د. محاجنة: لم يهجروا؛ سحب الوطن من تحت أقدامهم

د. محاجنة: لم يهجروا؛ سحب الوطن من تحت أقدامهم

إسرائيل صادرت كل مقومات المجتمع الفلسطيني دون أن تلقي لنا بفتات المساعدات الاجتماعية

حياة البؤس والفقر التي عاشها الداخل امتدت طيلة فترة الحكم العسكري

تم تشغيل الفلسطينيين في أعمال "داحك" ووظائف حقيرة


لم تنته الحرب ضد الوجود الفلسطيني في البلاد بنكبة عام 1948، بل تواصلت بسلسلة من العمليات والمخططات جرى تنفيذها بالتوازي، واستكملت بعضها البعض، وفي هذا السياق يتحدث د. يئير بويمال، تحديدا، عن ست عمليات تواصل تنفيذها حتى سنوات الستينيات، وأمنت لإسرائيل القضاء على قدرة الفلسطينيين الباقين في الوطن من تطوير اقتصاد مستقل، عبر نقل وسائل الإنتاج التي بحوزتهم إلى القطاع اليهودي، وربط مصادر رزقهم بالسوق الإسرائيلي.

العملية الأولى هي إتمام مصادرة الأراضي، حيث جرى نقل 60% من الأرض التي بقيت تحت تصرف البقية الباقية من الفلسطينيين إلى الوسط اليهودي؛ والثانية، مصادرة وسيلة الإنتاج الزراعية الثانية وهي المياه ونقل غالبيتها من استعمال الزراعة العربية إلى الاستعمال المكثف للزراعة اليهودية؛ فيما تمثلت العملية الثالثة بتنفيذ خطة حكومية محكمة أدت إلى القضاء على 72% من المصالح الاقتصادية العربية وإخضاع الـ 28% المتبقية للمؤسسة الزراعية الصهيونية.

العمليات الثلاث المذكورة، والتي جرى تنفيذها تحت نظام الحكم العسكري، تسببت ببطالة واسعة بين العرب بموازاة انتعاش اقتصادي كبير وغير مسبوق بالمقاييس العالمية في السوق الاقتصادي الإسرائيلي، تم التعبير عنها بالحاجة المتزايدة للأيدي العاملة، لتبدأ عملية ضبط كمية وشكل وتوقيت استيعاب الأعداد الهائلة من العاطلين العرب، ودمجهم بالوظائف الأكثر احتقارا في سوق العمل الإسرائيلي؛

أما العملية الخامسة، التي يتحدث عنها بويمل، فهي تحسين البنية التحتية للقطاع العربي بهدف زيادة استهلاكه وشراء منتجاته من المراكز التجارية الإسرائيلية، ليتم ترجيع قيمة الأجور التي يحصل عليها العمال العرب إلى السوق الإسرائيلي؛ أما العملية السادسة والحاسمة فهي منع تصنيع القطاع العربي لخلق تبعية اقتصادية مطلقة للعرب بالسوق الإسرائيلي، وإحباط احتمال نشوء سوق اقتصادي عربي منافس له.

د. إبراهيم محاجنة الذي بحث في تأثير النكبة والعمليات السياسية، التي قامت بها إسرائيل في عهد الحكم العسكري، على الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية للبقية الباقية من الفلسطينيين، يشير إلى حالة غير مسبوقة من الضيق والعوز والفقر والضنك مرت على المجتمع الفلسطيني، وعاشها آباؤنا وأجدادنا، وصلت حد عجز العائلات الفلسطينية عن توفير الحاجات الأساسية من المأكل والملبس لأفرادها، في حين تراوح رد المؤسسات "ذات العلاقة في الدولة"، بين "التنكر التام" و"الاعتراف الرخيص" و"سياسة الاستهتاربحاجات المواطن العربي.

يقول د. محاجنة في حوار أجريناه معه حول الموضوع إن آباءنا وأجدادنا الذين عاشوا هول النكبة والتهجير، ذاقوا على مدى سنوات طويلة الذل والفقر والحرمان بعد أن سحب الكيان الناشئ "إسرائيل" كل مقومات المجتمع الفلسطيني من تحت أقدامهم، دون أن يقدم لهم حتى الفتات المطلوب على شكل مساعدات اجتماعية.

عرب 48: ألقيت الضوء على جانب لطالما جرى إهماله، ألا وهو الجانب الاجتماعي الاقتصادي في حياة البقية الباقية في الوطن بعد الإعلان عن إقامة دولة إسرائيل عام 1948، وتداعيات النكبة وما عقبها من حكم عسكري دام قرابة العشرين عاما، على حياتهم اليومية التي تميزت ليس فقط بلعق الجراح بل بالجري لتدبير لقمة الخبز التي كثيرا ما كانت مغمسة بالذل؟

محاجنة: الحقيقة أنني بحثت في تطور الخدمات الاجتماعية المقدمة من قبل دولة إسرائيل للمواطنين العرب في مراحلها المختلفة، ولامست من خلال البحث مدى الفقر والعوز الذي عاشه آباؤنا وأجدادنا بعد النكبة وفي الأولى لسنوات الأولى لدولة إسرائيل، وأقصد سنوات الحكم العسكري العشرين بدرجات متفاوتة، وما يمكن أن نسميه إدارة الظهر من قبل مؤسسات الدولة المعنية وأقصد مؤسسات الرفاه الاجتماعي، لهذه الضائقة، علما أن إسرائيل هي دولة رفاه.

عرب 48: دائما قالوا إن إسرائيل "تضرب بيد وتلقى بالأخرى" وما قصدت أن تقوله إنها لم "تلق"، بمعنى أنها صادرت الأرض والموارد الاقتصادية للفلسطينيين، ولم ترم بهم إلى دوائر التشغيل ومكاتب الشؤون الاجتماعية لتلقي مخصصات البطالة ومعونات الإغاثة، بل تركتهم يصارعون الفقر وهم محبوسون في سجن كبير أو سجون كبيرة هي مناطق الحكم العسكري التي يحظر عليهم تركها بدون تصريح؟

محاجنة: نعم، الحركة الصهيونية ومنذ بداية الهجرة إلى فلسطين فكرت في تطوير آليات لتعميق ارتباط "السكان" المهاجرين، بالمؤسسات الصهيونية، واستنتجت أنها يجب أن تقيم "دولة رفاه يهودية"، وشرعوا بإقامة مؤسسات الرفاه أسوة بالمؤسسات الصهيونية الأخرى قبل قيام الدولة.

بمعنى أن الحركة الصهيونية أرادت أن تكون مؤسسات الرفاه لليهود فقط، وجدير ذكره في هذا السياق أن هنريتا صولد وهي صاحبة "الأيادي البيضاء" ومن مؤسسي مستشفى "هداسا"، كانت قد توجهت عام 1937 إلى المندوب السامي البريطاني مطالبة بإقامة "إصلاحية" خاصة باليهود بدلا من "الإصلاحية" المشتركة التي كانت قائمة في طولكرم.

تلك المؤسسات لم تعرف كيف تتعامل مع العرب في السنوات الأولى للدولة، ولذلك دخلت في حالة إنكار لوجودهم، أو انتظار على أمل التخلص من هذا الوجود حتى عام 1957، أي إلى ما بعد حرب 1956 التي نفذت تحت دخانها مجزرة كفر قاسم، وكانت امتحانا لبقاء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وعدم مغادرتهم إلى أي مكان.

عرب 48: ولكن خلال تلك الفترة أو جزء منها عملت مؤسسات إغاثة دولية بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر؟

محاجنة: منذ الإعلان عن قيام الدولة عام 1948 وحتى أواخر عام 1952، عندما قررت إسرائيل إعفاءها من مهامها، عملت بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر عدة منظمات إغاثة دولية، وعلى رأسها وكالة غوث ّوتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ووكالات أممية أخرى كمنظمة العمل الدولية وصندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونيسكو" وصندوق الأمم المتحدة الانمائي ووكالة الزراعة والأغذية "فاو".

عرب 48: هل عملت تلك المنظمات بين اللاجئين في الداخل فقط أو بين جميع السكان الفلسطينيين؟

محاجنة: عملت بين جميع السكان الفلسطينيين الباقين في الوطن أسوة باللاجئين في الشتات، وقدمت لهم المساعدات الإنسانية الأساسية من مأكل وملبس وخدمات صحية وتعليمية أولية.

أنا لم أراجع ملفات تلك المؤسسات، ولكني راجعت مستندات إسرائيلية تشكر تلك المؤسسات، وتتحدث كم وفرت بخدماتها تلك مبالغ طائلة على دولة إسرائيل، ولكن يبدو أن الأخيرة تخوفت من الأبعاد السياسية لبقاء تلك المؤسسات، وخشيت من تشكيل كيان موازي للدولة فقررت إعفاءها من مهماتها الإنسانية.

عرب 48: وهل تولت إسرائيل بنفسها تلك المهمات؟

محاجنة: كما ذكرت استمرت فترة الإنكار والانتظار حتى عام 1957 بعد أن تأكدت إسرائيل في أعقاب مجزرة كفر قاسم أن حلم تهجير ما تبقى من فلسطينيين قد تبخر، عندها أقامت هيئىة داخل وزارة الإغاثة أسمتها "هيئة الأقليات" وهي خطوة رمزية أكثر منها فعلية، بصفتها مؤشر على أخذ العرب بعين الاعتبار والتراجع عن حالة إنكار وجودهم، علما أننا ما نزال نعاني إلى اليوم، من تلك الثنائية التي غلبت خطاب "التعددية الثقافية"، الذي شرعن التمييز تحت يافطة الخصوصية،على خطاب المساواة.

تشكيل تلك الهيئة دشن بداية المرحلة التي أسميتها "الاعتراف لرخيص" التي ميزها خطاب "التغريب"، بمعنى أنكم مختلفون وتحتاجون إلى رعاية خاصة لتصلوا إلى المستوى المدني الذي يؤهلكم للحصول على نفس الخدمات التي يحصل عليها المجتمع اليهودي، والرسالة واضحة أنتم مختلفون ومتخلفون.

ضمن هذه السياسة جرى تعيين عدد قليل من العاملين الاجتماعيين وضباط النظام العرب، الذين اقتصر عملهم في التركيز على الخدمات ذات الطابع الاستشراقي الكولونيالي التي تصب في مصلحة الدولة، كالاستمرار في ما سمي إعادة تثقيف السكان العرب والتوعية (الاهتمام بالنظافة وطرق استخدام الأجهزة الكهربائية الحديثة)، في المقابل استمر ضباط مراقبة السلوك في متابعة أولئك الذين يخرقون القانون والسيطرة عليهم، خاصة "المتسللين"، وهم الفلسطينيون الذين قرروا العودة إلى قراهم التي هجروا منها إضافة الذين شاركوا في أعمال مقاومة ضد الحكم العسكري.

عرب 48: أنت تتحدث عن ثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة الإنكار والتي تمتد من عام 1948 وحتى عام 1957؛ والثانية مرحلة الاعتراف الرخيص التي امتدت من 1957 وحتى 1968؛ والمرحلة الثالثة هي مرحلة سياسة الاستهتارالتي بدأت منذ 1968 ويمكن تقسيمها إلى حقب مختلفة بينها إدارة الفجوات وتقليص الفجوات التي تمتد حتى اليوم؟

محاجنة: نعم

عرب 48: في الفترة الأولى تجاهلت المؤسسة وجود العرب نهائيا؛ وفي الفترة الثانية الممتدة حتى 1968، اقتصر دورها على ما سمي بالتوعية والإرشاد فقط، بينما استغلت مواردها للنيل من "المتسللين" والمقاومين العرب؟

محاجنة: صحيح، فقد منع الاختصاصيون العرب بتعليمات من الوزارة مد يد العون إلى شرائح مثل العاطلين عن العمل، العجزة، الأرامل والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، والذين هم بأمس الحاجة إلى مثل تلك المساعدات.

بالمقابل جرى استيعاب عمال من المهجرين، خاصة في القرى التي هجروا اليها في أعمال "داحك"، وهي تعني "ضائقة" باللغة العربية بينما كان العرب يلفظونها "ضاحك" من باب السخرية، وكان هدف هذه الأعمال تسهيل استيعاب المهجرين في القرى التي هجروا إليها، ومنع عودتهم إلى قراهم المهجرة.


د. إبراهيم محاجنة: محاضر كبير بقسم الخدمة الاجتماعية في الكلية الأكاديمية بصفد. حاز على الألقاب الثلاثة في الخدمة الاجتماعية، بدرجة الامتياز، من الجامعة العبرية في القدس. حصل على البوست دكتوراه من جامعه تل أبيب. تركزت أبحاثه في الفترة الأخيرة على ثلاثة محاور مركزية: تعاطي المجتمع العربي في إسرائيل مع الفقر؛ المحاضر العربي داخل الأكاديمية الإسرائيلية؛ تطور الخدمات الاجتماعية في الداخل الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني إلى الان.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018