د. منار حسن: تدمير الحاضرة الفلسطينية جعل المرأة حبيسة الحيز الريفي

د. منار حسن: تدمير الحاضرة الفلسطينية جعل المرأة حبيسة الحيز الريفي
(Mati Milstein / Adalah)

في كتابها الذي صدر مؤخرا تحت عنوان "المغيبات عن العين" تخلق د. منار حسن تلازمية جديدة/ قديمة بين "النساء والمدن الفلسطينية" في الحضور والغياب وفي السفور والتغييب، عندما حضرت المدينة حضرت المرأة، وعندما غابت الأولى غربت الثانية وانقشع دورها. وباختصار فإن مكانة النساء وعلاقات الجنوسة في المجتمع الفلسطيني هي حاصل عمليات التمدن والترييف التي مرّت وتمر عليه منذ المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، مرورا بفرض الاستعمار البريطاني على فلسطين، وصولا إلى نكبة عام 1948 وتدمير الحاضرة الفلسطينية.

د. منار حسن

حسن تسلط في كتابها، الذي صدر باللغة العبرية، ويستند إلى البحث الذي أجرته في إطار رسالة الدكتوراه، الضوءعلى التحولات التي حصلت في مكانة النساء وعلاقات الجنوسة في المجتمع الفلسطيني في ظل غياب وحضور المدينة بوصفها عاملا مؤسسا للعديد من الظواهر والتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

وهي تخلص إلى نتيجة مفادها أن تدمير حاضرة المجتمع الفلسطيني في الداخل وتغييبها، عام 1948 إبان الاحتلال والنكبة، والذي أفضى إلى القضاء على الغالبية العظمى من مدن ذلك الجزء من فلسطين، الذي سيطلق عليه لاحقا اسم المجتمع الفلسطيني في الداخل أو في إسرائيل (10 مدن من أصل 11 مدينة ) وإجلاء مئات آلاف سكانها المدنيين كانت له أبعاد اجتماعية وثقافية وقومية واقتصادية خطيرة تمثلت في حدوث عمليات ترييف شاملة، حادة وعميقة، انعكست على مكانة النساء وفي علاقات الجنوسة.

والأنكى من ذلك، أن تغييب الحاضرة الفلسطينية لم يقتصر على الحيز وحسب، كما تدعي، بل تم تغييبها من التأريخ ومن الذاكرة الجمعية أيضا، وذلك في الروايتين: الصهيونيه من جهة؛ والفلسطينية من الجهة الأخرى، رغم اختلاف الأسباب، وهو تغييب استمر إلى حين بداية "عودة المكبوت" الحضري، وفق تعبيرها، بدءا من منتصف تسعينيات القرن الماضي.

في سياق محاولتها استحضار بعض جوانب، وحتى "شظايا" الحاضرة المدمرة والمغيبة، وانتشالها من أعماق بحار النسيان، كما تقول، تنوه منار إلى أن المجتع العربي في فلسطين ما قبل نكبة عام 1948، وخلافا لما يُعتقد لم يكن مجتمعا ريفيا أو زراعيا فحسب، بل إن ما يقارب ال-40% من مواطنيه كانوا من المدنيين، كما أن وجود الحاضرة بأحيازها وسكانها، أحدث تحولات وتغيرات اجتماعية هامة وجلية، تخص في جزء منها مكانة النساء والعلاقات بين الجنسين، وهي تحولات لم يبلغها المجتمع الفلسطيني في الداخل، خلال عشرات السنين بعد احتلال عام 1948 وإقامة دولة إسرائيل.

حول المرأة الفلسطينية والمدينة والغياب والتغييب الذي تعرضتا له معا، منذ النكبة وخلالها كان هذا الحوار مع د. منار حسن، الباحثة والمحاضرة في جامعة بئر السبع، ومن طلائع الناشطات النسويات ومؤسسة تنظيم فنار النسوي الفلسطيني الذي نشط في التسعينيات.

عرب 48: توفقت كثيرا في عملية الربط بين المرأة الفلسطينية والمدينة الفلسطينية، التي شكلت الحيز والفضاء الضروري للمرأة للتعبيرعن ذاتها وكينونتها، ولذلك غابت المرأة بغيابها وغيبت بتغييبها من الذاكرة الجمعية الفلسطينية ، ثم عادت إلى الظهور مع ما وصفته ببزوغ بعض التحولات البطيئة التي تحدث على هامش المدن "المختلطة" والقرى التي تتحول عدديا إلى مدن؟

حسن: هناك ثمة ما يُشير إلى بدء بزوغ بعض التحولات البطيئة في هذا السياق، والتي بدأت تأثيراتها بالظهور في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث تزامن هذا الظهور مع بدء ارتفاع الوزن النوعي للشرائح المدينية الفلسطينية "يتامى حاضرتها"، أي تلك المقيمة على هامش المدن اليهودية المسماة "بالمدن المختلطة". هذا إضافة إلى بدء بروز تراكمات لعناصر مدينية معيّنة، من شرائح وسطى ومثقفين، حبيسة الحيز الريفي، صارت تنمو في النسيج الريفي "للمدن المُتخيلة"، أي تلك التجمعات الريفية التي تعاني من "التضخم" السكاني، فأُطلق عليها جزافا لقب "مدينة".

لكن من المهم التأكيد أن حدوث مثل هذه التحولات لا يلغي بأي حال من الأحوال الحالة الوجودية لغياب المدينة، التي تميز المجتمع الفلسطيني في الداخل، ولا استمرار حدوث عمليات "الترييف" فيه، حيث تتحابك هذه التحولات وتنضفر بالأخيرة (عمليات الترييف) وضدها في حراك يمكن اعتباره مضادا للنزعات القائمة والسائدة.

عرب 48: في هذا الإطار قمت بتسليط الضوء على حضور المدينة التي كانت تعج بالحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية وبالرجال والنساء في الحالة الفلسطينية السابقة على النكبة، لتصلي إلى الاستنتاج المنشود بأن المدينة والمرأة كانتا الضحية الأساس للنكبة، وأنه بتدمير المدينة المطلق جرى تدمير نمط الحياة المدنية التي كانت تستطيع فيه المرأة التعبيرعن ذاتها وكينونتها؟

حسن: في الحقيقة ان أهمية تناول التحولات التي حصلت في مكانة النساء وعلاقات الجنوسة على ضوء حضور المدينة وغيابها يشكل الأساس النظري للبحث/ الكتاب، والذي يعتبر المدينة، (وخصوصا الحديثة)، عاملاً يُحدث في وجوده العديد والكثير من الظواهر والتحولات الاجتماعية والثقافية بينها نشوء القومية (في صيغتها الحديثة)، نشوء الفنون التشكيلية، الرواية، مقاربات علمانية، تحولات في علاقات الجنوسة ومكانة النساء ونشوء النسوية وغيرها. من هنا سيؤدي تغييب الحاضرة والوجود الحضري، إلى تدمير وتغييب الكثير من الظواهر والتحولات الاجتماعية والثقافية التي تشكل الحاضرة مهدها ومنشأها.

وفي هذا الإطار فان الحيز الحضري الفلسطيني الذي تمكن بحضوره من خلق وإنتاج العديد من التحولات الاجتماعية في مكانة النساء وعلاقات الجنوسة، نجح أيضا وقبل تدميره في إنتاج العديد من المؤسسات والفضاءات المدينية في الحيز العام، نذكر منها على سبيل المثال الصحف العديدة والمتنوعة التي صدرت حتى عام 1948 في المدن المختلفة، والتي وصل عددها إلى ما لا يقل عن 206 صحيفة تشملت مختلف التخصصات.

هذا إضافة إلى دور السينما العديدة التي أقيمت في مختلف المدن الفلسطينية، والتي وصل عددها إلى العشرات، ناهيك عن المسرح، ودور الإذاعة (كإذاعة "هنا القدس" 1936 واذاعة الشرق الأدنى – يافا 1941\42). ناهيك عن المطاعم، المقاهي، المكتبات العامة، النوادي الثقافية والرياضية والتي وصل عددها في مختلف المدن إلى مئات النوادي، المراقص والملاهي، المسابح والحدائق العامة والمنتزهات والجمعيات العامة والجمعيات التعاونية، النقابات العمالية والتنظيمات النسائية وغيرها من الفضاءات والأحياز الحضرية التي لم تكف المدن الفلسطينية عن خلقها وإنتاجها، إلا في عام 1948، حين دُمّرت الحاضرة وحصلت النكبة.

عرب 48: في حديثك عن تغييب المدينة من الرواية الصهيونية ومن الذاكرة الجمعية الفلسطينية، اعتبرت ذلك بمثابة خطيئة أخرى، ارتكبت ليس فقط بحق المدينة بل بحق المرأة الفلسطينية التي وإن قطعت النكبة مسيرة تطورها، أسوة بباقي المجتمع فإن تغييب المدينة، أهال التراب على الإنجازات التي راكمتها عبر مسيرة كفاحها الطويلة؟

حسن: من الواضح لماذا تم تغييب المدينة الفلسطينية من الرواية الصهيونية، ولكن لماذا جرى تغييبها وشطبها من الذاكرة الجمعية الفلسطينية؟ وبالتالي خلق وعي مزيف بأن المجتمع الفلسطيني كان دائما مجتمعا قرويا لم يمر بعمليات تمدين جدية.

يمكن الإشارة في هذا السياق إلى الكثير من العوامل التي جعلت حركة التحرر الفلسطيني تتبنى "الوعي القروي" على حساب "الوعي المديني"، منها طابع الصراع مع الحركة الصهيونية والذي يتمحور حول الأرض، وحقيقة أن الخطاب والتاريخ الفلسطيني يستندان إلى العلاقة الشجاعة التي تربط بين القرية وبين الصمود في الأرض، ناهيك عن الدور المركزي للقرية في الوعي والذاكرة.

وبدون شك فإن هذا الاختيار ساهم في رفع شأن رمزية القرية على حساب المدينة كمميز مهم في ما يسمى "سياسة الذاكرة" الفلسطينية، خلال عشرات السنين التي مرت منذ النكبة، وهي تنعكس بشكل جلي في عدة مشاريع بحث جديرة بالاحترام، مثل مشروع البحث الواسع لجامعة بير زيت حول التاريخ الاجتماعي للقرى المدمرة، أبحاث د. شكري عراف عن القرية الفلسطينية، والكتاب الهام لوليد الخالدي "كي لا ننسى" الذي يستعمل كـ "نصب تذكاري نصي" للمواقع الفلسطينية التي كانت ولم تعد قائمة اليوم، والذي يركز أساسا على القرى.

الخالدي يبرر تجاهل المدن بالقول إنه أراد تخليد القرى التي محيت عن الوجود في الذاكرة لكي لا تنسى، في حين أن المدن التي "انقرضت" أو تم تغيير طابعها بعد 1948 تغيرت وضعيتها ولم تمح عن الوجود، مشيرا إلى أنه مهما كانت خسارة المدن كبيرة ولا يمكن تعويضها فإن كتابه لن يتطرق اليها.

عرب 48: هذا القطع التاريخي، إن صح التعبير، أعاد المرأة الفلسطينية في المجتمع القروي المتبقي في الجزء من الوطن الذي أقامت عليه إسرائيل كيانها عام 1948، إلى نقطة البداية وحشرموضوع تطوير المرأة وتحررها في سياق إسرائيلي، حيث بات ينسب أي تطور على هذا الصعيد لـ "التحضر" الإسرائيلي، كما ذكرت، ، وينظر اليه كنوع من الأسرلة وهو ما أعاق مسيرة المرأة الفلسطينية؟

حسن: "فقدان الذاكرة الجماعية" المرتبطة بالماضي المديني للمجتمع الفلسطيني قبل 1948، هو الذي بلور النظرة إلى وضعية النساء الفلسطينيات في دولة إسرائيل، والتحولات التي طرأت على مكانتهن، وتلك النظرة التي تذوت الرواية الصهيونية تنتشر بين أوساط الكثير من الفلسطينيين والفلسطينيات تعزو أي تطور على هذا الصعيد إلى تأثير المجتمع الاسرائيلي ورافعات الحداثة التي جلبها علينا.

وهي نظرة ترى أن التطور الحاصل في علاقات الجنوسة بين "الفلسطينيين المدينيين"، الذين يعيشون في أطراف المدن التي تسمى "مختلطة"، وتطوير مكانة المرأة هو نتيجة للعيش بين اليهود وليس نتاج حياة المدينة نفسها.

هكذا تحولت عملية "فقدان الذاكرة الجماعية" إلى إعادة بناء ذاكرة جديدة في ظروف السيطرة، وخلق أسطورة، جرى تذويتهان أيضا، من قبل الكثير من الفلسطينيين والفلسطينيات، تقول إن التغييرات التي طرأت على المجتمع العربي وعلى وضع المرأة العربية في إسرائيل، هي أكبر بما لا يقاس مما حصل في الدول العربية، وهي أسطورة لا يمكن تحطيمها دون فهم "التاريخ المديني" لفلسطين قبل النكبة.


* د. منار حسن: محاضرة وباحثة وناشطة نسوية. تعمل في جامعة بئر السبع. حصلت على شهادة الدكتوراه من قسم العلوم الاجتماعية والانسانية في جامعة تل أبيب، وعلى لقب الماجسير من جامعة "غرينيتش" بلندن في دراسات العرق والجنوسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية. من القضايا البحثية التي تهتم بها وتتناولها في أبحاثها: علم الاجتماع الحضري، دراسات الحيّز، دراسات الجنوسة (الجندر)، الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية والذاكرة الجمعية. أجرت ونشرت العديد من الأبحاث منها: "سياسة الشرف: الأبوية، الدولة وقتل النساء بحجة الشرف".

كتابها الجديد الذّي يحمل العنوان: المُغيّبات - نساء والمدن الفلسطينية صدر من قبل سلسلة مزاملة الدراسة والنّقد – إصدار معهد "فان لير"/ "هكيبوتس هميئوحاد". حاليّا يتم العمل على ترجمة كتابها الجديد للغتين العربية والإنجليزية لإصدارهما بداري نشر هامّتين.

منار حسن، هي من مؤسسات التنظيم النسوي الفلسطيني الأول الذي أقيم في المجتمع الفلسطيني في الداخل وسُمي: "الفنار – التنظيم النسوي الفلسطيني".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018