مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ

مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ

قمتان قصيرتان لجبل المقبرة، تتوسط كل قمة منهما مجموعة من القبور العالية، التي تعود إلى تاريخ قديم. حجارة محطمة وموجودة في كل الاتجاهات، قد لا تُمَيَّز أنها قبور لشدة اهترائها، وقِدمها ونقص العناية بها. السنوات الطويلة سمحت للأعشاب الضارة والرمال، أن تكون سيدة الموقف في مقبرة كسيفة التاريخية، حيث غيرتْ هذه العوامل المشهد وأصبحتْ المقبرة أشبه بِخربة أثرية، من كونها مقبرةً حديثة الاستخدام.

بين القبور تتكون صورة أخرى من الآبار والكهوف القديمة، المصنوعة بشريا في معظمها مما يُوحي أن لها مكانة تاريخية مهمة باعتبارها جزءا من تراث شعبي، واجتماعي وسياسي، ولكن نقص التوثيق وشحّ المعلومات حول المقبرة ومكانها، بالإضافة إلى عدم اهتمام المؤسسات الحكومية المسؤولة، يجعلنا لا نعلم أي كنز أو أي تاريخ موجود فوق أرضها أو تحتها.

جارَ الزمن على مقبرة كسيفة التاريخية. المقبرة ومنطقتها التي شكلت خلال بدايات القرن الماضي محطة للاستراحة، والتزود بالمياه من آبارها، وكانت مكانا للِّقاء بين الأفراد والجماعات، فكانت مكانا حيويا يعكس الحياة الاجتماعية.

بالرغم من التزايد السكاني الكبير في النقب منذ النكبة حتى اليوم، والتغيرات التي واجهها المجتمع تجد أن معظم سكان النقب الجنوبي والشمالي، قد سمعوا عن مقبرة كسيفة ومدرستها التاريخية، وذلك لأن مقبرة كسيفة ومدرسة تل الملح التي تبعد عنها عشرات الأمتار فقط، ما تزالان تشغلانِ حيزا مهما في ذاكرةِ كبار السن في النقب، وحيزا في ذاكرة الأبناء، الذين سمعوا القصص المُتعلّقة بهما من الأجيال السابقة، التي عمدت إلى ذكرهما والاستشهاد بهما فيما يتعلّق بقصص الزمن الماضي.

"يؤذينا جميعا رؤية أقدم المعالم في بلدتنا، ونحن عاجزون عن التأثير على مسار الأمور" هكذا بدأ إسماعيل الزبارقة حديثه لـ"عرب 48"، حيث أكمل: "زوجتي رحمها الله دفنت في طرف الجدار لعدم تبقّي أماكن للدفن، مما يعطي هذه المقبرة مكانة كبيرة بالنسبة لي، لأن أمرا شخصيا يربطني بها(...) إن هذه القضية بالذات تحتل أولوية ومكانة كبيرتين لدى أهالي كسيفة بسبب رمزيتها، كما أننا نرى في قضية مقبرة كسيفة التاريخية إحدى أكثر القضايا التي يجب أن تكون ضمن الأولويات الكبرى لدى مجالسنا المحلية".

وأردف إسماعيل الزبارقة قائلا: "عبر تاريخ قرية كسيفة، والتي يسكنها اليوم حوالي 17 ألف نسمة، تم تهجيرنا بالقوة لبناء مطار عسكري على أراضينا، مثلنا كمثل غيرنا ممّن لم يحصلوا على على بدائل أو حلول عادلة" مُضيفا: "أزمة السكن التي يُعاني منها الأحياء، ورغم صعوبتها، لا تغلبها سوى أزمة الدفن للأموات، فإذا كان بامكاننا تأجيل أعراس أبنائنا لعدم وجود مكان كي يسكنوا فيه، فليس بإمكاننا تأجيل أمواتنا حتى نحصل على مكان نستطيع دفنهم فيه!".

وختم إسماعيل الزبارقة حديثه قائلا: "إذا ما قورِنتْ المقابر العربية بالمقابر اليهودية، سوف نرى ما يُخيف حقا، إذ أن مقابر اليهود، تحظى بعناية دولية وعالميّة(...) مقابرنا ليست موجودة على سلم أولويات أحد، وقد يتم محاربتها أيضا لما تختزلهُ من تاريخ".

وقال أحمد العمور لـ"عرب 48" وهو أحد سكّان قرية كسيفة، ومتزوج، ولديه 6 أبناء: "مقبرة كسيفة ليست بالقضية الشائكة، نحن نعيش هنا ونرى ما يحدث، المجلس المحلي مُلم جدا بالقضية ويعلم حيثياتها وتفاصيلها، كما توجه له العديد من المواطنين على مدار السنوات من كامل الأطياف والعائلات لحل مشكلة المقبرة، قد يكون المجلس المحلي، ببساطة غير معني في إصلاح الحال، وقد يكون السبب أن الأمر يفوق قدرته فقط".

وعن أكبر المشاكل التي يراها أحمد العمور في قضية المقبرة، قال: "أولا عند استذكاري للمقبرة أبدأ من مدخلها، فَلِكي تصل المقبرة الموجودة على جبل عالٍ، عليك قيادة سيارة دفع رباعي، ثانيا لم يتبقَّ في المقبرة أي مكان للدفن، قد قطع الناس السلك الحدودي للمقبرة بسبب الضيق، وتم الدفن الأخير في بلدة كسيفة خارج سياج المقبرة المتعارف عليه، كما أنّ المساحة المخصصة للصلاة تُمثّل مُشكلة حقيقية، إذ أن الناس يضطرّون للصلاة خارج السياج على سفح الجبل، بشكل غير مريح وخطر أيضا، لعدم قدرة المقبرة على استيعاب المشيّعين".

وختم العمور حديثه قائلا: "كنا نتمنى لو كانت مشاكلنا مُقتصرة على عدم وجود إضاءة، أو كانت تقصيرا في العناية بالمقابر، أو ما شابه، لكنّ المشاكل التي نُواجِهُها أكبر بكثير، فقد وصلتْ حالةُ إهمال للمقبرة، إلى درجة دفعت النّاس للمشي فوق بعض قبورها ، لاستحالة تمييز الحجارة المتناثرة، فيما إذا كانت مُجرّد حجارة أم كانت هيكلَ قبرٍ قديم".

وقال مدير قسم الرياضة في مجلس كسيفة المحلي، عدنان العمور لـ"عرب 48": "الضائقة في مقبرة كسيفة موجودة منذ عشرات السنين، تأوي بلدة كسيفة الكثيرين وتُقدم الخدمات الأساسية لسكانها البالغ عددهم 17 ألف مواطنٍ، بالإضافة إلى الآلاف من القرى العربية المحيطة غير المعترف بها، والتي ليس لها منفذ آخر للحصول على الخدمات الأساسية سوى بلدة كسيفة".

وأكمل عدنان: "بالفعل، يُدفن في مقبرة كسيفة ليس فقط سكانها، وإنما الكثير من عائلات وعشائر المنطقة، لذا فالحاجة إلى تغيير واقع مقبرة كسيفة أمر ضروري، ولحل هذه المعضلة يجب إيجاد حلول أكثر إبداعية".

وختم عدنان العمور حديثه بالقول: "وجب علينا توجيه النقاش الاجتماعي والضغط الشعبي في اتجاه السلطات المسؤولة، يجب علينا السعي للحصول على اعتراف بكون المنطقة أثرية، وذلك لإجبار المؤسسات المسؤولة على الاعتناء بها بحكم القوانين الدولية التي تنصّ على حماية الأماكن الأثرية، بالإضافة إلى تقديم حلول بديلة لأهالي كسيفة لدفن موتاهم مثل فتح مقبرة جديدة مناسبة لاحتياجات المنطقة".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ

مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ

مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ

مقبرة كسيفة التاريخية: الإهمال الحكومي أداةٌ لطمس التاريخ