع بريطانيا أيضا بفارق بسيط أنهم كانوا تابعين أذلاء تتناقض مصالحهم مع مصالح شعوبهم، وتلتقي مع مصالح بريطانيا والصهيونية.

عرب 48: أنت تعود الى "الثالوث" الذي يسميه البعض دنسا، ويحمله مسؤولية نكبة فلسطين الذي يتشكل من الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية، ولكن ماذا مع الجيوش الدول العربية التي حاربت في فلسطين!؟

إغبارية: إضافة إلى كل ما قيل وكتب عن مسرحية حرب الجيوش العربية فلسطين، من "ماكو أوامر" وحتى الأسلحة الفاسدة، فإن هناك وثائق رسمية تم الكشف عنها حديثا، تشير إلى أن المخابرات الأميركية والدبلوماسية البريطانية، كانتا وراء إرسال الجيوش العربيىة لفلسطين، وخلق حالة تطبق فيها للوهلة الأولى سبعة جيوش عربية على قوة صغيرة، في حين أن المواجهة على الأرض هي بين 30 ألف جندي مزودين بسلاح فاسد، وبين 70 ألف جندي مدربين ومسلحين بأحدث الأسلحة.

وهناك عدة تفسيرات لضرورة خلق مثل هذه الحالة، منها وأهمها استكمال عملية تهجير الفلسطينيين تحت دخان الحرب، علما أن التطهير العرقي في فلسطين بدأ بعد ساعتين من صدور قرار التقسيم في 29/11/ 1947، حيث يفيد المؤرخ إيلان بابه أنه حتى تاريخ 15/5 كان قد تم طرد 250 ألف فلسطيني من بيوتهم، بينما يقدر إبراهيم أبو جابر العدد بـ 425 ألفا.

وكان قد تم احتلال القدس وارتكاب مذبحة دير ياسين في 9/4/1948، إضافة إلى احتلال حيفا في 22/4 ويافا في 24/4/1948 أي قبل 14/5 موعد انتهاء ما يسمى بالانتداب البريطاني على فلسطين.

عرب 48: ولكن أين كان الفلسطينيون؟

إغبارية: كان تأثير الثورات التي قام بها الفلسطينيون منذ احتلال بريطانيا لفلسطين في كانون الاول 1917 ضعيفا في نهاية الأمر ولم يتكلل بالنجاح للأسباب التالية: أولا: استطاع الاحتلال البريطاني، ولا اقول الانتداب البريطاني، لفلسطين منذ اليوم الاول من ضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للشعب الفلسطيني. تم استهداف قادته منذ البداية وكانت السياسة اما القتل واما التهجير من الوطن ونجحت بريطانيا في ترسيخ سياسية فرق تسد. ثانيا، لعب انتشار الجهل بين الفلسطينيين والعرب دورا سلبيا في دعم انقسام الفلسطينيين في العشرينيات من القرن العشرين. ثالثا، نشطت العصابات الصهيونية بتصفية بؤر المقاومة الفلسطينية ومنظماتها وكوادرها قبل 1948 وقد عملت لهذا الغرض عصابات الهاغاناة، والاتسل والليحي ولم يكن هناك تردد في اقامة عصابات مثل عصابة قادها الضابط البريطاني وينغت. رابعا، لم تكن هناك استراتيجية فلسطينية للاعتماد على الذات. فحين اكتشف الفلسطينيون ضعفهم في نهاية سنوات العشرين استنجدوا بالمسلمين من اجل نصرتهم فدعوا الى عقد المؤتمر الاسلامي الاول في المسجد الاقصى في عام 1931 وحضره المئات من المسلمين من بينهم رياض الصلح من لبنان وعبد العزيز الثعالبي من شمال افريقيا ومحمد اقبال من الهند وخرج المؤتمر بقرارات لم يتم تنفيذها على ساحة الواقع حتى اليوم. مع انني لا اقلل من اهمية الدعم الخارجي الا انه كان احرى بالفلسطينيين ان يستنجدوا بأنفسهم اولا وان يجمعوا الطاقات الداخلية الكامنة والهائلة ويوحدوها ويفجروها. خامسا، كان التدخل العربي الرسمي سلبيا منذ البداية وساعد على احداث النكبة. ففي عام 1919 وقع الامير فيصل على اتفاقية فيصل وايزمن معترفا بتصريح بلفور، وفي سنوات الثلاثين تدخل قادة العرب (فاروق وغازي وعبد العزيز وعبد الله ) لوقف وإفشال الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939 حيث كانت بريطانيا بحاجة ماسة للتهدئة لمواجهة الحرب العالمية الثانية التي كانت على الابواب.

عرب 48: ما هي الدروس المستفادة؟

إغبارية: انقسامات العرب وفشلهم في أن يأخذوا أمورهم بأيديهم ما زالت هي سبب نكباتهم وهزائمهم، وانقسام الفلسطينيين وفشلهم بأن يعتمدوا على انفسهم، يفجروا طاقاتهم الهائلة الكامنة، ويمسكوا بزمام أمورهم بمعزل عن الأنظمة العربية هو سبب نكبة الفلسطينيين وإخفاقاتهم. نظرة تاريخية شاملة على التطورات تجعلنا نوقن ان هناك رغم استمرار النكبة ونزف الجراح كثير من المكاسب والانجازات ولا يمكن انكارها حين نرغب في فهم ما يدور اليوم بعد 70 سنة من بداية النكبة الفلسطينية. الشعب الفلسطيني اليوم اكثر عددا ومنتشر في مختلف بقاع الارض واكثر وعيا لما يدور تجاه قضيته، واكثر استعدادا للتلاحم حول هويته ومصالحه المشتركة ولا شك ان وسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التكنولوجي في الاتصالات والمواصلات تلعب دورا في هذا، واكثر استعدادا للعمل الجماعي على مختلف المستويات، وفي النهاية اكثر استعدادا لتحدي ومواجهة الظلم.


د. مسعود إغبارية: أنهى شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة العبرية في القدس وشهادة الماجستير في قسم التاريخ من جامعة جورج تاون في العاصمة الأميركية واشنطن، وحصل على شهادة الدكتوراة في قسم العلوم السياسية من جامعة ماريلاند الأميركية، وهو باحث ومحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس.

كما استخدم المصطلح الكاتب والمؤرخ الفلسطيني «عارف العارف» (1891-1973) في كتابه «نبكة فلسطيني والفردوس المفقود»، والذي رأى أن النكبة بدأت على الفلسطينيين منذ اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 إلى اليوم

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018